تخلط الرسائل الأمريكية في الشرق الأوسط بين سياسة القوة الصلبة والنداءات العاطفية إلى الكتاب المقدس. تعمق هذه المواقف الاستقطاب في الصراع العربي الإسرائيلي وتزيد من خطر التصعيد.
يواجه الشرق الأوسط اختبارًا سياسيًا حساسًا للغاية في فك رموز الرسائل الأمريكية، حيث الاتجاه الحقيقي لمصالح واشنطن غير واضح ومعقد. وقد فتحت تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكبي، بشأن ما وصفه بـ “الحقوق التوراتية” لإسرائيل في السيطرة على الشرق الأوسط، بابًا واسعًا من الجدل والقلق – ليس فقط في العواصم العربية ولكن أيضًا داخل الدوائر الدولية المراقبة، التي رأت في محتواها وتوقيتها حاجة إلى تفسير يتجاوز البيان نفسه. لا يمكن فصل الكلمات، التي تعتمد على المراجع الدينية لتبرير الحقائق السياسية، عن السياق العام للمنطقة، حيث يتقاطع توسيع المستوطنات في الضفة الغربية مع زيادة عدم اليقين في غزة والجمود السياسي.
لم يكن الإدانة العربية الواسعة لهذه التصريحات رد فعل عاطفي، بل كانت وعيًا عميقًا بمخاطر نقل الصراع من المجال السياسي إلى مجال الأيديولوجيا. عندما يُعطى النزاع بُعدًا دينيًا، تفقد الأدوات الدبلوماسية التقليدية فعاليتها، مما يجعل الحلول الوسطى غير محتملة للغاية.
من الجدير بالذكر أن هذه الخطابة ظهرت في تناقض صارخ مع “خطة سلام ترامب”، التي تم تقديمها كإطار سياسي لتنظيم الأمن والحدود والاقتصاد، ولم يتم صياغتها بلغة دينية أو بلاغة شاملة. هنا يظهر التناقض في الرسائل الأمريكية. يضعف هذا التناقض التماسك الاستراتيجي ويغذي الشكوك حول المسار الحقيقي الذي يتم السعي إليه.
على الأرض، يتزامن هذا الجدل مع واقع يتميز بتسارع بناء المستوطنات في الضفة الغربية، واشتباكات متزايدة، وإصرار مستمر في مراحل معينة من تنفيذ تفاهمات غزة، مما يجعل أي خطاب متشدد يبدو جزءًا من مناخ أوسع يميل نحو فرض الحقائق بدلاً من دعم التسوية. إذا استمر هذا الاتجاه، ستتقلص الأفق السياسي لصالح الأمر الواقع، وسيقرر الصراع نفسه، متجهًا ببطء نحو صراع مفتوح تغذيه السرديات الدينية المتعارضة.
المعضلة هي أن الصراعات الدينية الأيديولوجية بطبيعتها طويلة الأمد لأنها تعالج النصوص كمرجعيات نهائية غير قابلة للتسوية، بينما السياسة هي فن الممكن وإدارة المصالح. إذا لم يتم حل التناقض في الرسائل القادمة من واشنطن، وإذا لم يتم توضيح العلاقة بين الخطاب الدبلوماسي وخطط السلام المعلنة، ستظل الغموض عاملًا إضافيًا من عدم الاستقرار، حيث سيفسر كل طرف هذه الإشارات وفقًا لحساباته المسبقة، مما يزيد من احتمال سوء الفهم وسوء التقدير ويقلص المساحة المتاحة للثقة المتبادلة.
لذلك، لم تكن الإدانة العربية مجرد موقف احتجاجي، بل كانت تعبيرًا عن قلق استراتيجي بشأن انزلاق متصور نحو الحرب. سيحدد مستقبل الشرق الأوسط، في ضوء هذه الحقائق، قدرة الفاعلين الدوليين والإقليميين على إعادة توجيه البوصلة نحو مسار سياسي واضح ومتسق. أكبر تهديد لعملية السلام ليس فقط تصلب المواقف ولكن أيضًا تناقضاتها، التي تخلق فراغًا تفسيريًا حيث يتوسع الشك وتضيق الفرص لتحقيق سلام مستدام – قائم على مبادئ القانون الدولي والاعتراف المتبادل بالحقوق – بعيدًا عن منطق المطلق الذي يعترف فقط بنفسه.

