مع توسع الحرب في الشرق الأوسط وامتداد تداعياتها إلى الشحن عبر مضيق هرمز، يراقب الخبراء الدوليون في الزراعة والاقتصاد عن كثب ما قد يحدث لسلاسل إمداد الأسمدة التي يعتمد عليها ملايين المزارعين في جميع أنحاء العالم.
يعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الشرايين للتجارة العالمية—ليس فقط للطاقة، ولكن أيضًا للأسمدة القائمة على النيتروجين. تحتل دول الخليج وإيران مرتبة بين أكبر منتجي الأمونيا واليوريا في العالم، وهما مكونان أساسيان في إنتاج الأسمدة النيتروجينية التي تعتمد عليها الزراعة الحديثة. أي اضطراب في تدفقات التصدير عبر هذا الممر البحري قد يؤثر مباشرة على توفر هذه المواد في الأسواق العالمية، خاصة خلال موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي.
ومع ذلك، فإن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد خطر على الإمدادات. قد تفتح التوترات في الخليج أيضًا الباب لإعادة توزيع النفوذ في سوق الأسمدة العالمية، مع احتمال دخول لاعبين آخرين لملء جزء من أي فجوة—وأبرزهم المغرب.
وفقًا لديفيد لابورد، مدير الاقتصاد والزراعة في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تعتمد الزراعة الحديثة على ثلاثة مكونات رئيسية من الأسمدة: النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم. يتم إنتاج الأسمدة النيتروجينية بشكل أساسي من الغاز الطبيعي، بينما تعتمد الأسمدة الفوسفاتية على صخور الفوسفات.
تشير بيانات الفاو إلى أن العالم يستهلك أكثر من 190 مليون طن من المغذيات الزراعية سنويًا، بما في ذلك حوالي 110 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، و45 مليون طن من الفوسفور، و40 مليون طن من البوتاسيوم.
تعتبر الأسمدة النيتروجينية الأكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية لأنها تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي، مما يجعل إنتاجها مركزًا في البلدان الغنية بالطاقة.
في هذا السياق، يبرز لابورد الدور المحوري الذي تلعبه دول الخليج في السوق العالمية. إلى جانب إيران، تعد السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين من كبار منتجي الأسمدة النيتروجينية، وخاصة اليوريا والأمونيا.
تشير تقديرات السوق إلى أن خمس دول خليجية، إلى جانب إيران، تمثل أكثر من ثلث صادرات اليوريا العالمية وحوالي ربع تجارة الأمونيا العالمية.
تعتبر اليوريا، على وجه الخصوص، واحدة من أكثر الأسمدة استخدامًا في جميع أنحاء العالم، حيث توفر مصدرًا مركزًا من النيتروجين الضروري لنمو المحاصيل. أي اضطراب في تصديرها قد يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق الزراعية، خاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
يشير لابورد إلى أن أهمية الخليج لا تقتصر على حجم الإنتاج بل تمتد أيضًا إلى لوجستيات التصدير. ويقول: “يمر جزء كبير من صادرات الأسمدة النيتروجينية عبر الخليج، وأي اضطراب محتمل في الملاحة في المنطقة قد يؤثر على تدفق هذه المنتجات إلى الأسواق العالمية.”
على الرغم من هذه المخاطر، يعتقد لابورد أن الأسواق العالمية قد تحتفظ ببعض القدرة على التكيف. ويقول: “من غير المحتمل أن يواجه العالم نقصًا فوريًا في الأسمدة، ولكن قد نشهد تقلبات في الأسعار أو تغييرات في مصادر الإمداد.”
على النقيض من ذلك، قد يكتسب لاعب آخر أهمية أكبر إذا حدثت اضطرابات في سوق الأسمدة النيتروجينية: المغرب.
يمتلك المغرب حوالي 70 في المئة من احتياطيات الفوسفات المعروفة في العالم، مما يجعله لاعبًا استراتيجيًا في سوق الأسمدة الفوسفاتية.
يتم قيادة هذا القطاع من قبل مجموعة OCP، واحدة من أكبر شركات الأسمدة في العالم. تنتج الشركة حوالي 35 مليون طن من صخور الفوسفات سنويًا وأكثر من 12 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية. يصدر المغرب منتجاته الزراعية إلى أكثر من 160 دولة، مما يضعه كمورد رئيسي في الأسواق العالمية للأسمدة، خاصة في أفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
يلاحظ لابورد أن الفوسفات يمثل عنصرًا مختلفًا في معادلة سوق الأسمدة. “المغرب هو لاعب رئيسي في سوق الفوسفات، الذي يرتبط بشكل أقل بالغاز الطبيعي مقارنة بالأسمدة النيتروجينية”، كما يقول. ومع ذلك، يضيف أن الفوسفات وحده لا يمكن أن يعوض عن النقص المحتمل في الأسمدة النيتروجينية. “تعتمد الأسمدة على توازن بين النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم. أي اضطراب في أحد هذه المكونات يمكن أن يؤثر على النظام الزراعي بأكمله.”
بالإضافة إلى المغرب، تعتبر الصين لاعبًا آخر يمكن أن يؤثر على توازن سوق الأسمدة العالمي. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، فرضت بكين قيودًا على صادرات الأسمدة لحماية سوقها المحلي وضمان الإمدادات للمزارعين الصينيين.
يشير لابورد إلى أن مثل هذه السياسات قد تقلل من قدرة السوق العالمية على الاستجابة بسرعة للاضطرابات. “لقد فرضت بعض الدول الكبرى المنتجة للأسمدة قيودًا على الصادرات في السنوات الأخيرة، مما قد يجعل التكيف مع الصدمات الجيوسياسية أكثر تعقيدًا.”
لقد شهدت أسواق الأسمدة بالفعل اضطرابات كبيرة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا في عام 2022، والتي أثرت على الصادرات من روسيا وبيلاروسيا.
أدت تلك الأزمة إلى زيادات حادة في الأسعار العالمية وكان لها تأثير شديد بشكل خاص على الدول النامية التي تعتمد على الواردات الزراعية. يحذر لابورد من أن سلسلة من الأزمات العالمية – من جائحة كوفيد-19 إلى الحرب في أوكرانيا – قد وضعت العديد من الاقتصاديات الهشة تحت ضغط مالي كبير، مما جعلها أكثر عرضة لأي صدمة جديدة.
اليوم، يخشى بعض الخبراء من أن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد يضع ضغطًا إضافيًا على السوق. ومع ذلك، يعتقد لابورد أن الوضع لا يزال تحت السيطرة في الوقت الحالي. “لقد أصبحت الأسواق الزراعية العالمية أكثر خبرة في التعامل مع الصدمات. قد نرى تقلبات في الأسعار، ولكن من المبكر جدًا الحديث عن أزمة إمدادات واسعة النطاق.”
يضيف أن ليس جميع الدول تواجه نفس مستوى التعرض. من المرجح أن تكون الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة هي الأكثر عرضة للتقلبات. من بين تلك التي قد تواجه ضغطًا أكبر، وفقًا لابورد، هي دول في جنوب آسيا مثل بنغلاديش وباكستان؛ ودول في الشرق الأوسط مثل الأردن وتركيا؛ ودول في شرق إفريقيا مثل كينيا وإثيوبيا والصومال، حيث يعاني الملايين بالفعل من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي.
في النهاية، تسلط أزمة الأسمدة المحتملة الضوء على واقع غالبًا ما يتم تجاهله في النقاش العام: تعتمد الأمن الغذائي العالمي ليس فقط على الإنتاج الزراعي، ولكن أيضًا على الجغرافيا السياسية للموارد الطبيعية. بين الغاز الطبيعي في الخليج، والفوسفات في المغرب، وسياسات التجارة في الصين، تتشكل شبكة معقدة – واحدة ستحدد مستقبل الزراعة العالمية.

