“التهديد الحقيقي هو أن بارس—حقل الشمال قد يتحول إلى شيء يشبه مضيق هرمز للغاز”، يحذر سيريل ويدير شوفن، محلل في بلووتر ستراتيجي، في تصريحات لقناة الحرة، مشيرًا إلى خطر الضربة الإسرائيلية التي استهدفت حقل الغاز الإيراني في جنوب بارس.
تمثل الهجمة تصعيدًا خطيرًا، حيث تنقل الصراع من الأهداف العسكرية التقليدية إلى البنية التحتية الاستراتيجية للطاقة، في منطقة تدعم إمدادات الغاز والنفط الحيوية للأسواق العالمية.
يقع الحقل، الذي يقع قبالة ساحل بوشهر على الجانب الإيراني، وهو أكبر خزان غاز مشترك في العالم مع قطر، حيث يُعرف باسم حقل الشمال. يحتوي هذا الاحتياطي على حوالي 1,800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج، مما يجعله حجر الزاوية في نظام الطاقة العالمي وشريانًا حيويًا لأوروبا وآسيا، خاصة بعد الانخفاض في الاعتماد على الغاز الروسي.
كانت الاستجابة الخليجية سريعة. وصفت الإمارات العربية المتحدة الضربة بأنها “تصعيد خطير”، بينما اعتبرت قطر أنها “تهديد للأمن الطاقي العالمي.” في واشنطن، قال دونالد ترامب إن الولايات المتحدة “لم تكن على علم بهذه الهجمة”، مؤكدًا أن إسرائيل نفذتها بشكل أحادي.
على الرغم من أن مسؤولًا إسرائيليًا أخبر أكسيوس أن الضربة كانت تهدف إلى إضعاف قدرة إيران الإنتاجية، إلا أن الحقائق على الأرض تشير إلى خلاف ذلك.
لم تضرب الضربة الإسرائيلية الخزان البحري نفسه، بل استهدفت مرافق المعالجة. بعبارة أخرى، ما تم استهدافه فعليًا هو عنق الزجاجة الذي يجعل الغاز البحري قابلًا للاستخدام على اليابسة—المرحلة التي يتم فيها تحويل الغاز الخام إلى وقود مناسب لتوليد الكهرباء والاستخدام الصناعي. التأثير الفوري يشعر به داخل إيران، حيث يعتمد الاستهلاك المحلي بشكل كبير على هذا الغاز.
في تصريحات لقناة الحرة، قالت كارين يونغ، باحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن الهجمة “لا تؤثر بشكل مباشر على سوق الغاز الطبيعي المسال”، نظرًا لأن إيران لا تصدر الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، وفقًا ليونغ، فإن الضغط يقع على الإمدادات المحلية وقد يمتد إلى صادرات الغاز عبر الأنابيب إلى دول مثل العراق وتركيا.
توضح الأرقام بوضوح هذا الاعتماد: بلغ إنتاج الغاز الإيراني 276 مليار متر مكعب في 2024، تم استهلاك 94% منها محليًا.
إقليميًا، يظهر التأثير الأسرع في الدول المرتبطة بالغاز الإيراني أو المعتمدة على استقرار طرق النقل الخليجية. العراق في المقدمة، حيث يستورد ما يصل إلى 50 مليون متر مكعب يوميًا من إيران. يوم الأربعاء، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية عن تعليق تدفقات الغاز الإيراني إلى البلاد بسبب التطورات الإقليمية، مما أثر مباشرة على توليد الطاقة وأدى إلى توقف حوالي 3,100 ميغاوات.
تركيا ليست بعيدة عن هذا القلق. فهي مرتبطة أيضًا بعقد غاز مع إيران ينتهي في يوليو 2026، مما يجعلها عرضة للضغط إذا استمرت الاضطرابات أو تكررت الضربات.
لماذا تفاعلت الأسواق؟
الضربة على منشآت جنوب بارس زادت من التوترات في سوق الطاقة الإقليمي، الذي كان يعاني بالفعل من الاضطرابات بعد انقطاع الإنتاج القطري في أوائل مارس.
في ذلك الوقت، أعلنت قطر للطاقة حالة القوة القاهرة على شحنات الغاز الطبيعي المسال من منشآتها، التي تبلغ طاقتها السنوية 77 مليون طن، مع تقديرات تشير إلى أن العودة إلى مستويات التشغيل الطبيعية قد تستغرق أسابيع، أو حتى أشهر.
تتفاقم المخاطر بسبب حقيقة أن أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بينما 83% من هذه الشحنات موجهة إلى آسيا، مما يجعل أي اضطراب في الخليج له تأثير فوري على الأسواق العالمية.
ومع ذلك، ما أثار رد فعل أكبر في السوق لم يكن الضربة الإسرائيلية وحدها، بل ما تبعها بعد ساعات.
وسعت إيران من ردها، مستهدفة منشآت الطاقة في قطر والسعودية والإمارات.
في تلك المرحلة، لم يعد السوق يعتبر الأحداث في جنوب إيران حادثًا معزولًا، بل إشارة إلى أن البنية التحتية للطاقة عبر الخليج بأسره قد تكون مهددة.
نتيجة لذلك، لم ترتفع أسعار الغاز فحسب، بل ارتفعت أيضًا أسعار خام برنت، حيث تحول المتداولون من تسعير الأضرار الفعلية إلى تسعير مخاطر التصعيد.
لماذا ترتفع الأسعار قبل حدوث الأضرار؟
خلال ساعات من الضربة على المنشآت المرتبطة بجنوب بارس، انتشر التصعيد إلى الخليج نفسه، مع هجمات تستهدف مواقع الطاقة في قطر والسعودية والإمارات.
في قطر، سقط صاروخ في منطقة راس لفان الصناعية. وأبلغت السعودية عن سقوط حطام بالقرب من مصفاة جنوب الرياض، بينما أكدت الإمارات أن منشأة حبشان وحقل باب الغاز كانا مستهدفين.
تكمن أهمية هذه المواقع ليس فقط في أسمائها، ولكن في موقعها ضمن الشبكة الإقليمية للطاقة.
توزع هذه المنشآت على ممر جغرافي مستمر يمتد من جنوب إيران إلى سواحل الخليج، حيث ترتبط حقول الغاز والنفط ومراكز المعالجة ومحطات التصدير ارتباطًا وثيقًا. في هذا السياق، لا يبدو استهداف موقع واحد كحادثة معزولة، بل كجزء من نظام مترابط، يحمل مخاطر تأثيرات متسلسلة عبر شبكة الطاقة الخليجية بأكملها.
يجادل ويدير شوفن بأن استهداف جنوب بارس “لا يتعلق بإيران وحدها – بل يضرب في قلب أكبر خزان غاز مشترك في العالم”، مضيفًا أن أي هجوم في هذه المنطقة “يرسل إشارة واضحة إلى الأسواق وشركات الشحن والمشترين بأن أهم مركز لتصدير الغاز في العالم أصبح الآن ضمن منطقة النزاع.”
لهذا السبب، لم ترتفع أسعار الغاز فحسب، بل قفزت أيضًا أسعار خام برنت، حيث تحول المشاركون في السوق من تسعير الأضرار الفعلية إلى تسعير مخاطر التصعيد. الأسواق لا تتفاعل فقط مع ما تم تعطيله بالفعل في منشأة معينة، ولكن مع ما يمكن أن يتعطل بعد ذلك إذا توسعت الضربات لتشمل شبكة الطاقة الخليجية الأوسع، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار توقعًا لسيناريوهات لم تتحقق بعد ولكن أصبحت أكثر احتمالًا.
