تبدو رسائل بكين في أوقات الحرب تؤكد فكرة أساسية: العالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات بين القوى الكبرى، بل إلى نظام دولي أكثر توازنًا قائم على الحوار، واحترام السيادة، والتعاون بين الدول.
في عالم تتصاعد فيه النزاعات العسكرية، تحاول الصين تقديم نهج دبلوماسي قائم على تخفيف التوترات، وإصلاح النظام الدولي، وتعزيز التعددية.
في لحظة تتصاعد فيها الحروب عالميًا ويتراجع فيها الثقة بين القوى الكبرى، عقد وزير الخارجية الصيني وانغ يي مؤتمره الصحفي السنوي لتقديم وجهة نظر صينية حول التحولات التي تحدث في النظام الدولي. تكمن أهمية هذا المؤتمر ليس فقط في تقديم المواقف الدبلوماسية لبكين، ولكن أيضًا في كونه نافذة تكشف من خلالها الصين رؤيتها للعالم والدور الذي تسعى للعبه خلال مرحلة دولية مضطربة. تتزامن هذه المرحلة اليوم مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وارتفاع التوترات في مناطق متعددة حول العالم.
لم يكن المؤتمر مجرد عرض للمواقف الدبلوماسية التقليدية؛ بل نقل بوضوح مجموعة من الرسائل السياسية التي أرادت الصين إرسالها إلى المجتمع الدولي في وقت تتزايد فيه النزاعات ويتراجع فيه الثقة بين القوى الكبرى.
تتعلق إحدى هذه الرسائل برؤية الصين للمسرح العالمي الحالي. ترى بكين أن النظام الدولي يشهد إعادة هيكلة عميقة، وأن التغيرات الجارية لا تقتصر على توازن القوى التقليدية، بل تمتد إلى الطريقة التي تُدار بها العلاقات الدولية. من هذا المنظور، أكدت الصين أن الاتجاه العام للنظام الدولي يجب أن يتحرك نحو مزيد من التعددية، بحيث لا يتم احتكار صنع القرار العالمي من قبل عدد محدود من الدول. بدلاً من ذلك، يجب أن تشارك جميع الدول، وخاصة الدول النامية، في تشكيل قواعد النظام الدولي وإدارة شؤونه.
تتعلق الرسالة الثانية التي برزت بوضوح في المؤتمر بدور المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة. أكدت الصين أن الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة هو حجر الزاوية لأي نظام دولي مستقر. من وجهة نظر بكين، فإن إضعاف أو تجاوز المؤسسات الدولية يفتح الباب لعودة سياسات القوة وفرض الإرادة بالقوة. ولهذا السبب، تدعو الصين مرارًا إلى إصلاح نظام الحوكمة العالمية ليعكس التغيرات التي شهدها العالم على مدى العقود الأخيرة، ولإعطاء الدول النامية دورًا أكبر داخل المؤسسات الدولية.
عند مناقشة دور الصين في العالم، كانت بكين حذرة في إرسال رسالة واضحة مفادها أن صعودها لا يهدف إلى الهيمنة أو استبدال قوة هيمنة بأخرى. تسعى الصين إلى تقديم صعودها كنموذج مختلف عن التجارب التاريخية للقوى الكبرى، نموذج قائم على التنمية الاقتصادية والتعاون الدولي بدلاً من الصراعات من أجل النفوذ. ترتبط هذه الرؤية ارتباطًا وثيقًا بتفكير الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يدعو إلى بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية—وهو مفهوم أصبح الإطار الفكري للدبلوماسية الصينية في السنوات الأخيرة.
تتضح أهمية هذه الرسائل بشكل أكبر عند تطبيقها على الأزمات الدولية الحالية، ولا سيما الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. تعتبر الصين أن هذا التصعيد يشكل تهديدًا خطيرًا لكل من الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. الشرق الأوسط هو واحد من أهم مصادر الطاقة في العالم، وأي توسع في النزاع قد يتسبب في اضطراب كبير في أسواق النفط والغاز، بالإضافة إلى تأثيره على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
من هذا المنظور، أكدت بكين على ضرورة احتواء التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية والدبلوماسية. تعارض الصين بوضوح سياسة تغيير الأنظمة بالقوة وترى أن استهداف قيادة الدول ذات السيادة أو محاولة فرض تغييرات سياسية من خلال القوة العسكرية يعد سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. ولهذا السبب، تؤكد الصين باستمرار على أن الأزمات الدولية يجب أن تُعالج من خلال الحوار والتفاوض واحترام القانون الدولي، بدلاً من اللجوء إلى الحرب المفتوحة.
ترى الصين أيضًا أن الأزمة الحالية تكشف عن عيب أعمق في آليات النظام الدولي. كلما تم تجاوز المؤسسات الدولية وتهميش دور الأمم المتحدة، تزداد مخاطر الانزلاق نحو الصراع العسكري. ولهذا السبب، تسعى بكين إلى تقديم نفسها كقوة تدعو إلى الهدوء، واستعادة سلطة الدبلوماسية، والحفاظ على القانون الدولي في مواجهة تصاعد النزاعات الإقليمية.
في الوقت نفسه، أكدت الصين أن سياستها الخارجية ستظل قائمة على مبدأ الاستقلال وعدم التدخل في المواجهات الكتلية. تهدف بكين إلى تقديم نموذج مختلف من العلاقات الدولية، يقوم على شراكات متعددة، والتعاون الاقتصادي، والتنمية المشتركة بدلاً من الانقسام إلى كتل متنافسة. تعكس هذه المقاربة اعتراف الصين بأن العالم أصبح مترابطًا ومعقدًا للغاية بحيث لا يمكن إدارته من خلال منطق المواجهة بين معسكرين متعارضين.
حملت تصريحات وزير الخارجية الصيني أيضًا رسالة واضحة بشأن الدور المتزايد لما يُعرف بالجنوب العالمي. ترى الصين أن هذه الدول تمثل لاعبين رئيسيين في الاقتصاد والسياسة الدولية، وأن صعودها يعكس تحولات عميقة في هيكل النظام الدولي. من هذا المنظور، تؤكد بكين على أن إصلاحات النظام الدولي يجب أن تأخذ في الاعتبار مصالح وتطلعات هذه الدول وتمنحها دورًا أكبر في صنع القرار الدولي.
في رأيي، الرسالة الأهم التي سعت الصين إلى إيصالها من خلال هذه المؤتمر هي أن العالم يقف عند مفترق طرق: إما العودة إلى منطق النزاعات المفتوحة بين القوى الكبرى أو الانتقال نحو نظام دولي أكثر توازنًا قائم على التعددية، واحترام السيادة، والتعاون الدولي.
في هذا السياق، تبدو رسائل بكين في أوقات الحرب تؤكد فكرة أساسية: العالم لا يحتاج إلى مزيد من النزاعات بين القوى الكبرى، بل إلى نظام دولي أكثر توازنًا قائم على الحوار، واحترام السيادة، والتعاون بين الدول. قد تعيد الحروب رسم خرائط النفوذ، لكن الدبلوماسية تشكل هيكل النظام الدولي. ولهذا تسعى الصين إلى تقديم نفسها كقوة صاعدة تراهن على استعادة التوازن للنظام العالمي بدلاً من perpetuating conflicts.

