في ظل تصاعد التوترات العسكرية، اختارت جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى أن تتماشى مع إيران.
أصدرت أكبر فروع الجماعة بيانًا رسميًا موقعًا من صلاح عبد الحق، المرشد العام بالإنابة، يدعو إلى “تعزيز التعاون والتنسيق” في مواجهة ما وصفته بـ “العدوان الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران.”
كما دعا شخصية الإخوان المسلمين السودانية النجي مصطفى إلى “دعم إيران”، في موقف يقول المراقبون إنه يعكس طبيعة العلاقة التي تربط بعض تيارات الإسلام السياسي بالنظام الإيراني.
هذه العلاقة بين إيران وجماعة الإخوان المسلمين ليست جديدة. بل تعود إلى جذور تاريخية وأيديولوجية تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
وفقًا للباحث ماهر فرغلي، المتخصص في الحركات الإسلامية، كانت جماعة الإخوان المسلمين من بين أولى القوى الإسلامية التي أعربت عن دعمها للثورة الإيرانية. بل أرسلت الجماعة ممثلين للقاء آية الله روح الله الخميني بعد نجاح الثورة.
كما يشير فرغلي إلى أن بعض قادة الثورة الإيرانية تأثروا بكتابات جماعة الإخوان المسلمين. قبل الثورة، قام علي خامنئي بترجمة بعض أعمال سيد قطب إلى الفارسية، وتداولت تلك الكتابات داخل الدوائر الثورية. وهذا يعكس درجة من التقارب الأيديولوجي بين عدة شخصيات بارزة في الإسلام السياسي، بما في ذلك حسن البنا، وأبو الأعلى المودودي، والخميني، الذين شاركوا فكرة “طليعة المؤمنين” والسعي لإقامة نظام حكم إسلامي.
السنة والشيعة
يقول الباحث في الحركات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي عمرو فاروق إن دعم جماعة الإخوان المسلمين لإيران يأتي في إطار روابط أيديولوجية وتنظيمية عميقة.
وأوضح أن الإخوان المسلمين و”ولاية الفقيه” في إيران تمثل، من وجهة نظره، وجهين للإسلام السياسي السني والشيعي، وغالبًا ما توصف بأنها ثنائية “الخلافة والإمامة”.
وأضاف فاروق أن موقف الإخوان المسلمين تجاه طهران يعكس أيضًا معارضة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة بعد أن تم إدراج بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب.
في يناير 2026، قامت إدارة الرئيس دونالد ترامب بتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، وفرضت عقوبات على تلك الفروع وعدد من أعضائها.
قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن هذه الإجراءات كانت جزءًا من خطوات أولية تهدف إلى إحباط العنف الذي تنفذه فروع جماعة الإخوان المسلمين.
يعتقد فاروق أن العلاقة بين الإخوان المسلمين والنظام الإيراني لا يمكن اختزالها في مواقف سياسية مؤقتة؛ بل تمتد عبر سياقات تاريخية متعددة. وأشار إلى أن طهران استضافت الإخوان المسلمين وقدمت لهم الدعم المالي والأيديولوجي في أوقات مختلفة.
وفقًا له، كان هذا واضحًا خلال فترة حكم الإخوان المسلمين في مصر بين عامي 2011 و2013، وكذلك فيما وصفه بالدعم الذي تلقته الجماعة خلال المواجهات بين “اللجان المتخصصة” للإخوان المسلمين ومؤسسات الدولة المصرية.
كما أشار إلى أن التقارير الرسمية الصادرة عن المتحدث العسكري المصري ووزارة الداخلية بين عامي 2014 و2019 تحدثت عن ضبط “أسلحة مصنوعة في إيران” بحوزة أعضاء وقادة جماعة الإخوان المسلمين خلال تلك الفترة.
بينما، صرح أمير حسين عبد اللهيان، وزير الخارجية الإيراني السابق والمستشار الخاص لرئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية – الذي توفي لاحقًا مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية – في تصريحات صحفية أنه زار مصر في عام 2012 بعد انتخاب محمد مرسي رئيسًا.
وأوضح عبد اللهيان أن الإخوان المسلمين وقعوا عدة اتفاقيات مع إيران وأن وفدًا إيرانيًا زار القاهرة في نفس العام، حيث التقى مرسي وقادة الإخوان. كما أشار إلى أن وفدًا من الإخوان زار طهران وأعرب عن رغبة في لقاء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، حتى لو كان ذلك لبضع دقائق فقط.
دولة “المرشد الأعلى”
من جانبه، يعتقد الدكتور فواز كاسب العنزي، باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، أنه لا توجد وثائق رسمية تثبت وجود اتفاق تنظيمي مباشر بين إيران والإخوان المسلمين ضد دول الخليج.
ومع ذلك، يجادل بأن الحقائق السياسية في الشرق الأوسط على مدى العقود الماضية قد كشفت عن تقاطعات واضحة في بعض الملفات الإقليمية.
وقال إن هذه التداخلات ظهرت خلال عدة أزمات في المنطقة، بما في ذلك بعض الفصائل المسلحة في سوريا، وبعض القوى السياسية أو الجماعات المسلحة في العراق، فضلاً عن بعض الأحزاب السياسية أو الجماعات في اليمن.
يعتقد أن هذه الديناميكيات ظهرت في سياق المنافسة الإقليمية ومحاولات إعادة تشكيل ميزان القوى داخل بعض الدول العربية بعد الربيع العربي.
كما أكد العنزي أن القضية الفلسطينية لعبت دورًا في هذا التقارب، حيث استخدمها مختلف الفاعلين ضمن خطابهم السياسي. بينما أطرّت إيران دعمها للفصائل الفلسطينية كجزء من استراتيجيتها الإقليمية، اعتبرت بعض الحركات الإسلامية أن هذا الدعم وسيلة لتعزيز نفوذها السياسي الخاص.
فيما يتعلق بمستقبل ما يصفه البعض بمشروع “دولة المرشد الأعلى”، قال الباحث عمرو فاروق إنه لا يزال من المبكر استنتاج أن المشروع – سواء كان سنيًا أو شيعيًا في الشكل – قد انتهى، نظرًا للحقائق الحالية على الأرض.
وأوضح أن الضغوط التي تعرض لها نظام ولاية الفقيه الإيراني لا تعني بالضرورة أن المشروع نفسه قد انتهى، تمامًا كما أن التحديات التي تواجه الإخوان المسلمين لا تعني أنها ستختفي تمامًا من المشهد السياسي.
يعتقد فاروق أن كلا المشروعين يمثلان أدوات أو مشاريع سياسية يمكن تفعيلها أو إعادة تموضعها اعتمادًا على الظروف السياسية لكل مرحلة. وبالتالي، فإن اختفائهما من المشهد قد يكون مؤقتًا، يليه إعادة تموضع أو تغييرات في الأدوار، خاصة مع دخول الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم توازنات القوى الإقليمية.

