تتصرف واشنطن وكأنها تعرف ما تريده من إيران، لكنها تتحرك في الاتجاه المعاكس: حرب بلا هدف واضح. هناك العديد من التصريحات، والتهديدات العالية، والحديث عن “الاستسلام التام”، لكن لا توجد خطة واقعية تجيب على الأسئلة الأساسية: ما هو النصر؟ كيف يمكن الوصول إليه؟ وكيف تنتهي هذه الحرب؟
كانت الرهانات الأولى بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه: إذا تم قتل رأس النظام، أو إذا تعرضت قيادة إيران للضغوط، فسوف ينهار النظام بسرعة وسيتدفق الشباب إلى الشوارع للإطاحة به. لكن ذلك لم يحدث. ما حدث بدلاً من ذلك هو المزيد من العنف والمزيد من الحكم المتشدد. فشلت الرهانات، وكانت النتيجة عكس ذلك: دولة أكثر صرامة، ومزاج داخلي أكثر قسوة، ومجتمع يتماسك تحت الضغط بدلاً من أن يتفكك.
أهداف أكبر من الأدوات
المشكلة ليست في القوة الأمريكية بحد ذاتها. المشكلة هي الفجوة بين الأهداف والوسائل. تتحدث الإدارة عن إسقاط النظام، وتدمير البرنامج النووي، أو إنهاء القوة الصاروخية الإيرانية؛ كما لو أن الغارات الجوية يمكن أن تحقق ذلك. هذا غير واقعي.
لا يمكن إسقاط دولة بحجم إيران من السماء. سيتطلب ذلك حرباً برية طويلة، واحتلالاً، والسيطرة على الأراضي مما يؤدي إلى تكاليف ضخمة في الأرواح والمال. هذا ليس شيئاً يمكن أن يبيعه ترامب للجمهور الأمريكي، أو أن يدعمه الكونغرس بسهولة، أو أن تتحمله واشنطن بينما تتنافس مع الصين وروسيا.
لذا، تتحرك الحرب في فراغ: لا غزو بري ولا هدف نهائي قابل للتحقيق. ما تحصل عليه هو حرب استنزاف وإرهاق، وليس حرباً تنهي الأمور.
الارتباك في واشنطن
هناك مشكلة ثانية: الارتباك داخل صنع القرار الأمريكي.
يمكن أن ترى المنطقة بأسرها ذلك. الحلفاء في الخليج، والأردن، وتركيا، وحتى أوروبا لا يعرفون إلى أين تتجه واشنطن. هل هو ضغط لتحسين صفقة؟ هل هو خطة لسحق إيران؟ أم هو عرض للقوة يتبعه خروج سريع؟
هذا النوع من الارتباك يزيد من خطر الأخطاء. في الحروب، يمكن أن يغير حادث واحد كل شيء.
إيران لم تُفاجأ
لا تبدو إيران كدولة صُدمت ثم بدأت تتفاعل بشكل أعمى. تشير العلامات إلى أنها دخلت هذه المواجهة بخطة معدة لهجوم كبير. ولهذا السبب تحركت استجابتها بسرعة إلى نمط منظم، وليس رد فعل فوضوي.
يبدو أيضاً أن القتال يتم إدارته من قبل أقوى المؤسسات في الدولة، وخاصة الحرس الثوري والهيئات القريبة من قمة النظام. وهذا يفسر لماذا أحياناً يكون هناك فجوة بين ما يقوله الخطاب الحكومي وما يحدث على الأرض. في الحرب، تأخذ الدولة الأمنية زمام المبادرة.
“إيران المتوحشة” و“إيران العقلانية”
مع التصعيد، تحاول طهران أن تلعب دورين في آن واحد: الضغط والردع من جهة، وفتح باب للحوار من جهة أخرى.
تريد إيران أن تظهر أنها تستطيع الذهاب بعيداً. لكنها أيضاً تريد تجنب تحويل هذا إلى حرب سياسية واقتصادية عالمية ضدها؛ خاصة في مجالات الطاقة والشحن. ولهذا السبب تتجنب الإعلانات الرسمية الكبيرة مثل “سنغلق مضيق هرمز” على الرغم من أن الحرب نفسها يمكن أن تخيف الأسواق وتؤثر على الشحن والتأمين.
الحرب تمتد عبر المنطقة
لم يعد هذا مجرد قضية أمريكية-إيرانية. إنها تتحول إلى مواجهة إقليمية. حلفاء إيران في المنطقة يشاركون، مما يقلل من الضغط المباشر على إيران، وينشر الجبهات، ويزيد التكلفة على الجميع.
class=”MsoNormal”>في الوقت نفسه، ترسل إيران رسالة واضحة إلى الدول الإقليمية: “لا نريد أن نضربكم، لكن لا تدعوا أراضيكم تُستخدم ضدنا”. هذه ليست مجرد دعاية. إنها تحذير سياسي واقتصادي مباشر: أي دولة تقدم أراضيها للحرب قد تجد نفسها تحت النيران، بينما أي دولة تمنع هذا الطريق قد تفتح المجال للهدوء.
هنا تواجه الخليج واقعًا مؤلمًا. يعتمد اقتصادها على فكرة واحدة: الاستقرار. إذا أصبحت المنطقة منطقة طائرات مسيرة وصواريخ يومية، فسوف تتضرر صورة “مكان آمن للاستثمار”، بغض النظر عن كمية الأموال المتاحة.
الطاقة هي قلب الأزمة
أخطر جزء في هذه الحرب هو أنها تضرب جوهر الاقتصاد العالمي: النفط، الغاز، الشحن، والممرات المائية الرئيسية. ستؤدي الاضطرابات الطويلة إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم، وضغط سلاسل الإمداد، وخلق أزمة عالمية أوسع.
ستشعر الخليج بذلك بسرعة. إذا امتلأت المخازن وتباطأت الصادرات، قد تقوم الدول بخفض الإنتاج. إعادة التشغيل لاحقًا ليست دائمًا بسيطة. وهذا يعني خسائر مالية، وزيادة المخاطر، ومزيد من الخوف في السوق.
روسيا في الصورة
هناك أيضًا حديث متزايد عن دور روسي؛ من خلال تبادل المعلومات أو المساعدة التقنية التي تعزز قدرة إيران على استهداف الأصول الحساسة. سواء كان هذا الدور صغيرًا أو كبيرًا، فإن المعنى واضح: هذه الحرب لن تبقى محلية. إنها تصبح جزءًا من صراع قوى أكبر.
روسيا، مثل الصين، لا تخسر الكثير إذا استنفد واشنطن أسلحة باهظة الثمن ومخزونات في الشرق الأوسط. قد تكسب، لأنها ترى منافسها مُستنزفًا بعيدًا عن الساحات الرئيسية.
من الرابح، من الخاسر؟
في حروب الإرهاق، السؤال ليس فقط “من يربح اليوم” ولكن “من يدوم لفترة أطول” و”من يدفع الثمن”.
قد تفوز واشنطن ببعض الضربات، لكنها ستدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا باهظًا إذا استمرت الحرب. قد تعاني دول الخليج حتى لو لم تكن مقاتلة مباشرة، لأن الحرب تهز الأسواق، والاستثمار، والشحن، والطاقة. قد يستفيد آخرون من الفوضى مثل إسرائيل، التي تريد منطقة أضعف، أو القوى الكبرى التي تريد استنزاف الولايات المتحدة.
لكن أكبر الخاسرين سيكون المنطقة نفسها.
لذا، تبدو هذه الحرب خاسرة لأن أهدافها أكبر من أدواتها. لا يمكنك الإطاحة بنظام من الجو. لا يمكنك قصف المعرفة النووية بعيدًا. لا يمكنك إنهاء القوة الصاروخية بشكل دائم التي يمكن إعادة بنائها. وهي خطيرة لأن الحرب المفتوحة تهدد الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي، وتحول الخليج إلى منطقة خطر دائم بدلاً من مساحة للاستثمار والأمان.
في حرب مثل هذه، قد تفوز واشنطن بجولات في الجو؛ لكنها تخاطر بخسارة الصورة الأكبر على الأرض: شرق أوسط أكثر عدم استقرار، خليج أقل أمانًا، وعالم يدفع الثمن لصراع لا يعرف أحد كيف ينهيه.

