مع استمرار الحرب على إيران، وسط تصاعد المواجهات العسكرية وتبادل الضربات، تسعى القاهرة – جنبًا إلى جنب مع عواصم أخرى – إلى اتباع مسار موازٍ يهدف إلى احتواء تداعيات الصراع وفتح نافذة لحل دبلوماسي.
قال مصدر حكومي مصري رفيع المستوى لقناة الحرة إنه منذ اليوم الأول للأزمة، سعت القاهرة إلى سد الفجوة بين إيران والولايات المتحدة من خلال جهود دبلوماسية مكثفة واتصالات رفيعة المستوى، سواء على المستوى الرئاسي أو عبر وزارة الخارجية. وأوضح المصدر أن الهدف هو تعزيز قناعة مشتركة بين جميع الأطراف بأن الخيار العسكري لن يحقق نتائج حاسمة لأي طرف، بل سيؤدي بدلاً من ذلك إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.
وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث علنًا، أن هذه الجهود تأتي في وقت تزايد فيه القلق الإقليمي بشأن احتمال اتساع نطاق الحرب – خاصة مع انخراط الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر في عمليات عسكرية ضد إيران، إلى جانب التهديدات المتزايدة لطرق الشحن في الخليج والأسواق العالمية للطاقة.
مساران: الدعم السياسي والوساطة
وأوضح المصدر أن جهود مصر تجاه دول الخليج مبنية على ركيزتين رئيسيتين. الأولى سياسية، ولها بعدان: تأكيد دعم مصر الكامل وتضامنها مع دول الخليج في مواجهة التهديدات الحالية، والأهم من ذلك – استكشاف الفرص التي تمكن القاهرة من لعب دور وساطة فعّال لوقف الحرب.
وأكد أن الوساطة المقترحة لم تقتصر أبدًا على تخفيف التوترات بين إيران ودول الخليج فقط، بل كانت تهدف بدلاً من ذلك إلى إنهاء الحرب تمامًا واحتواء تداعياتها الإقليمية.
في هذا السياق، تبرز جهود مصر أيضًا دور القاهرة الإقليمي وثقلها السياسي – خاصة في أزمة تقع نسبيًا خارج نطاق نفوذها التقليدي مقارنةً بالملفات الطويلة الأمد مثل القضية الفلسطينية. وهذا يعكس طموحًا أوسع لتوسيع بصمة مصر الدبلوماسية في الأزمات الإقليمية الكبرى.
الضغوط الاقتصادية تدفع نحو الاستعجال
تتصل هذه التحركات الدبلوماسية أيضًا بالاعتبارات الاقتصادية الملحة. وأشار المصدر إلى أن استمرار الحرب يضع ضغطًا كبيرًا على اقتصاد مصر، الذي يعتمد بشكل كبير على مصادر العملة الصعبة الخارجية – بما في ذلك إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتحويلات المصريين في الخارج، وصادرات الغاز الطبيعي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي قصيرة الأجل.
على الرغم من هذه الجهود، اعترف المسؤول المصري بصعوبة تحقيق وقف كامل لإطلاق النار في هذه المرحلة. وشرح أن قرار إنهاء الصراع يعتمد في النهاية على ثلاثة فاعلين رئيسيين غير عرب: الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
ومع ذلك، أكد أن مجرد استمرار الاتصالات وفتح قنوات للدبلوماسية والتفاوض يمثل تطورًا إيجابيًا، بينما يشير أيضًا إلى أن سيناريو الاستسلام الكامل لإيران قد تم استبعاده.
واختتم المصدر بالتأكيد على أهمية ضبط النفس في هذه المرحلة الحساسة، محذرًا من عواقب مزيد من التصعيد – خاصة على الأمن البحري. وأشار إلى أن أي اضطراب قد يكون له تداعيات اقتصادية إقليمية وعالمية بعيدة المدى، تؤثر على تدفقات التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، وتؤدي إلى تقلبات في أسعار النفط والغذاء.
تراجع الخليج يفتح المجال للوسطاء الجدد
تأتي هذه الجهود في وقت حساس بشكل خاص، عقب الضربات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والمرافق المدنية والاقتصادية—وهي تطورات دفعت دول الخليج إلى تقليص دورها في الوساطة لإنهاء الحرب.
أعلنت وزارة الخارجية القطرية انسحابها من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرة إلى تركيزها على حماية أمنها الداخلي. اتخذت الإمارات العربية المتحدة خطوات تصعيدية من خلال إغلاق سفارتها في طهران، بينما أعلنت المملكة العربية السعودية أن الملحق العسكري الإيراني ومساعده، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين، شخصيات غير مرغوب فيها.
فتح هذا التحول في موقف الخليج الباب أمام قوى إقليمية أخرى لتولي دور الوساطة. برزت مصر إلى جانب تركيا وباكستان—مع مشاركة من عمان—كلاعبين رئيسيين يحاولون إعادة فتح قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن والبحث عن مخرج دبلوماسي من الأزمة.
جهود الوساطة المنسقة
في هذا السياق، شارك وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يوم الأربعاء في اجتماع رباعي مع نظرائه من السعودية وتركيا وباكستان، على هامش تجمع وزاري تشاوري في الرياض. كان الهدف من الاجتماع توحيد المواقف بشأن الوضع العسكري المتصاعد بسرعة واستكشاف آليات لاحتواء التوترات—خصوصاً في ضوء الضربات الإيرانية على البنية التحتية الحيوية في الخليج.
وفقاً لموقع أكسيوس، نقلاً عن مصدر أمريكي، لعبت مصر وتركيا وباكستان مؤخراً دوراً في نقل رسائل غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. وأشار المصدر إلى أن وزراء الخارجية لهذه الدول أجروا اتصالات منفصلة مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وكذلك مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
أشار نفس المصدر إلى أن جهود الوساطة هذه مستمرة وقد حققت تقدماً نسبياً، حيث تركزت المناقشات على إنهاء الحرب ومعالجة القضايا العالقة، وسط آمال في تحقيق اختراق دبلوماسي في المستقبل القريب.
إشارات الزخم الدبلوماسي
تزامنت هذه التطورات مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إن “محادثات جيدة وبناءة” قد جرت مع إيران، معلناً عن تأجيل لمدة خمسة أيام لأي ضربات عسكرية محتملة على البنية التحتية للطاقة الإيرانية.
يرى المراقبون أن تصريحات ترامب تشير إلى تأثير الضغط الدبلوماسي الذي تمارسه الأطراف الوسيطة، بهدف خلق نافذة زمنية لإعطاء المفاوضات فرصة.
في وقت سابق، في 13 مارس، تلقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مكالمة هاتفية من نظيره الإيراني، مسعود بيزشكين، حيث ناقشا الجهود لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى طاولة المفاوضات. وأكدت القاهرة استعدادها للعب دور الوساطة، بينما عززت مصر دفعها الدبلوماسي من خلال جولة رئاسية في عدة دول خليجية.
قالت السيناتور المصرية عفت السادات، نائبة رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن هذه الزيارات تحمل رسائل سياسية واضحة وتهدف إلى بناء موقف عربي موحد، إلى جانب التواصل الدبلوماسي مع القوى الدولية.
أثر الوساطة والمخاطر المقبلة
قال المحلل السياسي التركي يوسف كاتيب أوغلو إن الجهود المشتركة بين مصر وتركيا وباكستان ساهمت بشكل كبير في تقليل مستوى التصعيد الإقليمي ولعبت دورًا في تشجيع الرئيس ترامب على اعتماد نبرة أكثر تسامحًا.
وأضاف أن جهود الوساطة لا تزال مستمرة، حيث تواصل هذه الدول العمل على فتح قنوات الحوار بين جميع الأطراف المعنية، على الرغم من تعقيد الوضع وتصاعد التوترات على الأرض.
وأشار كاتيب أوغلو إلى أن اجتماع الرياض يمثل خطوة مهمة في جهود التنسيق، لكن التطورات على الأرض – بما في ذلك الضربات الإيرانية على الرياض بالتزامن مع هذه التحركات الدبلوماسية – تسلط الضوء على حجم التحديات التي تواجه أي مسار دبلوماسي.
وحذر من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى أزمة عالمية كبيرة، نظرًا لتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. كما أشار إلى الجهود الدبلوماسية المكثفة الهادفة إلى منع الهجمات على البنية التحتية للطاقة، مؤكدًا أن استهداف مثل هذه المنشآت قد يمثل نقطة تحول خطيرة نحو صراع إقليمي أوسع.
تشير التحركات المصرية والإقليمية إلى جهد حازم للحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة إلى جانب التصعيد العسكري المستمر. ومع ذلك، فإن فرص نجاحها لا تزال مرتبطة بمواقف الأطراف الرئيسية المعنية في النزاع.

