تتطلب الديناميات الجيوسياسية العالمية تقييمًا دقيقًا للاتفاق الثنائي الأخير، حيث يتحدى الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي النماذج الأمنية الإقليمية المعمول بها. من خلال محاولة فصل بيروت عن الشبكات الأوسع للتوافق، يخلق هذا الإطار احتكاكًا هيكليًا فوريًا بين تطلعات الدولة والواقع العسكري المحلي. يُعتبر الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي اختبارًا عالي المخاطر للسيادة قد يعيد تعريف الحدود أو يعمق النزاعات بالوكالة القائمة عبر بلاد الشام.
الاتفاق الإطاري يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية
في ختام الجولة الخامسة من المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة والتي استمرت أربعة أيام، توصلت لبنان وإسرائيل إلى اتفاق إطاري في 26 يونيو 2026 يهدف إلى إقامة مرحلة جديدة في العلاقات وتمهيد الطريق لمفاوضات السلام المستقبلية. يعلن الاتفاق عن نية كلا البلدين إنهاء نزاعهما، ومعالجة أسبابه الجذرية، وإنهاء حالة الحرب، ونقل المسؤولية الأمنية تدريجيًا في أجزاء من جنوب لبنان إلى القوات المسلحة اللبنانية.
كما يؤكد على حق كلا الدولتين في الوجود بسلام كجيران ذوي سيادة، ويحدد عملية مرحلية بموجبها ستقوم لبنان بتمديد سلطة الدولة عبر أراضيها من خلال نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية. في المقابل، ستقوم إسرائيل بإعادة انتشار تدريجي من الأراضي اللبنانية. كما تلتزم لبنان باستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتنفيذ برنامج قائم على الأداء لتمكين الجيش من تولي السيطرة الأمنية الكاملة، والسعي للحصول على الدعم الدولي – وخاصة من الولايات المتحدة والدول العربية – لتحقيق هذه الأهداف.
ينص الاتفاق أيضًا على أن كلا البلدين يحتفظان بحق الدفاع عن النفس بموجب القانون الدولي، ولكن لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما. ويتصور إنشاء مجموعات عمل لإعداد اتفاق شامل للسلام والأمن، ويلزم كلا الجانبين باتخاذ تدابير لبناء الثقة، بما في ذلك إنهاء الأعمال السياسية والقانونية العدائية ضد بعضهما البعض في المنتديات الدولية، والبحث عن وإعادة رفات البشر، وإطلاق سراح المعتقلين.
الفصائل الداخلية تناقش تداعيات الاتفاق الإطاري
أثارت الاتفاقية ردود فعل متباينة بشكل حاد في لبنان. وصف الرئيس جوزيف عون الاتفاقية بأنها الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة اللبنانية الكاملة، وإنهاء الاحتلال، وتمكين السكان النازحين من الجنوب من العودة إلى منازلهم، بينما رحب رئيس الوزراء نواف سلام بها كخطوة أولية تتطلب آليات واضحة وضمانات دولية لتنفيذها.
على النقيض من ذلك، أدان الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الاتفاقية باعتبارها باطلة ومهينة واستسلاماً للسيادة، رافضاً أي ارتباط بين انسحاب إسرائيل ونزع سلاح حزب الله. كما أدان رئيس البرلمان نبيه بري الاتفاقية باعتبارها ترتيبا مفروضاً أسوأ من اتفاق 17 مايو 1983 وتنبأ بأنها لن تُنفذ أبداً. انتقد وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي اللبناني المخضرم ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، الإطار لأنه يتجاهل فعلياً اتفاق الهدنة لعام 1949، بينما تبنت الجماعة الإسلامية نبرة أقل confrontational، مصممة على أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلام واحتكار الدولة للأسلحة يجب أن تنبثق من خلال الحوار الوطني بدلاً من الضغط الخارجي.
في إسرائيل، أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالاتفاقية باعتبارها تاريخية، مؤكداً أنها تعترف بحق إسرائيل في الحفاظ على منطقة أمنية داخل لبنان حتى يتم نزع سلاح حزب الله ومنظمات مسلحة أخرى ويتم القضاء على التهديد من لبنان. وادعى أن الاتفاقية تعزز السلام بينما تقوي إسرائيل وتضعف كل من إيران وحزب الله.

التنازلات السيادية تهدد الاتفاق الإطاري
ومع ذلك، على الرغم من تقديم المسؤولين اللبنانيين الاتفاقية كبداية لطريق نحو السيادة، فإن وجهتها النهائية لا تزال غير مؤكدة. لقد أثارت الملحقات الأمنية غير المنشورة الشكوك بأنها تحتوي على أحكام من غير المرجح أن تحظى بقبول عام. حتى الإطار المنشور يكشف عن تنازلات لبنانية كبيرة مقابل التزامات إسرائيلية غامضة تفتقر إلى حدود جغرافية أو زمنية واضحة.
تُفسر الاتفاقية على أنها قبول فعلي لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان لفترة غير محددة، مع التخلي عن قدرة لبنان على تحدي هذا الاحتلال في المنتديات السياسية والقانونية الدولية. من خلال الالتزام بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير الحكومية ودعوة المساعدة الدولية للقيام بذلك، تُفقد الدولة اللبنانية أيضًا شرعية المقاومة المسلحة للاحتلال. تعكس هذه الالتزامات تحولًا استراتيجيًا أوسع نحو إنهاء العداء مع إسرائيل والسعي في نهاية المطاف إلى تحقيق سلام شامل. كما تشير الاتفاقية إلى رفض لبنان للتمثيل من قبل طرف ثالث في صراعه مع إسرائيل، مما يبعده ضمنيًا عن إيران ويفصل الجبهة اللبنانية عن الفهم الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران الذي ربط الهدن عبر عدة جبهات إقليمية.
الاتفاق الإطاري يكشف عن اختلالات هيكلية في التفاوض
في المقابل، تعترف إسرائيل فقط بسيادة لبنان من حيث المبدأ، بينما تقدم فقط إعادة انتشار مستقبلية غير محددة بدلاً من انسحاب كامل. لا تحدد الاتفاقية جدولًا زمنيًا لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية ولا حدودًا واضحة للمنطقة الأمنية التي قد تستمر إسرائيل في احتلالها في انتظار نزع سلاح حزب الله. كما أنها لا توفر جدولًا زمنيًا لعودة المدنيين النازحين أو إعادة إعمار جنوب لبنان. بدلاً من ذلك، ستنسحب إسرائيل فقط من مناطق “تجريبية” مختارة بعد التحقق من أن القوات اللبنانية قد أزالت الجماعات المسلحة وألغت التهديدات الأمنية.
تُعزى هذه النتائج إلى حد كبير إلى الاختلال الاستراتيجي الذي ميز المفاوضات. دخل القادة اللبنانيون المحادثات عازمين على استعادة سلطة الدولة من خلال إنهاء الدور العسكري المستقل لحزب الله وتقييده بالنشاط السياسي. وقد عُكس هذا الهدف بالفعل في قرار الحكومة لعام 2024 بتقييد جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، على الرغم من الشكوك حول قدرتها على تنفيذ مثل هذه السياسة. كما اختارت الحكومة التفاوض مباشرة مع إسرائيل دون التوصل إلى تفاهم مع حزب الله أو إجراء حوار وطني أوسع حول أهداف التفاوض، مما ترك لبنان بلا نفوذ يذكر بخلاف توقعه للدعم الأمريكي.
ومع ذلك، كانت المفاوضات تُدار بشكل أساسي من قبل فريق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وسط انقسامات داخل إدارة ترامب بشأن سياسة إيران. سعى روبيو إلى فصل المسار اللبناني عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتعزيز موقف إسرائيل. شملت جهوده تأمين الدعم العربي خلال اجتماع وزراء مجلس التعاون الخليجي في المنامة، الذي دعم في بيانه الختامي سلطة الدولة اللبنانية، ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، واستمرار المفاوضات مع إسرائيل. كانت لغة بيان المنامة تتوقع عن كثب الاتفاق الإطاري الذي تم الإعلان عنه في اليوم التالي.
الاحتكاك الداخلي يعيق تنفيذ الاتفاق الإطاري
عند النظر إلى المستقبل، يواجه الاتفاق عقبات سياسية هائلة. معظم الأحزاب السياسية اللبنانية إما تعارضه بشكل قاطع أو تعترض على بنود رئيسية، لا سيما تلك المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، وت legitimizing الاحتلال الإسرائيلي المستمر، والتخلي عن الإجراءات القانونية الدولية ضد إسرائيل، والسعي للسلام مع إسرائيل. على الرغم من أن الرفض البرلماني غير مؤكد لأن الإطار قد لا يتطلب موافقة تشريعية، إلا أن التنفيذ يبقى مستحيلاً دون توافق سياسي واسع.
علاوة على ذلك، تشعر سوريا بالقلق إزاء الانقسامات الداخلية في لبنان والآثار الإقليمية المحتملة للاتفاق. بينما كانت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشعيباني المخطط لها إلى بيروت تهدف رسمياً إلى معالجة القضايا الثنائية، قد تسعى أيضاً لتشجيع التوافق اللبناني بشأن نزع سلاح حزب الله وتنفيذ الإطار. ومع ذلك، فإن موقف سوريا من الاتفاق وقدرتها على تشكيل تنفيذه غير مؤكدين.
في النهاية، فإن تنفيذ الاتفاق بالقوة قد يعرض البلاد للاحتكاك الداخلي، بينما لا يبدو أن الجيش اللبناني أو القوى الأجنبية مستعدة لفرض مثل هذا الحل. بدلاً من تعزيز الدولة اللبنانية، وتقدم السلام، وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، من المرجح أن يكشف الاتفاق عن ضعف الدولة، ويعمق الانقسامات الداخلية، ويطيل الاحتلال الإسرائيلي، ويستمر في خلق الظروف لمواجهة مستمرة بين إسرائيل والجماعات المسلحة اللبنانية.

