على طول الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، تتصاعد المشهد العسكري بوتيرة تشير إلى أن جنوب لبنان يقف على حافة نقطة تحول خطيرة للغاية. إن الانتشار العسكري الإسرائيلي غير المسبوق، وتحذيرات الإخلاء الواسعة التي تؤثر على العشرات من المدن والبلدات، والغارات الجوية المتصاعدة على طول الخط الأمامي جميعها تشير إلى إمكانية حدوث توغل بري إسرائيلي.
على مدار الأيام القليلة الماضية، تحولت الجبهة الجنوبية إلى ساحة مفتوحة من المواجهة بين حزب الله وإسرائيل بعد أن دخلت الجماعة الصراع دعمًا لإيران عقب اغتيال القائد الأعلى علي خامنئي. أطلق حزب الله عدة صواريخ نحو إسرائيل، مما دفع الغارات الجوية الإسرائيلية للرد التي استهدفت الضواحي الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى في لبنان.
مع تسارع التطورات العسكرية وتبادل الضربات، تتزايد العلامات التي تشير إلى أن المواجهة قد تدخل مرحلة أكثر حساسية. يعتقد المحللون أن التكدس العسكري الإسرائيلي والحركات قد تكون استعدادات لعمليات برية أوسع.
تكدس القوات وتحذيرات الإخلاء
منذ انضمام حزب الله إلى المواجهة، كثف الجيش الإسرائيلي حملته الجوية ضد مواقع الجماعة، حيث نفذ مئات الضربات التي استهدفت منصات إطلاق الصواريخ، ومراكز القيادة، ومستودعات الأسلحة، والقادة الميدانيين. تقول إسرائيل إن هذه الضربات هي جزء من حملة عسكرية مستمرة تهدف إلى تقليل قدرات حزب الله على طول حدودها الشمالية.
تزامنت التصعيدات الجوية مع تحركات ملحوظة على الأرض. دعا الجيش الإسرائيلي سكان عشرات البلدات اللبنانية الجنوبية إلى إخلاء منازلهم. يوم الثلاثاء، وسع التحذيرات، داعيًا جميع سكان البلدات الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى الإخلاء الفوري والانتقال شمال النهر، محذرًا من أن أي حركة نحو الجنوب قد تعرض حياتهم للخطر.
في نفس السياق، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس عن الموافقة على “السيطرة على مرتفعات إضافية في لبنان لحماية المجتمعات الحدودية”، مضيفًا أن حزب الله “يدفع وسيدفع ثمنًا باهظًا لإطلاق النار نحو إسرائيل.”
وفقًا لمصادر نقلت عنها قناة الحرة، بدأ الجيش الإسرائيلي تعزيز وجوده العسكري داخل جنوب لبنان، حيث دخلت الفرقتان 91 و146 إلى مواقع جديدة على طول منطقة الحدود. أوضحت المصادر أن هذه الخطوة “لا تشكل مناورة برية واسعة النطاق، بل هي إجراء دفاعي يهدف إلى إنشاء طبقة إضافية من الحماية، مع تحديد منطقة قتال يصبح فيها أي فرد مسلح يدخلها هدفًا مشروعًا.”
في غضون ذلك، أعلن الجيش اللبناني أنه رصد توغلًا إسرائيليًا في الأراضي اللبنانية، مشيرًا إلى أن قيادة الجيش تواصل التنسيق مع اليونيفيل ولجنة مراقبة وقف إطلاق النار في محاولة لوقف الضربات الإسرائيلية.
كما أشار الجيش اللبناني إلى أن وحداته أعادت تموضعها في عدة نقاط حدودية ضمن قطاعات مسؤوليتها، على الرغم من القدرات المحدودة، مع اتخاذ تدابير استثنائية للحفاظ على الأمن ومنع العروض المسلحة عبر مختلف المناطق.
تقييم عسكري
مع زيادة النشاط العسكري على طول الحدود الشمالية لإسرائيل، تتجه الأنظار نحو المرحلة المحتملة التالية من المواجهة مع حزب الله.
يعتقد الخبير الاستراتيجي، اللواء المتقاعد جورج نادر، أن حجم القوات المتجمعة على الحدود “يشير إلى استعدادات لعملية برية.” وأشار إلى أن “التقديرات الحالية تشير إلى أن حوالي مئة ألف جندي إسرائيلي تم حشدهم على الجبهة الشمالية.”
شرح نادر لقناة الحرة أن “هذا الرقم يعادل ست إلى سبع فرق عسكرية، وهي قوة كبيرة بما يكفي لتنفيذ غزو واسع، ليس فقط في جنوب لبنان ولكن ربما في عمق الأراضي اللبنانية.”
وأضاف أن التحذيرات الواسعة للإخلاء ومنع السكان من العودة إلى المناطق جنوب نهر الليطاني “تهدف إلى إفراغ ساحة المعركة قبل أن تبدأ أي عملية برية.”
ومع ذلك، أكد نادر أن الطبيعة الدقيقة لأي عملية محتملة “لا تزال غير واضحة، حيث تظل الخطط العسكرية سرية.”
الاقتحامات الإسرائيلية
شهد لبنان غزوتين كبيرتين من قبل إسرائيل. وقعت الأولى في عام 1978، عندما غزت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان حتى نهر الليطاني في عملية تهدف إلى دفع مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية بعيدًا عن الحدود.
أما الغزو الأكبر فقد حدث في عام 1982، عندما اخترقت القوات الإسرائيلية عمق الأراضي اللبنانية ووصلت إلى بيروت، حيث فرضت حصارًا على العاصمة انتهى بمغادرة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وآلاف المقاتلين عبر البحر من لبنان.
ومع ذلك، لم تقتصر التدخلات العسكرية الإسرائيلية على هذين الغزوين. شهد جنوب لبنان أيضًا عمليات برية واسعة النطاق أخرى، بما في ذلك الحملة عام 1993 المعروفة باسم “عملية المساءلة”، تلتها العملية عام 1996 المسماة “عناقيد الغضب”. كما شملت حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله اقتحامات برية إلى عدة قرى جنوبية.
بعد أن أعلن حزب الله عما أسماه “حرب دعم” لغزة في عام 2023، نفذت إسرائيل أيضًا اقتحامات إلى أجزاء من جنوب لبنان خلال القتال واستولت على عدة مواقع لا تزال تحتفظ بها.
قال المحلل السياسي إلياس زغبي لقناة الحرة إن أي اقتحام إسرائيلي لجنوب لبنان، أو حتى إلى وادي البقاع، سيكون نتيجة مباشرة لتجدد مشاركة حزب الله في دعم إيران.
وفقًا لزغبي، فإن هذا سيضع المسؤولية المباشرة على حزب الله “وطنيًا، وسياسيًا، وبين الجمهور أكثر من أي مشاركة سابقة.” وأضاف أن الاستياء داخل بيئة حزب الله نفسها يتزايد، حيث بدأ حتى بعض من أقوى مؤيديه في التعبير عن الشكوك، بينما يعبر آخرون علنًا عن الغضب والإحباط من التوافق الكامل للجماعة مع صنع القرار الإيراني.
كما جادل زغبي بأن هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة الفجوة بين حزب الله وحركة أمل وزعيمها، رئيس البرلمان نبيه بري، بالإضافة إلى تعميق الفجوة بين حزب الله من جهة والدولة اللبنانية ومكونات سياسية وطائفية أخرى من جهة أخرى.
خيارات محدودة
على النقيض من ذلك، يبدو أن الدولة اللبنانية لديها خيارات محدودة في ظل التوازن الحالي للقوى.
يعتقد نادر أن لبنان الآن لديه مساحة ضئيلة للمناورة سواء عسكريًا أو دبلوماسيًا. وقال إن الفرص التي قد تمنع التصعيد “قد ضاعت”، مضيفًا أن قرار الحكومة بحظر النشاط العسكري لحزب الله جاء “متأخرًا جدًا.” كما أشار إلى أن التأثير الحقيقي في هذه القضية يكمن في النهاية مع الولايات المتحدة.
حدد نادر ثلاثة سيناريوهات محتملة.
الأول هو أن يقنع حزب الله بتسليم أسلحته، وهو خيار ترفضه الجماعة.
الثاني هو أن تتحرك الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله بالقوة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
السيناريو الثالث – والأكثر خطورة – هو “غزو إسرائيلي يفرض السلام بالقوة”، مع الإشارة إلى أن المؤشرات الحالية تشير إلى أن هذا المسار قد يكون الأكثر احتمالاً.
من جانبه، يعتقد زغبي أن الدولة اللبنانية “لا يمكنها التعامل مع الاقتحامات الإسرائيلية إلا بحذر وحكمة”، وذلك لتجنب تكرار ما يصفه بخطأ حزب الله والتسبب في مزيد من الضحايا والدمار.
ويقول إن هذه الواقع يفسر تعليمات الدولة اللبنانية لقيادة الجيش بتجنب المواجهة المباشرة مع الآلة العسكرية الإسرائيلية بسبب “انهيار ميزان القوى”، وبدلاً من ذلك، إعطاء الأولوية لـ “دعم المدنيين في المدن والقرى الجنوبية بالتنسيق مع القوات المتبقية من اليونيفيل.”
في ظل هذه الظروف، لا يزال جنوب لبنان تحت وطأة الترقب القلق بشأن ما قد تحمله الأيام القادمة على الأرض. بين التعبئة العسكرية وزيادة التحذيرات، تتزايد المخاوف من أن المواجهة قد تنزلق إلى مرحلة أكثر خطورة قد تشمل غزوًا بريًا إسرائيليًا واسع النطاق.

