تتزايد المخاوف العامة في مصر بشأن استمرار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وسط مخاوف من العواقب الاقتصادية والأعباء المالية الصعبة التي قد تثقل كاهل المصريين، الذين عانوا بالفعل من صعوبات كبيرة بعد أكثر من عشر سنوات تحت حكم الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي.
تتجدد الضغوط مرة أخرى على الاقتصاد المصري، الذي يعاني من ضعف في جوهره، حيث تستمر تداعيات الحرب في أسبوعها الثاني. وقد تزامنت الزيادات القياسية في أسعار النفط والغاز مع انخفاض حاد في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، واضطرابات في الشحن والتجارة عبر قناة السويس، وتباطؤ في السياحة، مما يشير إلى تكلفة باهظة عبر عدة جبهات.
اقتصاد هش
يبدو أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر عرضة للأزمات الإقليمية والدولية ويدفع بسرعة ثمن أي تصعيد في المنطقة، خاصة إذا كان يتعلق بدول الخليج التي تستضيف ملايين العمال المصريين (حوالي 8 ملايين). وقد وصلت تحويلاتهم إلى مستوى قياسي، حيث ارتفعت بنسبة 40.5 في المئة لتصل إلى حوالي 41.5 مليار دولار في عام 2025.
تزايدت المخاوف العامة بين المصريين مع استمرار انخفاض العملة المحلية، متجاوزة 52 جنيهاً مقابل الدولار. وهذا يعني تكاليف أعلى للسلع المستوردة، سواء كانت مستهلكة من قبل الجمهور أو مطلوبة من قبل المصانع كمواد خام وسلع وسيطة وسلع رأسمالية. وتزداد حدة الوضع مع ارتفاع تكاليف الشحن المدفوعة بزيادة أسعار النفط، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التأمين على السلع المستوردة.
كما زادت الضغوط على الجنيه المصري بسبب خروج أكثر من 2 مليار دولار من “الأموال الساخنة”، وإعلان عدة شركات شحن عالمية أنها ستتجنب المرور عبر قناة السويس وستأخذ بدلاً من ذلك طريق كيب هورن، وتراجع المؤشرات في البورصة المصرية، وانسحاب الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، وانخفاض الثقة في إجراء استثمارات جديدة—سواء كانت أجنبية أو محلية—في انتظار نتائج ومدة الحرب، وفقاً للمحلل الاقتصادي ممدوح الولي.
التصعيد المستمر، مع انضمام حزب الله في لبنان إلى الحرب واحتمالية دخول الحوثيين في اليمن إلى الصراع دعماً لإيران، يهدد بإعادة التوترات إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مما يعني توقفاً شبه كامل لحركة الملاحة البحرية الدولية المارة عبر قناة السويس.
خلال اجتماع يوم الاثنين الماضي مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاى بانغا، قدر السيسي خسائر القناة خلال العامين من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة—2024 و2025—بنحو 10 مليارات دولار.
كما من غير المرجح أن تسير السياحة بشكل أفضل مع انتشار الحرب إلى الدول المجاورة ودعوة الولايات المتحدة لمواطنيها لمغادرة 15 دولة في المنطقة، بما في ذلك مصر، مشيرة إلى “مخاطر أمنية خطيرة”.
تخطط دول أوروبية أخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، أيضاً لإجلاء مواطنيها من المنطقة. ستعمق هذه التدابير أزمة السياحة في مصر إذا شملت قرارات المغادرة مصر، على الرغم من أن البلاد لا تزال خارج الصراع المسلح المباشر.
صدمة النفط
مع تأثر الأسواق العالمية للطاقة، سيواجه ميزانية مصر تكاليف أعلى لاستيراد النفط والغاز الطبيعي. وقد ارتفع سعر خام برنت من 64.6 دولار للبرميل الشهر الماضي إلى ما يقرب من 120 دولار للبرميل في وقت كتابة هذه السطور، مما يمثل أكبر زيادة يومية منذ ما يقرب من 40 عاماً.
class=”MsoNormal”>يمثل صدمة النفط ضربة مؤلمة للاقتصاد المصري. وفقًا لميزانية السنة المالية الحالية 2025-2026، تم تحديد سعر النفط عند 75 دولارًا للبرميل، مما يخلق فجوة كبيرة مع الأسعار الحالية. وهذا يزيد من عبء فاتورة الطاقة على الدولة ويمهد الطريق لزيادة أسعار الوقود الحكومية التي ستنعكس حتمًا على تكاليف النقل وغيرها من السلع والخدمات.
وفقًا لمصادر حكومية تحدثت إلى “ميدل إيست مونيتور”، من المتوقع أن ترفع الحكومة أسعار الوقود إذا استمرت الحرب لفترة طويلة وظل مضيق هرمز مغلقًا. لقد منعت الحرب المستمرة وصول شحنات الغاز التي تعاقدت عليها مصر من قطر، إما بسبب توقف صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري بعد الأضرار التي لحقت بمنطقة راس لفان أو بسبب إغلاق مضيق هرمز. وبالتالي، ستتجه مصر إلى شراء الغاز الطبيعي من السوق الفورية، وهو أغلى من الغاز الذي يتم الحصول عليه من خلال عقود سابقة.
حذر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قبل بضعة أيام من أن استمرار الحرب مع إيران، والزيادة الناتجة في أسعار النفط، قد يجبر حكومته على إعادة النظر في أسعار الوقود.
في بداية هذا الشهر، أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر من حقلي تمار وليفياثان في البحر الأبيض المتوسط، مما قطع تدفقات تصل إلى 1.1 مليار قدم مكعبة من الغاز يوميًا وفرض ضغطًا إضافيًا على نظام الطاقة في البلاد.
تشير التقديرات الصادرة عن بنك الاستثمار الأمريكي “مورغان ستانلي” إلى أن عجز الطاقة في ميزانية الدولة المصرية قد يزيد بمقدار يتراوح بين 400 مليون و600 مليون دولار خلال ما تبقى من السنة المالية 2025-2026 إذا انتهت الحرب، ليصل إلى 2.4 مليار دولار إذا استمرت التصعيد.
قبل بضعة أيام، قال الرئيس المصري إن البلاد تعيش في حالة “طوارئ شبه” بسبب الوضع الحالي في المنطقة، مشيرًا إلى أن الأزمة قد يكون لها تداعيات على الأسعار.
تقول الحكومة المصرية إنها تمتلك مخزونًا استراتيجيًا كبيرًا من السلع الغذائية الأساسية يكفي لعدة أشهر، مع التأكيد على الاستعداد الكامل لتوفير العملة الأجنبية اللازمة لتأمين المنتجات البترولية إذا استمرت الحرب. ومع ذلك، فإن هشاشة الاقتصاد، وانهيار قيمة العملة المحلية، وارتفاع الدين الخارجي – الذي وصل إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، وفقًا للبيانات الرسمية – من المرجح أن تضع المصريين تحت ضغط موجة جديدة من الزيادات في الأسعار وقد تدفع شرائح إضافية من السكان إلى الفقر.
الضغوط الأمنية
بالإضافة إلى انخفاض قيمة العملة المحلية، وتأثير ذلك على إيرادات قناة السويس، وانخفاض النشاط السياحي، وتدفق الأموال الساخنة، وارتفاع أسعار النفط والغاز – هناك خمس قضايا تضع ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد المصري – فإن أكثر الدول العربية كثافة سكانية تستعد أيضًا لتحمل تكاليف أمنية كبيرة في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
تواجه مصر معضلة استراتيجية كبيرة إذا استمرت الحرب ونجحت إسرائيل في تحقيق هدفها في إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. وهذا سيفرض ترتيبات أمنية جديدة للتعامل مع احتمال انهيار إيراني، ومخاطر تفكك المنطقة إلى فوضى متجددة، ومحاولات للحد من توسع النفوذ الإسرائيلي بعد ضعف ما يعرف بـ “محور المقاومة”.
class=”MsoNormal”>بينما تستمر الحرب، قد يتحول القرن الإفريقي إلى ساحة معركة بالوكالة بين واشنطن وطهران، مما يوسع نطاق المواجهة العسكرية ويقربها من مصر. من المتوقع أيضًا أن تتصاعد الضغوط الأمنية والاستراتيجية إذا انتهت الحرب بهزيمة إيران وتغيير النظام أو تفككه، مما يسمح لإسرائيل بالهيمنة على المنطقة ومواردها تحت شعار التطبيع والازدهار. وهذا سيشكل تهديدًا أعمق وأكثر خطورة للأمن المصري، الذي يواجه بالفعل تحديات متزايدة على عدة جبهات في جميع أنحاء البلاد، وفقًا للباحث السياسي حمدي المصري.
وفي حديثه إلى “ميدل إيست مونيتور”، قال المصري إن القاهرة قد تكون قد توقعت الخطط الإسرائيلية، وفي ظل هشاشة المظلة الأمنية الأمريكية، دعت إلى تشكيل قوة عربية مشتركة لحماية أمنها وأمن شركائها الإقليميين. ومع ذلك، لم تلقَ الدعوة صدى لسنوات، ومن المتوقع أن يزداد الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية-الإسرائيلية بعد الحرب، مما يعرض الأمن القومي المصري لمزيد من المخاطر.

