تفرض الواقع على حماس – إذا كانت تعتبر نفسها معنية بمصير الشعب الفلسطيني وشعب غزة – أن تتحمل مسؤولياتها وتعترف بالكارثة التي تسببت بها على المستوى الفلسطيني ككل.
ليس سراً أن كارثة قد حلت بغزة، والأطراف المسؤولة عن هذه الكارثة هي “حماس” من جهة، والرد الإسرائيلي على “سيول الأقصى” من جهة أخرى. في يوم واحد – 7 أكتوبر 2023 – تلقت إسرائيل ضربة لم تشهد مثلها منذ إعلان تأسيس الدولة في عام 1948. في يوم واحد، قُتل حوالي 1,200 يهودي، معظمهم من مواطني الدولة، في الهجوم الذي شنته “حماس” على مستوطنات محيط غزة التي تنطلق من القطاع نفسه.
معبر رفح ولحظة الحقيقة
من هذا المنظور، يبدو أن إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر – على الرغم من الظروف المحيطة بالعملية – تمثل فرصة للفلسطينيين الذين لا يزالون يؤمنون بـ “حماس” لمواجهة الواقع بدلاً من الهروب منه. هل يمكن للحركة أن تتصالح مع الواقع وتقبله، مع اعتبار نفسها جزءاً لا يتجزأ من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي يمتلك شغفاً لا حدود له للسلطة؟
يفرض الواقع على حماس – إذا كانت تعتبر نفسها معنية بمصير الشعب الفلسطيني وشعب غزة – أن تتحمل مسؤولياتها وتعترف بالكارثة التي تسببت بها على المستوى الفلسطيني ككل. لتوضيح الأمر بشكل أكبر، يُتوقع من حركة مثل “حماس” أن تعترف بفشلها السياسي والعسكري من جهة، وأن أسلحتها، التي لا تزال تتشبث بها، قد أصبحت ذريعة إسرائيلية للاستمرار في الحرب على القطاع من جهة أخرى. أخذت حماس غزة وشعبها نحو الدمار. الحركة، التي جاءت بأفكار ونظريات بالية مثل “تحرير فلسطين من النهر إلى البحر”، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ما حدث، خاصة في ظل وجود دولة لا تقدر قيمة الحياة البشرية، أو القيم الإنسانية، أو القانون الدولي. وجدت حماس نفسها تراقب، مع العالم، عملية منهجية لتدمير غزة بهدف محوها وشعبها من الوجود من خلال جعلها أرضاً غير قابلة للسكن.
كيف خدمت حماس اليمين الإسرائيلي
دون العودة إلى الفترة التي ظهرت فيها “حماس” في عام 1987 – وهي فترة سبقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي أدت إلى اعتراف إسرائيل بأن التسوية السياسية مع ممثل الشعب الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات تحديداً) كانت حتمية – من المفيد أن نتذكر عام 2005. كان المعبر بين رفح والأراضي المصرية يعمل بشكل طبيعي تحت إشراف مراقبي الاتحاد الأوروبي. تمكنت السلطة الوطنية، التي كانت تشرف على القطاع، من تأمين صيغة عمل لمعبر رفح على الرغم من كل ما حدث في عام 2000 خلال “عسكرة الانتفاضة”. وقد أدت تلك “العسكرة” لاحقاً – بينما كان “أبو عمار” (عرفات) لا يزال على قيد الحياة – إلى تدمير مطار غزة، الذي افتتح بحضور الرئيس بيل كلينتون في نوفمبر 1998.
منذ اليوم الأول في عام 1987، لعبت “حماس” جميع الأدوار المطلوبة منها من قبل إسرائيل لجعل التسوية السلمية مستحيلة، تماماً كما يريد اليمين الإسرائيلي. راهن اليمين الإسرائيلي، الذي عارض أصلاً اتفاقيات أوسلو في عام 1993، على “حماس”… وفعلاً ربح رهانه.
يمكن الإشارة إلى عدة مراحل لإثبات التواطؤ بين “حماس” واليمين الإسرائيلي، الذي يرمز إليه وجود بنيامين نتنياهو على رأس أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ الدولة منذ تأسيسها في عام 1948. يمكن البدء بسلسلة العمليات الانتحارية التي نفذتها الحركة – التي هي جزء لا يتجزأ من الإخوان المسلمين – لإفشال أوسلو، بغض النظر عن مزاياها أو عيوبها.
الانسحاب في عام 2005: فرصة ضائعة
في المرحلة الأولى، في أغسطس 2005، أفشلت “حماس” كل محاولة للاستفادة من الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة. “حماس” ليست الوحيدة المسؤولة عن هذا الفشل؛ فقد ساعدها السلطة الوطنية ورفض رئيسها، محمود عباس (أبو مازن)، الذهاب شخصياً إلى غزة للإشراف على مرحلة ما بعد الانسحاب. كان الانسحاب من غزة فرصة للفلسطينيين لإثبات أنهم يستطيعون إقامة نواة دولة سلمية مستعدة للعيش في سلام مع محيطها. والأسوأ من ذلك، رأت “حماس” أن الانسحاب الإسرائيلي مناسبة لبدء إطلاق الصواريخ نحو الأراضي الإسرائيلية. كل هذا خدم أرييل شارون، الذي كان يعتقد أنه “لا يوجد شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه.”
الإمارة الإسلامية والانقسام الفلسطيني
في المرحلة الثانية، أزالت “حماس” “فتح” في غزة. كان ذلك في منتصف 2007. أقامت “إمارة إسلامية” في القطاع. لم يكن الهدف فقط هو القضاء على فتح؛ بل إن فصل القطاع عن الضفة الغربية عزز أيضاً الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني في وقت كانت فيه الهموم الرئيسية لليمين الإسرائيلي هي، وما زالت، تدمير أي أمل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
فيضان الأقصى: نقطة اللاعودة
مع “فيضان الأقصى”، وصلت المرحلة الثالثة، مما يمثل نقطة تحول على المستويين الفلسطيني والإقليمي. “فيضان الأقصى” — سواء أحببنا ذلك أم لا — أغلق الأبواب أمام حل الدولتين، على الأقل في المستقبل المنظور. تتحمل “حماس” بكاملها، وليس يحيى السنوار وحده، مسؤولية القرار بشن هجوم على المستوطنات في محيط غزة، مما حول إسرائيل إلى دولة أكثر وحشية من أي وقت مضى.
غيرت “حماس” المنطقة. كشفت حرب غزة عن إيران ودمرت أسلحتها الرئيسية: “حزب الله” في لبنان والنظام العلوي في سوريا.
الأسلحة كفوز، غزة كأنقاض
ما لم يتغير هو “حماس” نفسها، التي ترفض الاعتراف بالفشل وأنه يجب عليها التخلي عن أسلحتها. تعتبر الحركة بقاء أسلحتها والجيوب المتبقية التي لا تزال تسيطر عليها في غزة إنجازاً سياسياً. لكن ماذا عن معبر رفح والمسرحية التي رافقت إعادة فتحه بشروط إسرائيلية، بعد أن كان لدى غزة مطار حقيقي في الماضي القريب… وكان لشعبها أمل في حياة أفضل بعيداً عن الحصار وبعيداً عن وضع أنفسهم في خدمة اليمين الإسرائيلي ومشاريعه المجنونة المسدودة؟

