أمن الشرق الأوسط لم يعد يعتمد على مصداقية الرعاة الخارجيين. لقد كشفت حرب غزة وضربات الصواريخ في فبراير 2026 عبر مدن الخليج عن أن الردع الممتد هو ضمان هش، مما أجبر العواصم على إعادة حساب أولويات الدفاع. إن تحول واشنطن نحو منطقة الهند والهادئ، والضغوط الداخلية في الناتو، والهجوم المباشر لإيران على الأهداف الحضرية قد أزال الافتراض بأن الوجود الأمريكي يمنح مناعة تلقائية. لقد جعلت هذه الصدمات أمن الشرق الأوسط مسألة تعتمد على بنية ذاتية الاعتماد بدلاً من ضمانات مستوردة. ضمن هذا الانقطاع، تتنافس ثلاثة مشاريع تحالف: شبكة إيرانية مبنية على الصواريخ والوكلاء، محور تقوده إسرائيل يمتد نحو جنوب آسيا، ونواة خليج-عربية قائمة على القدرات التكميلية.
المتغير الحاسم ليس القدرة العسكرية بل إدراك التهديد. تشير نظرية توازن التهديد لستيفن والت و معضلة التحالف إلى أن اتفاقاً صارماً على نمط المادة 5 لا يزال غير مرجح بينما تقوم الدول بتقييم إيران وإسرائيل والقوى الخارجية بشكل مختلف. النتيجة الأكثر احتمالاً هي التحوط الانتقائي من خلال التكامل المتدرج: تعميق الدفاع الجوي والصاروخي في الخليج، تنويع الشراكات الخارجية، بناء محيط أمني عربي مع الأردن ومصر، والحفاظ على قنوات دبلوماسية مع إيران. يقدم اتفاق مكة في أغسطس 2026 اختباراً مؤسسياً مبكراً. ستحدد المصداقية تحت الضغط، وليس الطموح البلاغي، ما إذا كانت هذه البنية ستنتج استقلالاً حقيقياً أو ستنهار إلى تنسيق رمزي.
لماذا يتغير أمن الشرق الأوسط
لا يمكن تحقيق مفهوم “الناتو الإقليمي” إلا من خلال التخلي عن طموح “التحالف الشامل” لصالح عملية تكامل تدريجية، تنهي عقوداً من الاعتماد الأحادي على مظلات الأمن الخارجي التي لم يعد يمكن الوثوق بها.
يمر الشرق الأوسط بتحول جذري يعيد تعريف معنى الأمن وكذلك فاعليه وأدواته. على مدى السنوات الثلاث الماضية، كشفت اللحظات الحاسمة من حرب إسرائيل على غزة إلى تجدد الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران أن الحسابات القديمة والأطر المعمول بها لم تعد تضمن الاستقرار والأمن الإقليمي.
بينما تتكشف هذه التحولات، عاد النقاش حول الحاجة إلى إطار أمني إقليمي جماعي، يُشار إليه غالبًا باسم “الناتو الإسلامي” أو “الناتو الشرق أوسطي”، استجابةً لتراجع الثقة في مظلة الأمن الخارجي والضمانات المرتبطة بها. على الرغم من أن مفهوم الأمن الجماعي هذا مهم، إلا أنه يواجه عقبات هيكلية عميقة، مما يجعل من المرجح أن يؤدي إلى التحوط الاستراتيجي بدلاً من تشكيل تحالف عسكري صارم.
أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارسًا بجوار لافتة تكريمًا للزعيم الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي في طهران في 31 مارس 2026. ضربت غارات أمريكية وإسرائيلية المنشآت العسكرية في وسط إيران، وألحقت أضرارًا بموقع ديني رئيسي في الشمال الغربي وأثارت انقطاع التيار الكهربائي في 31 مارس، بعد أن هدد الرئيس الأمريكي بتفجير منشآت النفط والطاقة في البلاد. (الصورة بواسطة ATTA KENARE / AFP عبر Getty Images) /
التحالف الاستراتيجي في الشرق الأوسط
النقاش حول التحالف الإقليمي ليس جديدًا. لقد تم اقتراح هذا المفهوم مرارًا على مدار العقدين الماضيين، بأشكال مختلفة – من “الناتو العربي” إلى “التحالف الاستراتيجي في الشرق الأوسط”. ما يميز اللحظة الحالية هو أن الاقتراح لم يعد مجرد نظرية؛ بل أصبح له طابع عاجل بسبب سلسلة من الصدمات على الأرض التي أثرت على عدة دول في وقت واحد. لقد هزت الحرب الإسرائيلية على غزة وقصف مجمع سكني في الدوحة عواصم الخليج العربي بشكل عميق. الهجوم، على دولة مرتبطة بالغرب من خلال تحالفات أمنية متطورة للغاية وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، كشف أن الوجود الأمريكي لم يعد يضمن المناعة التلقائية.
عززت حرب فبراير 2026 الصدمة بشكل أكبر، حيث أسفرت الضربات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ عن مقتل ما لا يقل عن 28 شخصًا عبر الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، محولة التهديد من احتمال نظري إلى واقع دموي يؤثر على المدن والبنية التحتية الحيوية. كما تآكل الافتراض بأن الضمانات الأمنية الغربية ستظل مستقرة وصالحة، خاصة في ضوء الأزمة الهيكلية والاستراتيجية التي تواجه الناتو، وتباين الأولويات الأمريكية والأوروبية، والانشغال المتزايد لواشنطن بمنطقة الهند والهادئ وتنافسها مع الصين.
النتيجة هي أن عاملين حاسمين – تآكل مصداقية الحماية الخارجية والتهديد المباشر المتصاعد – يغذيان معًا قناعة بأن المنطقة يجب أن تصبح أكثر اعتمادًا على الذات في دفاعها.
التوازنات والردع في زمن الحرب
لفهم المشهد الحالي، يجب إعادة النظر في الأطر النظرية المستخدمة لفهم سلوك الدول خلال أوقات الخطر. تنص نظرية التحالف الكلاسيكية، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، على أن الدول تشكل تحالفات إما لموازنة قوة صاعدة أو للتوافق مع قوة معينة. ومع ذلك، قام عالم السياسة الأمريكي ستيفن والت بتطوير هذه الفرضية من خلال نظريته “توازن التهديد”، موضحًا أن الدول لا تتعاون فقط ضد قوة متفوقة لتحقيق توازن القوى؛ بل تشكل تحالفات في مواجهة القوة التي تعتبرها تهديدًا.
هذا يعتمد على تفاعل أربعة عوامل: القدرة الإجمالية، القدرة الهجومية، القرب الجغرافي، والنوايا العدوانية. هذه العوامل حاسمة: العقبة الرئيسية أمام تشكيل ائتلاف واسع من الدول لا تكمن في نقص القدرات، بل في مستوى إدراك التهديد. على سبيل المثال، قد ترى بعض الدول إيران كخصم وجودي، بينما تفضل دول أخرى احتواءها من خلال الدبلوماسية، وتخفيف التوتر، والتعاون الاقتصادي.
تقدم الدراسات النظرية تحذيرًا ثانيًا، يعرف باسم “معضلة التحالف”، وهي متلازمة تتضمن خيارًا بين خطرين: خطر الانجرار إلى حروب حليف لا تخدم مصالح الفرد المباشرة، وخطر التخلي عنه عندما تكون الحاجة للدعم في أشدها. من خلال هذه العدسة، فإن المعضلة التي تواجه دول الخليج لا تتعلق فقط باختيار معسكر. بل تتعلق بتجنب أن تُبتلع في تحالف مصمم في مكان آخر لخدمة أولويات غير متوافقة مع أولوياتها، أو أن تُحاصر في تحالف يقوض سيادتها، ويجرها إلى دائرة من الاعتماد، ويورطها في مواجهات لم تختارها.
الركيزة النظرية الثالثة هي مفهوم الردع كاستراتيجية لإدارة الأزمات. هنا، من المهم التمييز بين “الردع المباشر”، الذي تمارسه دولة لحماية نفسها، و”الردع الممتد”، الذي تقدمه قوة كبرى لحلفائها.
<p
على مدى عقود، استندت بنية الأمن في الخليج إلى الردع الممتد الذي توفره الولايات المتحدة والضمانات المصاحبة للحماية. ومع ذلك، فإن فعالية هذا الردع كانت تعتمد بالكامل على متغير واحد هش: المصداقية. عندما تعرضت مدن الخليج للقصف وفشلت مظلة الولايات المتحدة في تقديم ردع حاسم، تآكلت تلك المصداقية وانهار قيمة معادلة الردع. وقد خلق ذلك حوافز استراتيجية لبناء ردع محلي لضمان الاستقلالية وتحولت التطلعات نحو إمكانية تشكيل تحالف إقليمي.
ثلاثة مشاريع متنافسة
المنطقة اليوم بعيدة بوضوح عن أي سيناريو متفائل. فهي لا تتحرك نحو قطب أمني موحد، بل نحو ثلاثة مشاريع تحالف متنافسة، مع وجود الدول الخليجية عند تقاطعها. المشروع الأول هو الشبكة الإيرانية—هيكل غير تقليدي يعتمد على القدرات الصاروخية، والطائرات المسيرة، والوكلاء، والقدرة على تهديد الممرات البحرية، بدلاً من التحالفات الرسمية. من المفارقات اللافتة أن إيران نفسها دعت إلى “تحالف أمني إسلامي” يضم باكستان، والسعودية، وتركيا، ومصر، وقطر—مع استبعاد الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه المقترحات تعقد منطق تحالف على غرار الناتو موجه ضد إيران، لأن الأعضاء المقترحين يتضمنون الدول التي تُعتبر مرشحة للكتلة المعاكسة.
المشروع الثاني هو المحور الإسرائيلي—أو ما أطلق عليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “السداسي”، الذي يمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب آسيا ويسعى لدمج القدرات الإسرائيلية في نظام إقليمي أوسع. الثالث هو نواة خليجية-عربية؛ هذه هي الصياغة الأقرب إلى الاقتراح قيد المناقشة هنا وتستند إلى المصالح المشتركة والقدرات التكميلية. التحدي الذي تواجهه دول مجلس التعاون الخليجي لا يكمن في الاختيار بين معسكرين متعارضين، بل في إدارة مواقعها بين هذه المشاريع الثلاثة بطريقة تحافظ على استقلالية اتخاذ القرار وتجنب فخ الاعتماد.
عوامل النجاح والعقبات الهيكلية
الدول التي يمكن أن تطلق نواة خليجية-عربية تمتلك بلا شك أصولاً استثنائية. تمثل الدول الخليجية قوة اقتصادية وطاقة عالمية، حيث تسيطر على موارد مالية هائلة وقدرات متزايدة في التكنولوجيا والدفاع. في الوقت نفسه، تحتفظ مصر بأكبر قوة عسكرية عربية، بينما تقدم الأردن خبرات متقدمة في الأمن والاستخبارات. بالإضافة إلى هذه المجموعة الأساسية، يمكن أن تستفيد النواة من نقاط القوة المميزة لشركاء غير عرب رئيسيين مثل الصناعة الدفاعية المتطورة في Türkiye وعمق باكستان الاستراتيجي بفضل قدراتها العسكرية والنووية.
ومع ذلك، تواجه هذه الأصول أيضًا عقبات هيكلية لا يمكن تجاهلها. لقد ظل التنفيذ العملي لاتفاق الدفاع المشترك الخليجي القائم محدودًا لعقود، مما يثير تساؤلات مشروعة حول جدوى بناء تحالف أوسع، قد يكون أكثر تعقيدًا.
ومع ذلك، فإن اتفاق مكة، الذي تم توقيعه في 7 أغسطس 2026، من قبل السعودية وTürkiye وباكستان، قد أضفى طابعًا رسميًا على اتفاقية دفاع جماعي ثلاثية، مما وضع سابقة مهمة. يستفيد الاتفاق من نقاط القوة المميزة لكل موقع، حيث يجمع بين قدرات Türkiye المتكاملة مع الناتو وقاعدة الدفاع الصناعي القوية، والترسانة النووية لباكستان، وثقل السعودية المالي والدبلوماسي تحت مظلة واحدة، مما يمهد الطريق لتعاون أمني إقليمي أوسع. ما إذا كان اتفاق مكة سيتطور ليصبح القلب المؤسسي لـ “الناتو الإسلامي” أو يبقى مهمًا رمزيًا ولكنه محدود وظيفيًا سيعتمد على كيفية استجابة الدول الأعضاء عند اختبارها.
يبقى العامل الأكثر تعقيدًا هو القضية الفلسطينية، التي تفرض سقفًا سياسيًا على أي تحالف يشمل إسرائيل—خصوصًا بعد هجوم إسرائيل على الدوحة. من الناحية النظرية، تتركز العقبات على متغيرين رئيسيين: اختلاف تصورات التهديد وغياب المصداقية المؤسسية. تجعل هذه العوامل أي معاهدة دفاع جماعي مستندة إلى المادة 5 من معاهدة شمال الأطلسي—التي تنص على أن “الهجوم المسلح ضد واحد أو أكثر من [أعضاء الناتو] في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعتبر هجومًا ضدهم جميعًا”—غير قابلة للتطبيق في المستقبل المنظور. في الوقت نفسه، هناك مؤشرات إيجابية، لا سيما المعارضة العربية الموحدة للهجمات على الدول الخليجية والأردن.
التحوط الانتقائي
عند النظر إلى المستقبل، فإن الخيار الأكثر واقعية للمنطقة هو التحوط الانتقائي ضمن إطار يركز على الخليج. لن يتطلب هذا النهج من الدول مواءمة سياساتها الخارجية—وهو شرط مستحيل بالنظر إلى مصالحها المتباينة—بل سيسعى بدلاً من ذلك إلى تحقيق حد أدنى من التوافق حول “الخطوط الحمراء” المشتركة: حماية السيادة، تأمين البنية التحتية للطاقة، حماية الممرات البحرية، وحماية المراكز الحضرية من الهجمات.
يمكن تنفيذ هذا النهج من خلال أربع طبقات متدرجة. ستبدأ الطبقة الأولى بتعميق التكامل داخل الخليج، وبشكل خاص في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات، وحماية البنية التحتية الحيوية، لتكون نواة متماسكة وصلبة. ستتضمن الطبقة الثانية تنويع الشراكات الخارجية، دون الانزلاق نحو أن تصبح كتلة صارمة. يمكن تحقيق ذلك من خلال شراكات مرنة مع تركيا، باكستان، والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى الناتو—من خلال مبادرة التعاون في إسطنبول—وبذلك توزيع المخاطر وتجنب الاعتماد على ضامن واحد.
ستتطلب الطبقة الثالثة بناء محيط أمني عربي حول الخليج، يشمل الأردن ومصر، يركز على تنسيق الدفاع الجوي والاستخبارات، دون أن يتصاعد ذلك إلى تحالف عسكري تقليدي ملزم. ستكتمل هذه الإطار بطبقة رابعة: الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع إيران لإدارة التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، خاصة بالنظر إلى أن هدنة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإيران، تعيد رسم قواعد الاشتباك، تبدو ممكنة بشكل متزايد.

نحو أمن الشرق الأوسط بدون الناتو
من المهم استخدام مصطلح “هيكل الأمن المتعدد الطبقات” بدلاً من “ناتو الشرق الأوسط”. هذا يتجنب تكرار نموذج المادة 5 من الناتو ويتجنب الاستفزازات المحتملة المرتبطة بعلامة “الناتو” وحمولتها الرمزية. ثانياً، يجب أن يميز تحليل القضية بوضوح بين المشاريع الثلاثة المتنافسة الموصوفة أعلاه لتجنب سوء الفهم حول وجود مبادرة واحدة متماسكة.
أخيرًا، من الضروري توجيه الاستثمار نحو القدرات القابلة للتشغيل المتبادل، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي المتكاملة، وشبكات الإنذار المبكر، وبروتوكولات تبادل المعلومات. يمكن أن يكون اتفاق مكة أساسًا قويًا لمثل هذه الجهود. يمكن أن يؤدي هذا النهج إلى عوائد عالية من حيث الردع، مما يمكّن من تحقيق تماسك وظيفي حقيقي.
الخاتمة
لقد انتقل مفهوم “الناتو الإقليمي” من كونه مجرد عنوان يجذب الانتباه، لكنه ليس – في الوقت الحالي – مشروعًا ناضجًا جاهزًا للتنفيذ الفوري. إنه يعكس حاجة حقيقية مدفوعة بتحولات جيوسياسية كبيرة، لكن تحويل هذه الحاجة إلى واقع مؤسسي سيتطلب التخلي عن طموح “التحالف الشامل” لصالح عملية تدريجية من التكامل، متجذرة في القدرات المشتركة والثقة المتبادلة.
إذا نجحت الدول المعنية في هذا المسعى، فقد يشهد الشرق الأوسط ظهور نظام إقليمي أكثر استقلالية وتوازنًا. لن يحدث ذلك في قفزة دراماتيكية واحدة، بل من خلال عملية محسوبة من التراكم الاستراتيجي والوظيفي – عملية تنهي عقودًا من الاعتماد الأحادي على مظلات الأمن الخارجي التي لم يعد يمكن ضمانها.

