فصل جديد وخطر يتكشف في الشرق الأوسط، والعالم يستجيب بصمت غير مريح. ما يظهر حول المياه الضيقة لمضيق باب المندب ليس مجرد مواجهة إقليمية أخرى. إنها لحظة قد تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، ومصداقية القانون الدولي، والاتجاه السياسي المستقبلي لإيران وجوارها.
المأساة ليست فقط أن حلقة متهورة من القوة قد أُطلقت، بل إنها تخاطر بإقفال المنطقة في مستقبل أكثر ظلمة في الوقت الذي بدا فيه أن طريقًا أكثر أملًا ممكن.
لقد كان باب المندب – حرفيًا “بوابة الدموع” – دائمًا ممرًا هشًا بين القارات. اليوم، هو في مركز صراع متصاعد يمتد الآن بعيدًا عن الشرق الأوسط. يمر حوالي 10 إلى 12 في المئة من التجارة العالمية عبر هذا المضيق الضيق كل عام، مما يصل إلى ما يقرب من تريليون دولار أمريكي من البضائع.
تتدفق شحنات النفط، والغاز الطبيعي المسال، والبضائع الحاويات، والشحنات الغذائية جميعها عبر هذا الممر المائي الذي لا يتجاوز عرضه 20-30 كيلومترًا في أضيق نقطة. عندما يصبح مثل هذا النقطة الاختناقية عسكرية، فإن العواقب لا تكون محلية أبدًا. إنها تتردد عبر المصانع في أوروبا، والأسر في إفريقيا، والاقتصادات الهشة التي تكافح بالفعل تحت وطأة التضخم والديون.
ما يجعل اللحظة الحالية خطيرة بشكل فريد هو تلاقي اللامبالاة السياسية وتصعيد الوكالة. لقد أدت الضربات المباشرة على إيران إلى رد فعل متوقع من حلفاء طهران الإقليميين، وخاصة الحوثيين في اليمن. إن إعلانهم أن باب المندب قد يُغلق إذا تعمق الحرب ليس مجرد خطاب فارغ.
على مدار العام الماضي، هاجمت قوات الحوثي بالفعل أكثر من 100 سفينة تجارية وسفينة بحرية في البحر الأحمر باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والألغام. وقد انخفضت حركة الشحن بشكل كبير، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الأحجام عبر المضيق قد انخفضت بأكثر من النصف منذ بدء الهجمات.
بالنسبة لصانعي السياسات العالميين، لا يمكن المبالغة في المعنى الاستراتيجي لهذا التحول. العالم الحديث مبني على طرق بحرية متوقعة. بمجرد أن تصبح تلك الطرق البحرية محل نزاع، يبدأ العولمة نفسها في الانهيار. إذا اضطرت السفن لتجاوز البحر الأحمر والإبحار حول رأس الرجاء الصالح في إفريقيا، فإن الرحلات تصبح أطول بـ 10 إلى 20 يومًا وأكثر تكلفة بشكل كبير. هذا التأخير يغذي مباشرة أسعار الغذاء، وتكاليف الطاقة، وعدم استقرار سلسلة التوريد.
ليس من الصعب تخيل مدى سرعة تحول هذا إلى صدمة اقتصادية عالمية، خاصة في وقت تكافح فيه العديد من الدول النامية بالفعل لإدارة الضغوط المتعلقة بالديون والعملات.
الحقيقة المزعجة هي أن هذه الحرب لم تبدأ في فراغ. لقد أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل عندما اختارا الضربات العسكرية بدلاً من الدبلوماسية وتجاوزا حدود القانون الدولي والسيادة الوطنية. لم تؤدي استهداف القيادة الإيرانية العليا إلى تحقيق الأمن – بل أثارت سلسلة من ردود الفعل التي تهز التجارة العالمية، والاستقرار الإقليمي، وحياة الملايين بعيدًا عن ساحة المعركة.
إذا كان العالم جادًا في منع كارثة أوسع، يجب أن يكون نفس الفاعلين الذين بدأوا التصعيد هم أول من يوقفه.
هناك أيضًا بُعد أخلاقي أعمق لهذه الأزمة غالبًا ما يتم تجاهله. يقف الشرق الأوسط، وخاصة إيران، عند مفترق طرق بين مستقبلين. يؤدي أحد المسارات نحو التسلح الدائم، والحرب بالوكالة، والعزلة الاقتصادية. بينما يؤدي الآخر نحو إعادة الاندماج التدريجي في الاقتصاد العالمي، ومستقبل مبني على الاستقرار بدلاً من المواجهة.
تخاطر التصعيدات الحالية بدفع المنطقة بقوة نحو المسار الأول. وهذا لن يضر فقط بآفاق التنمية الخاصة بإيران، بل سيقوض أيضًا الآمال في شرق أوسط أكثر تعاونًا.
لقد حذر المحللون مرارًا وتكرارًا من أن التصعيد بالوكالة في الممرات المائية الاستراتيجية نادرًا ما ينتج انتصارات استراتيجية. بدلاً من ذلك، فإنه يخلق دورات من الانتقام تحبس شعوبًا بأكملها في تراجع اقتصادي طويل الأمد. إن مشاركة الحوثيين توضح هذه المخاطر بوضوح. اليمن هو بالفعل واحد من أفقر دول العالم، وقد دمرته سنوات من الحرب والانهيار الإنساني.
تحويل باب المندب إلى ساحة معركة لا يقوي المنطقة؛ بل يدين ملايين الأشخاص الآخرين إلى عدم الاستقرار والعزلة. كما أنه يعزز الانطباع بأن الشرق الأوسط محاصر دائمًا في الصراع، وهو انطباع يثبط الاستثمار والابتكار والإصلاح السياسي.
هناك حقيقة غير مريحة يجب الاعتراف بها هنا. إن الإفراط العسكري، خاصة عندما يكون مدفوعًا بحسابات سياسية قصيرة الأجل، نادرًا ما ينتج استقرارًا استراتيجيًا. بدلاً من ذلك، فإنه يشجع المتشددين من جميع الأطراف. إن الصراع الحالي يهدد بتقوية أصوات المتطرفين داخل إيران بينما يضعف أولئك الذين يدعون إلى الإصلاح الاقتصادي والانخراط الدبلوماسي.
هذا هو بالضبط عكس ما يجب أن تريده المجتمع الدولي. إن إيران المستقرة والمندمجة اقتصاديًا ستساهم في التوازن الإقليمي. بينما ستؤدي إيران المعزولة والمسلحة بشكل دائم إلى تعميق دورة المواجهة.
تمتد التداعيات العالمية إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. تعتمد الاقتصادات الأوروبية بشكل كبير على طريق البحر الأحمر لاستيراد الطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية. وتعتمد الاقتصادات الأفريقية على الشحن المستقر للحفاظ على الأمن الغذائي. وتعتمد الدول الآسيوية المصدرة على الممرات البحرية القابلة للتنبؤ للحفاظ على النمو. وبالتالي، فإن أزمة باب المندب تمثل اختبارًا لنظام التجارة العالمي بأسره.
إذا كان يمكن تهديد مثل هذا النقطة الحيوية دون استجابة دولية متماسكة، فإن مصداقية الحوكمة العالمية نفسها تبدأ في التآكل.
هناك أيضًا سؤال عن القيم لا يمكن تجاهله. لقد كان الشرق الأوسط دائمًا أكثر من مجرد ساحة معركة؛ إنه منطقة ذات عمق ثقافي استثنائي وإمكانات اقتصادية. المأساة هي أن النزاعات المتكررة قد طغت على تلك الإمكانيات. إن التصعيد الحالي يهدد بتكرار نفس الخطأ التاريخي: السماح لحسابات عسكرية قصيرة الأجل بتدمير الفرص طويلة الأمد للتعاون والتنمية.
بالنسبة للأجيال الشابة عبر إيران والمنطقة الأوسع، يمكن أن تشكل هذه اللحظة المواقف السياسية لعقود. إذا كانت الرسالة التي يتلقونها هي أن الدبلوماسية عاجزة وأن القوة هي اللغة الوحيدة التي تهم، فإن آفاق الإصلاح والتحديث ستتقلص بشكل حاد.
ما هو مطلوب الآن ليس دورة أخرى من التصعيد، بل جهد جاد لإعادة تأسيس ضبط النفس الدبلوماسي. يجب على القوى العالمية أن تعترف بأن الحرب التي تعطل نقاط الاختناق البحرية الرئيسية لا يمكن أن تظل محصورة في منطقة واحدة. إنها، بحكم التعريف، أزمة عالمية. وبالتالي، فإن حماية باب المندب ليست مجرد تحدٍ بحري أو عسكري؛ بل هي اختبار لما إذا كان النظام الدولي لا يزال يقدر الاستقرار على المواجهة.
إذا فشل صانعو السياسات في هذا الاختبار، ستكون العواقب الاقتصادية شديدة والعواقب السياسية أكثر ديمومة.
لا يزال هناك وقت لاختيار مسار مختلف. لا يتعين على الشرق الأوسط أن يبقى محددًا بالصراع. لا يتعين على إيران أن تبقى محاصرة بين العزلة والمواجهة. لا يتعين على باب المندب أن يصبح رمزًا للفشل العالمي. ولكن تجنب تلك النتيجة يتطلب قيادة تعترف بالتكلفة البشرية وراء كل قرار استراتيجي.
يتطلب الأمر التزامًا بالدبلوماسية أقوى من إغراء التصعيد. وقبل كل شيء، يتطلب الاعتراف بأن استقرار مضيق ضيق واحد يمكن أن يشكل مستقبل العالم بأسره.

