الجنوب، الذي ضحى بآلاف الشهداء في مواجهة القاعدة وداعش، يواجه الآن صراعًا لم يعد عسكريًا فقط. إنه صراع سياسي بامتياز.
منذ تحرير معاقل الجنوب، عدن، لحج، ومحافظات أبين، شبوة، وحضرموت، في عام 2015 من غزو الحوثيين، لم يشهد الجنوب سلامًا حقيقيًا بعد. بل واجه أكثر تحدياته حدة: الجماعات المتطرفة التي استغلت فراغ السلطة للدولة لشن حرب بديلة، تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة وإرهاقها.
في عدن، أصبحت القيادات المحلية، والمسؤولون الأمنيون، والمعسكرات العسكرية، والأسواق، ونقاط التفتيش أهدافًا يومية للتفجيرات والاغتيالات. وفي الوقت نفسه، في أبين، شبوة، وحضرموت، أسست القاعدة معسكرات تدريب علنية، culminating in the creation of the so-called “الإمارات الإسلامية”، وهو تطور لم يكن ليحدث بدون غطاء سياسي وأمني صريح.
وسط هذا الفوضى، تحمل القائد عيدروس الزبيدي مسؤولية تاريخية. بدعم مباشر من الإمارات العربية المتحدة، تم بناء القوات المسلحة الجنوبية من عناصر المقاومة الجنوبية، وتحولت إلى قوة وطنية خاضت حربًا حقيقية ضد الإرهاب، ليس بالشعارات، بل من خلال الدم والتضحيات.
من عدن إلى حضرموت، ثم أبين وشبوة، نجحت حملة سهام الشرق في تفكيك العمود الفقري للجماعات المتطرفة على مدى عشر سنوات متتالية. ومع ذلك، بحلول أوائل يناير 2026، وبعد عملية المستقبل الواعد، التي قضت على آخر معاقل ومعسكرات تدريب الجماعات المتطرفة وفككت شبكات التهريب، انقلبت الأمور بشكل دراماتيكي. بدلاً من تلقي الدعم، عانى الجنوب من غارات جوية سعودية مباشرة تستهدف معسكرات قواته المسلحة، وهو عمل لا يمكن فهمه إلا كخطوة سياسية متعمدة تخدم مصالح معادية لأمن الجنوب.
تزامنت الغارات الجوية مع تقدم بري لقوات الطوارئ التابعة لحزب الإصلاح من مأرب، وهو محاولة علنية للاستيلاء على حضرموت وشبوة. كانت العملية أقل من مناورات عسكرية وأكثر من هجوم سياسي وإيديولوجي. أعادت فتح الباب أمام الجماعات الإرهابية، التي عادت بسرعة مع نهب الأسلحة من المعسكرات العسكرية ونقلها إلى مأرب.
عاد الإرهاب إلى الجنوب تحت غطاء الشرعية، مع دعم جوي ولوجستي وسياسي، وهو تناقض صارخ يكشف زيف رواية مكافحة الإرهاب. ومن المثير للسخرية، أن المستهدفين هم نفس القوى التي قاتلت الإرهاب بلا هوادة، بينما يُسمح للتهديد بالتجدد.
هذه ليست حالة من سوء التقدير العسكري أو خطأ عملياتي. إنها قرار سياسي متعمد يهدف إلى كسر إرادة الجنوب ومعاقبته على فرض الأمن وكشف التحالفات التي استخدمت الإرهاب تاريخيًا كأداة للتأثير.
الجنوب، الذي ضحى بآلاف الشهداء في مواجهة القاعدة وداعش، يواجه الآن صراعًا لم يعد عسكريًا فقط. إنه صراع سياسي بامتياز. استهداف قواته المسلحة لن يحقق سوى نتيجة واحدة: تسهيل عودة الإرهاب وتقويض أي ادعاء بمكافحته بجدية.

