عندما تنهار السياسة إلى حالة كاملة من العزلة، تبدأ الدول الهشة في ابتكار مشاريع لا وجود لها إلا على الورق – أو في مكالمات هاتفية متسرعة. هذا بالضبط ما فعله الرئيس الإيراني مسعود پزشكيان عندما اقترح على الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد إنشاء “اتحاد إقليمي” لتعزيز التنمية والاستقرار خلال مكالمة هاتفية، حتى في الوقت الذي تعاني فيه إيران من الضغوط الأمريكية.
اتحاد؟ إقليمي؟ تنمية؟
في السياق الإيراني، تبدو هذه الكلمات تمامًا مثل رجل غارق يقترح إنشاء نادٍ للسباحة.
ولم يحدد بيزشكين – الذي لا تتجاوز رئاسته كرسياً بيروقراطياً تحت سقف الحرس الثوري الإيراني – أي الدول ستدعى إلى هذا الاتحاد. وهذا أمر طبيعي. من سيقبل في المقام الأول؟
ما “المنطقة” التي تتحدث عنها إيران بينما تطلق الصواريخ على جيرانها وتخوض حربًا سرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟
ستنظر أي دولة عربية إلى هذا الاقتراح كما ينظر طبيب إلى وصفة كتبها مريض هذياني: كلمات بلا معنى لا صلة لها بالواقع.
إنه مثل محاولة بيع تذكرة لسفينة غرقت منذ سنوات.
الحقيقة هي أن إيران لم يعد لديها أي عمق استراتيجي خارج حدودها باستثناء العراق الذي تهيمن عليه ميليشياتها وأحزابها – الجدار الأخير الذي تتكئ عليه طهران وهي تنهار. ولهذا السبب تريد تحويل العراق إلى “اتحاد إقليمي”… وهو ببساطة قفص أكبر.
هذا الاتحاد المقترح لا يجمعه شيء: لا رؤية، لا اقتصاد، لا مصالح مشتركة، ولا حتى وهم مقنع.
إنه مجرد محاولة لتغليف عزلة إيران في ورق هدايا سياسي، جهد لإقناع نفسها بأن مشروع الهيمنة الإقليمية لم يمت، على الرغم من أن رائحته تملأ المنطقة بأسرها.
إنه اقتراح تم تقديمه في الوقت الخطأ، موجه إلى الشريك الخطأ، ومبني على خيال لا يمكن أن يصمد حتى في خيال كاتب خيال عبثي.
اتحاد بلا أعضاء، بلا مرساة، وبلا قيمة مضافة – باستثناء أنه يكشف عن حجم مأزق إيران.
لم تعد إيران تنتج سياسات؛ بل تنتج أعذارًا.
لم تعد تقترح مشاريع؛ بل ترسل إشارات استغاثة.
وهذا ما يسمى “الاتحاد الإقليمي” ليس مشروعًا على الإطلاق – إنه اعتراف رسمي بأن طهران أصبحت معزولة لدرجة أنها تقترح اتحادًا لا يريد أحد أن يكون جزءًا منه.
تقول الحقيقة عكس ذلك: طهران بالكاد تستطيع إدارة أزماتها الداخلية وصراعاتها المستمرة – فكيف يمكنها قيادة اتحاد؟
إنه مثل محاولة بناء جسر فوق الهواء الرقيق.
اتحاد بلا اقتصاد، بلا ثقة، بلا حلفاء، وبلا دولة مستعدة لتوقيع وثيقة أعدتها دولة تختنق في العزلة السياسية.
إنه مشروع ينهار ليس عند التنفيذ، بل عند القراءة.
أكثر خطورة من الفكرة نفسها هو إصرار إيران على اعتبار العراق كخط حياتها الأخير، “عمقها الاستراتيجي” الذي يجب إعادة تشكيله وفقًا لمزاج طهران، مما يقطع صلته بمحيطه العربي.
ومع ذلك، فإن العراق – عراق شعبه، لا ميليشياته – على الرغم من كل تناقضاته، قد بدأ في استعادة هويته العربية. إيران تعرف هذا جيدًا، ولهذا السبب تسعى لربط العراق باتحاد لا يوجد إلا في خيال أولئك الذين فقدوا القدرة على قراءة الخرائط.
يكشف هذا الاقتراح أكثر مما يخفي: إنه يكشف عن خوف إيران من فقدان آخر موطئ قدم لها، ويخفي عجزها عن الاعتراف بأن عصر الهيمنة قد انتهى.
بين الخوف والإنكار، لا يولد اتحاد – بل وهم جديد، غير صالح حتى كمسودة.
في النهاية، لا تقترح إيران اتحادات؛ بل تقترح مخارج طوارئ.
الدولة التي كانت تتفاخر يومًا ما بالتحكم في أربع عواصم عربية تبحث الآن عن “اتحاد” لإنقاذ ما تبقى من نفوذها المتلاشي.
المشكلة ليست في الاقتراح – بل في المقترح: دولة فقدت القدرة على إقناع نفسها، ناهيك عن إقناع الآخرين.
هذا ليس مشروعًا، ولا رؤية، ولا حتى خارطة طريق.
إنه محاولة يائسة لإعادة تدوير العزلة إلى مبادرة سياسية.
وإذا كان هذا هو “الاتحاد الإقليمي” الذي تروج له طهران، فإنه يستحق اسمه الحقيقي: اتحاد الهاربين من الواقع.

