في 12 مارس، استهدفت إيران سفينتين تحملان النفط العراقي في ميناء الفاو بمحافظة البصرة، في أقصى جنوب البلاد.
لم يكن هذا الهجوم هو الوحيد على قطاع النفط العراقي.
منذ أن أغلقت إيران مضيق هرمز في 2 مارس، تزايدت المخاوف في بغداد، حيث أن هذا الممر المائي هو شريان الحياة المالي للعراق.
بسبب موقعها الجغرافي كدولة ذات وصول بحري محدود، يعتمد العراق بشكل أساسي على موانئه الجنوبية، التي تمر صادراتها عبر مضيق هرمز.
أكثر من 94 في المئة من صادرات النفط العراقي تمر عبر المضيق، بينما تمثل إيرادات النفط حوالي 90 في المئة من موارد الميزانية العامة للدولة.
إن استمرار إغلاق المضيق لا يعني فقط توقف حركة الشحن؛ بل يهدد أيضًا المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة التي تعتمد عليها لتمويل الإنفاق العام.
قبل اندلاع الحرب، كان العراق ينتج حوالي 4.4 مليون برميل يوميًا وفقًا لالتزاماته مع تحالف أوبك+، ويصدر حوالي 3.3 مليون برميل يوميًا عبر موانئ البصرة، والعمية، ومنصات التحميل البحرية.
لكن مع توقف الملاحة عبر المضيق، تعطلت حركة الناقلات تقريبًا بشكل كامل. بحلول 11 مارس، تم تعليق حركة الشحن لأكثر من عشرة أيام، مما تسبب في تراكم الناقلات ومنعها من الوصول إلى موانئ التحميل.
نظرًا لسعة التخزين الاستراتيجية المحدودة للعراق، اضطرت وزارة النفط إلى تقليل الإنتاج تدريجيًا لتجنب امتلاء خزانات التخزين. تشير التقديرات إلى أن الإنتاج في الحقول الجنوبية قد انخفض بنحو 70 في المئة، ليصل إلى حوالي 1.3 مليون برميل يوميًا. يتم تخصيص معظم هذه الكمية لتشغيل المصافي المحلية وتزويد محطات الطاقة بالوقود.
قال زياد الهاشمي، باحث اقتصادي متخصص في اقتصاديات النقل الدولي: “إذا استمرت الحرب وإغلاق المضيق، فسوف يتسبب ذلك في انتكاسة كبيرة للحكومة العراقية وميزانيتها العامة، حيث قد تنخفض إيرادات النفط بنسبة 80 إلى 90 في المئة.”
وأضاف لـ”الحرة”: “حتى الآن، الوضع قابل للإدارة وهناك احتياطيات مالية، لكن لا توجد خطة منهجية لإدارة المخاطر خلال الأزمات. العراق ليس لديه خطة طوارئ للتعامل مع هذه الأزمة.”
هذا الانخفاض الحاد في الإنتاج لا يؤثر فقط على الصادرات؛ بل قد يكون له أيضًا عواقب تقنية. قد تؤدي الإغلاقات المفاجئة للآبار في حقول عملاقة مثل الرميلة وغرب القرنة إلى مشاكل تتعلق بضغط الخزان وتراكم المواد داخل الآبار. قد يجعل ذلك استعادة مستويات الإنتاج السابقة أكثر تعقيدًا وتكلفة بعد انتهاء الأزمة.
ماليًا، تقدر الخسائر المباشرة للعراق من توقف صادرات النفط بين 6 مليارات و7 مليارات دولار شهريًا، بناءً على الأسعار الحالية التي تجاوزت 115 دولارًا للبرميل. ومن المفارقات، أن ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الأزمة لا يفيد العراق، لأنه غير قادر على الاستفادة من هذه الأسعار المرتفعة بينما تظل صادراته معطلة.
تؤثر هذه التطورات بشكل مباشر على الوضع المالي للبلاد. تعتمد ميزانية العراق بشكل كبير على إيرادات النفط، بينما يشكل الإنفاق التشغيلي – خاصة الرواتب، والمعاشات، وبرامج الحماية الاجتماعية – أكبر جزء من نفقات الحكومة.
يوجد حوالي 3.6 مليون موظف في القطاع العام، بالإضافة إلى ما يقرب من 2.9 مليون متقاعد. يعتمد جزء كبير من النشاط الاقتصادي المحلي على هذه الرواتب، التي تحرك القوة الشرائية في الأسواق.
قال غازي الفيصل، مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، لـ”الحرة” إن “إغلاق المضيق سيسبب بالتأكيد ضررًا، لكن العراق ليس طرفًا في الحرب ولديه استثناء يسمح لناقلاته بالعبور. إذا لم يمر النفط العراقي، سيتضرر الاقتصاد العراقي من حيث دفع الرواتب واستيراد السلع.”
وأضاف: “سيتأثر العراق بالتأكيد بالحرب، وإغلاق المضيق لن يضر العراق وحده بل عدة دول.”
تجري مناقشات في الأوساط الاقتصادية حول مجموعة من الخيارات الطارئة. تشمل هذه الخيارات اللجوء إلى الاقتراض المحلي أو استخدام جزء من الاحتياطيات المالية، بالإضافة إلى تقليل بعض بنود الإنفاق وتأجيل المشاريع الاستثمارية.
لا يقتصر تأثير الأزمة على القطاع المالي؛ بل يمتد أيضًا إلى قطاع الطاقة في العراق. يعتمد جزء كبير من إنتاج الكهرباء على الغاز المصاحب الناتج عن استخراج النفط. ومع تراجع إنتاج النفط، انخفضت كمية الغاز المتاحة لمحطات الطاقة بشكل كبير، مما زاد الضغط على النظام الطاقي.
كما أثرت الاضطرابات في إمدادات الغاز المستوردة من إيران بسبب الحرب على ساعات إمداد الكهرباء في عدة محافظات. وقد اضطرت الحكومة إلى الاعتماد على وقود بديل مثل الديزل والنفط الخام لتشغيل بعض محطات الطاقة، وهو حل مؤقت يزيد من التكاليف التشغيلية ويضع ضغطًا إضافيًا على بنية المحطات التحتية.
قال الخبير المالي والاقتصادي صفوان قسّاي عبد الحليم لقناة الحرة: “يمتلك العراق احتياطيات مالية قوية تمكنه من مواجهة تداعيات الحرب في المنطقة، على الرغم من الانقطاع شبه التام لإيراداته النفطية.”
وأضاف أن “احتياطيات البنك المركزي العراقي، التي تتجاوز 100 مليار دولار، كافية لتغطية المعروض النقدي الصادر مع فائض يبلغ حوالي 30 مليار دولار، مما يضمن استقرار الدينار دون التأثير على معدلات التضخم.”
في الوقت نفسه، تأثرت الأنشطة التجارية في الموانئ العراقية، لا سيما في ميناء أم قصر، الذي يمثل البوابة الرئيسية لاستيراد المواد الغذائية والأدوية إلى البلاد. ومع توقف حركة الشحن، بدأت الحكومة والتجار في البحث عن بدائل عبر المعابر البرية مع تركيا والأردن.
ومع ذلك، تواجه هذه البدائل تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف النقل مقارنة بالشحن البحري، بالإضافة إلى القدرة المحدودة في المعابر البرية وإجراءات الجمارك التي قد تؤثر على سرعة تدفق البضائع.
تم طرح مقترحات لتعزيز صادرات النفط عبر ميناء جيهان التركي وكذلك عبر الأردن وطرق تصدير بديلة أخرى. ومع ذلك، قال زياد الهاشمي، الباحث الاقتصادي المتخصص في اقتصاديات النقل الدولي: “إن الصادرات عبر جيهان أو بواسطة شاحنات النقل البرية إلى الأردن ضئيلة مقارنة بتوقف الصادرات عبر مضيق هرمز.”

