تقوم شمال إفريقيا بدور الجسر بين إفريقيا جنوب الصحراء الغنية بالموارد وأوروبا، مما يحول البنية التحتية والتجارة إلى فرص استراتيجية.
تجري منذ سنوات مشاريع بنية تحتية تربط شمال إفريقيا بدول إفريقيا جنوب الصحراء. تشمل هذه المبادرات الواسعة النطاق النقل البري والبحري، وخطوط الغاز، والشبكات الكهربائية، وشبكات الألياف الضوئية.
تعكس هذه المشاريع المصلحة الاستراتيجية لشمال إفريقيا في تعزيز روابطها الاقتصادية مع إفريقيا جنوب الصحراء، مدفوعةً بالاعتقاد بأن القارة تحمل وعودًا كبيرة.
من المتوقع أن تشير التقارير إلى أن النمو الاقتصادي في دول جنوب الصحراء مثل السنغال وأوغندا والنيجر ورواندا وإثيوبيا سيتجاوز عتبة 7% بحلول عام 2025.
تتمتع إفريقيا بموارد غنية من الطاقة والمعادن، بما في ذلك اليورانيوم والمعادن النادرة. يبلغ متوسط عمر سكان القارة أقل من عشرين عامًا، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.6 مليار بحلول عام 2050. وهذا يشير إلى قوة عاملة شابة ومنتجة وسوق استهلاكية واسعة لعقود قادمة. لذلك، ليس من المستغرب أن تتنافس القوى الأجنبية لتوسيع نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري عبر القارة.
ترى دول شمال إفريقيا فرصًا لتوسيع الواردات والصادرات من خلال تعزيز الروابط مع دول جنوب الصحراء، وتقليل اعتمادها المفرط على أوروبا، والتخفيف من تأثير التدابير الحمائية التي تؤثر على منتجاتها.
تدرك المنطقة أنها يمكن أن تؤمن موقعًا متميزًا في التصنيع وسلاسل الإمداد العالمية من خلال التركيز على الصناعات التحويلية التي تستفيد من الموارد الطبيعية المتاحة جنوب الصحراء، بالإضافة إلى قربها الجغرافي من أوروبا.
في وقت سابق من هذا الشهر، دعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي دول شمال إفريقيا إلى تعزيز الروابط مع أوروبا ودول إفريقيا جنوب الصحراء من خلال إطلاق مشاريع تربط بين المناطق الثلاث في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية. ومع ذلك، أكدت على أن المنطقة بحاجة إلى تقليل الحواجز الضريبية لتعزيز التجارة مع دول جنوب الصحراء.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت دراسة لصندوق النقد الدولي أن تعزيز الروابط الاقتصادية بين المجموعات الثلاث يمكن أن يزيد من صادرات شمال إفريقيا بنسبة 16% ويعزز ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 7%.
تواجه العلاقة بين شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء العديد من التحديات، بما في ذلك النزاعات المسلحة المستمرة، مثل الحرب في السودان، وارتفاع الأنشطة الجهادية في كل من القرن الإفريقي وغرب إفريقيا. يمكن أن تعيق هذه التهديدات الأمنية الجهود الرامية إلى إنشاء شبكات لوجستية متكاملة عبر القارة.
تتمثل تحدٍ آخر في نقص التنسيق بين دول شمال إفريقيا بشأن سياساتها الاقتصادية، مما يجعل المنطقة واحدة من أقل المناطق تكاملًا في العالم. بينما تتعزز آليات التنسيق الإقليمي جنوب الصحراء وتتعزز مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تظل صفوف اتحاد المغرب العربي مجزأة، عالقة في حالة من الجمود التي يصفها البعض بالموت السريري.
التحدي الثالث هو التصور القديم عن إفريقيا في أذهان الكثيرين. بينما يرى العديد من قادة الأعمال وصناع القرار الاقتصاديين أن إفريقيا جنوب الصحراء هي وجهة رئيسية للمشاريع والاستثمارات، لا يزال جزء كبير من الرأي العام في المغرب العربي يركز على الهجرة غير النظامية من جنوب الصحراء، حيث يسعى الناس لتحقيق حلمهم في الوصول إلى أوروبا. قد يكون هذا التصور هو الشجرة التي تخفي الغابة.
في الوقت نفسه، يميل العديد من السياسيين في أوروبا إلى رؤية المغرب العربي مجرد منطقة عازلة للحد من الهجرة غير النظامية، بدلاً من التركيز على الوفاء بالتزامات الاتحاد الأوروبي للاستثمار في التنمية المشتركة عبر ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
لا يعني التحول نحو الجنوب أن المنطقة يجب أن تتخلى عن روابطها الطويلة الأمد – رغم أنها اقتصادية غير متطورة – مع الدول العربية الأخرى، ولا ينبغي لها التخلي عن الشراكات مع أوروبا.
بالنسبة لشمال إفريقيا، فإن موقعها بين إفريقيا وأوروبا ليس لعبة ذات نتيجة صفرية، بل هو ضرورة استراتيجية تخدم مصالحها وتتيح لها التكيف مع عالم يتغير بسرعة.

