تدور مناقشات داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل حول كيفية التعامل مع الجبهة اللبنانية، كجزء من مراجعة أوسع للسياسات الأمنية التي استمرت لعقود. وفقًا للتقييمات والتحليلات العسكرية، تعكس هذه المناقشات تراجع الثقة في فعالية الانسحابات والاتفاقيات كوسيلة لاحتواء التهديدات، وزيادة الميل نحو خيارات أكثر حسمًا على الأرض.
في مقابلة مع الحرة، قال المحلل العسكري والعميد الاحتياطي في الجيش الإسرائيلي إيراني أورطال إن ما يسميه “عقيدة الانسحاب”، التي اتبعتها إسرائيل منذ عام 2000، فشلت في تحقيق أهدافها. وأضاف أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وقطاع غزة كان يهدف إلى تقليل حدة الصراع، لكن في رأيه، سمح بدلاً من ذلك لتلك المناطق أن تتحول إلى منصات لإطلاق الهجمات ضد إسرائيل. كما جادل بأن الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر 2023 قدم دليلًا إضافيًا على فشل هذا النهج.
شهدت الجبهة اللبنانية تصعيدًا عسكريًا كبيرًا في الأسابيع الأخيرة. تشير التقارير إلى أن القوات الإسرائيلية كثفت عملياتها في جنوب لبنان، مع تسجيل عمليات توغل برية وإقامة مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى استمرار الغارات الجوية اليومية منذ بداية مارس.
وفقًا للبيانات التي استشهدت بها رويترز، تقدمت القوات الإسرائيلية عدة كيلومترات إلى الجنوب وأقامت نقاط تفتيش ميدانية، بينما أصدرت أوامر إخلاء للقرى والبلدات التي تغطي حوالي 14 في المئة من أراضي لبنان.
يعتقد أورطال أن هذا التحول في التقييم الاستراتيجي يدفع إلى إعادة النظر في فكرة الاعتماد فقط على المناطق العازلة أو الترتيبات السياسية. من وجهة نظره، أصبح “العودة إلى السيطرة العسكرية المباشرة” خيارًا محتملاً لضمان أمن المناطق الحدودية.
فيما يتعلق بتوزيع الجهود العسكرية، قال إن إسرائيل تعتبر إيران التهديد الاستراتيجي الأوسع، بينما تمثل الجبهة اللبنانية ساحة معركة استنزاف للقوات البرية بسبب القرب الجغرافي وطبيعة المواجهة مع حزب الله. وأضاف أن سلاح الجو وأجهزة الاستخبارات تركز أكثر على إيران، بينما تتحمل القوات البرية مسؤولية إدارة العمليات في الشمال. كما أشار إلى ما وصفه بـ “هامش أوسع للمناورة” لإسرائيل في لبنان مقارنة بالفترات السابقة، مشيرًا إلى الموقف الأمريكي.
وفقًا لأورطال، تدور المناقشات حول ثلاثة نهج رئيسية للتعامل مع الوضع في لبنان.
الخيار الأول يتضمن تكثيف الضربات لدفع الدولة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات لنزع سلاح حزب الله. ومع ذلك، أعرب عن تشككه في فعالية هذا المسار، مشيرًا إلى الصعوبات التي واجهتها السلطات اللبنانية في تنفيذ التزامات مماثلة في الماضي.
الخيار الثاني يتضمن توسيع نطاق السيطرة الميدانية في الجنوب، بما في ذلك إنشاء منطقة عازلة أوسع. ومع ذلك، يعتقد أورطال أن هذا الخيار قد لا يمنع الجماعة من إعادة تنظيم صفوفها لاحقًا.
الخيار الثالث، الذي وصفه بأنه الأكثر حسمًا، يتضمن تنفيذ عملية برية واسعة النطاق تستهدف البنية التحتية العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان من أجل إضعاف قدراته ومنعه من إعادة بناء قوته. وأوضح أن هذا الاقتراح لا يعني بالضرورة وجودًا دائمًا داخل الأراضي اللبنانية، بل يعتمد على النتائج التي قد تحققها مثل هذه العملية.
أشار أورطال إلى أن أي عملية برية محتملة ستعتمد على التنسيق بين وحدات مختلفة، بما في ذلك المشاة والقوات المدرعة، إلى جانب الدعم من سلاح الجو واستخدام أدوات الاستطلاع، بما في ذلك الطائرات المسيرة، لتحديد الأهداف.
في هذا السياق، قال إن الضربات على المواقع الواقعة ضمن المناطق المأهولة قد تحدث نتيجة لاستخدام حزب الله المزعوم لتلك المناطق في الأنشطة العسكرية. وأضاف أن الجيش الإسرائيلي، في تقييمه، سيسعى لتجنب استهداف البنية التحتية اللبنانية قدر الإمكان مع التركيز على ما يصفه بـ “الأهداف العسكرية”.
في يوم الثلاثاء، قالت الأمم المتحدة إن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً مع استمرار الحرب في لبنان في التوسع، مما يؤدي إلى النزوح والخسائر.
قال عمران رiza، منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان: “إن النزوح يتزايد بوتيرة لا تصدق. لقد غادر مئات الآلاف من الناس منازلهم الآن. العديد منهم يغادرون مع القليل جداً – فقط الملابس التي يرتدونها”.
أصبح لبنان طرفاً في الحرب في الشرق الأوسط في 2 مارس عندما أطلق حزب الله النار على إسرائيل، قائلاً إنه كان يرد على قتل الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وردت إسرائيل بهجوم أسفر عن مقتل أكثر من 800 شخص في لبنان وأجبر أكثر من 800,000 شخص على الفرار من منازلهم، وفقاً لوكالة رويترز.
قالت الأمم المتحدة إن بيانات الحكومة اللبنانية تظهر أن ما يقرب من خُمس السكان مسجلون حالياً كنازحين، مع توقعات بزيادة العدد.
ختاماً لملاحظاته، ربط أورطال أي انسحاب إسرائيلي مستقبلي من جنوب لبنان بزوال ما يعتبره تهديداً حقيقياً، بدلاً من مجرد التوصل إلى اتفاقات. واستشهد بالتجربة في غزة، حيث يقول إن إسرائيل امتنعت عن الانسحاب من بعض المناطق بسبب المخاوف من أن الفصائل المسلحة قد تعيد تسليح نفسها.
واقترح أن الوجود العسكري الإسرائيلي قد يستمر في الأجزاء الجنوبية من لبنان، ضمن منطقة قد تمتد لعدة كيلومترات، حتى تتغير الظروف على الأرض بشكل جذري، على حد تعبيره.

