عندما يقوم مقتدى الصدر بتفكيك ميليشياته، فإنه لا يتخلى عن النفوذ بل يستخدم نزع السلاح كوسيلة ضغط سياسية. هذه الخطوة الثالثة منذ عام 2003 تستغل الضغوط الإقليمية بينما تحافظ على شبكة اجتماعية واسعة.مقتدى الصدر يقوم بتفكيك ميليشياته لإعادة تموضعه ك statesman شيعي، مما يثبت أن نزع السلاح يمكن أن يكون هجومًا استراتيجيًا، وليس تراجعًا.
مقتدى الصدر يفكك ميليشياته كوسيلة ضغط
للمرة الثالثة في أقل من عقدين، أعلن مقتدى الصدر عن تفكيك تشكيل عسكري من صنعه. في كل مرة، بدا أن القرار يغلق فصلًا كاملًا في تاريخ الحركة الصدرية، ليظهر لاحقًا كلحظة انتقالية تسبق ظهور شكل جديد من النفوذ السياسي أو العسكري. هذه المرة، يتعلق القرار بكتائب السلام، الجناح المسلح الأخير والأهم المرتبط بالتيار الصدري، بدلاً من جيش المهدي، كما كان الحال بعد سنوات الحرب الأهلية في العراق.
في 27 مايو 2026، أعلن الصدر عن فصل كتائب السلام عن التيار الشيعي الوطني ودمجها الكامل في الدولة العراقية، مؤكدًا استعداده لتسليم التشكيل العسكري إلى القائد العام للقوات المسلحة. كما شدد على أن المؤسسات المدنية المرتبطة بالكتائب ستتحول إلى مشروع البنيان المرصوص، بدون أسلحة أو مقرات أو زي عسكري، لتصبح مؤسسة خدمات مدنية بحتة.
ومع ذلك، تكمن أهمية القرار في توقيته. فقد جاء في لحظة حساسية إقليمية حادة، حيث زادت الضغوط الأمريكية على بغداد لتقليص الأسلحة إلى سلطة الدولة وتقليل نفوذ الفصائل المسلحة التي تعمل خارج المؤسسات الرسمية. كما تزامن مع تحولات إقليمية سريعة أعادت رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط، ومع تشكيل حكومة عراقية جديدة تسعى لاستعادة سلطة الدولة وإعادة ضبط العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة.
قبل أسابيع من الإعلان، وضع الصدر شروطًا صارمة للمشهد السياسي الجديد. دعا إلى استبعاد أي حزب يمتلك جناحًا مسلحًا من الحكومة وطالب بوضع جميع الأسلحة تحت السيطرة الحصرية للدولة. بدا أنه يحاول إعادة تعريف نفسه ك statesman شيعي بدلاً من كونه قائدًا لفصيل مسلح، بينما يعيد تموضعه كصانع أجندة في السياسة العراقية بدلاً من مجرد مشارك يتفاعل مع الأحداث.
لفهم خطوة الصدر، يجب النظر إليها من خلال عدسة تاريخ الصدر. بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، برزت جيش المهدي كواحد من أهم الفاعلين المسلحين في العراق الجديد. خلال بضع سنوات، نمت المنظمة لتصبح قوة عسكرية واجتماعية هائلة قاتلت القوات الأمريكية وشاركت لاحقًا في الصراعات الداخلية في العراق. مع تصاعد المواجهات المسلحة وزيادة الضغط السياسي، أعلن الصدر عن وقف إطلاق النار في عام 2007، قبل أن يتخذ قراره الأشهر في أغسطس 2008: تجميد أنشطة جيش المهدي إلى أجل غير مسمى.
في ذلك الوقت، كان القرار أقل اعترافًا بالهزيمة من كونه محاولة لإنقاذ المشروع الصدري من الإرهاق العسكري والسياسي. أدرك الصدر أن استمرار وجود الميليشيا في شكلها القديم يهدد مستقبله السياسي ويقوض قدرته على المناورة ضمن النظام العراقي الجديد. لذلك، انتقل نحو إعادة الهيكلة، وأطلق أجنحة جديدة ذات طابع ديني واجتماعي مع الاحتفاظ بنواة أكثر انضباطًا وأقل ظهورًا.
تجميد الصدر لتشكيلاته المسلحة ليس شيئًا نادرًا؛ فقد علقها وأعاد تفعيلها عدة مرات على مر السنين، خاصة عندما شعر أن الذراع العسكرية أصبحت عبئًا على مشروعه السياسي أو على صورته في أعين الرأي العام العراقي.
لم تنتهِ قصة تجميد جيش المهدي. مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عام 2014 وانهيار أجزاء كبيرة من جهاز الأمن العراقي، عاد الصدر إلى الساحة العسكرية من خلال بوابة جديدة. تم الإعلان عن تشكيل لواء السلام لحماية الأضرحة الدينية والمشاركة في القتال ضد داعش. وجاءت هذه الخطوة استجابة للفتوى التاريخية للواجب الجماعي التي أصدرتها أعلى سلطة دينية، السيد علي السيستاني. على الرغم من تغيير الاسم والظروف، مثل التشكيل الجديد، في جوهره، عودة القدرة العسكرية الصدرية ضمن سياق سياسي وأمني مختلف.
قد يكون جيش المهدي قد اختفى اسماً، لكن وظيفته عادت بهدوء. لهذا السبب، يرى العديد من الباحثين أن ما حدث في عام 2014 هو أقل من كونه انقطاعاً مع التجربة السابقة، بل هو إعادة إنتاج ضمن إطار أكثر توافقاً مع الظروف الجديدة التي فرضها توسع داعش.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. حتى في السنوات الأخيرة، عاد الصدر مرة أخرى إلى سياسة التجميد. في أوائل عام 2026، أعلن عن تجميد أنشطة لواء السلام في محافظتي البصرة وواسط، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات تنظيمية وسلوكية. ومع ذلك، لم يستمر التجميد طويلاً؛ فقد أنهى هو بنفسه هذه الحالة. هذه الحلقة مهمة لأنها تكشف أن الصدر لا يعامل منظماته المسلحة كمؤسسات مستقلة، بل كأدوات يمكن إعادة ضبطها وإعادة توجيهها لتناسب متطلبات اللحظة السياسية.
من الصعب اختزال مقتدى الصدر في دور أو موقف واحد. إنه شخصية سياسية اعتادت على التحرك في مسارات تبدو متناقضة، معروفة بالغموض وقدرتها على المناورة السياسية. منذ عام 2003، انتقل عبر عدة أدوار: قائد ميليشيا، قائد احتجاجات، شريك في السلطة، قائد انسحب من العملية السياسية، ثم مدافع عن الإصلاح من خارجها. لذلك، لا يمكن فهم قراراته بشأن الأسلحة بمعزل عن استراتيجيته الأوسع لإدارة النفوذ. بالنسبة له، تظل الأسلحة أداة واحدة من أدوات القوة، بدلاً من أن تكون جوهر القوة نفسها.
عندما تصبح الأسلحة عبئاً سياسياً، يقوم بتجميدها. وعندما تتطلب الظروف الأمنية أو السياسية إعادة تعبئة، يعيد إنتاجها بشكل جديد. على مدار العقدين الماضيين، أصبح التيار الصدري نموذجاً مميزاً يجمع بين العمل السياسي، والاحتجاج الشعبي، والتنظيم العسكري، دون أن يستقر بشكل نهائي في أي واحد منها. ولهذا السبب، يتعامل العديد من المراقبين مع إعلان 2026 بحذر.
ومع ذلك، هناك فرق مهم بين الصدر وقادة الفصائل العراقية الآخرين. إنه يدرك أن قوته الحقيقية لا تعتمد على الأسلحة وحدها. العقد الاجتماعي الذي بناه التيار الصدري مع قاعدته الشعبية على مدى أكثر من عقدين يختلف جوهرياً عن العلاقة التي تربط الفصائل الأخرى بقاعدة ناخبيها. يمتلك التيار الصدري نطاقاً واسعاً دينياً واجتماعياً وخدمياً وشعبياً يتجاوز بكثير بعده العسكري.
لهذا السبب، فإن تخلي الصدر عن الأسلحة لا يعني بالضرورة استسلامه للنفوذ، ولا يؤدي تلقائياً إلى تراجع قدرته على التعبئة أو تشكيل المشهد السياسي. قد يعتقد أنه من الأكثر فائدة له في هذه المرحلة الحفاظ على صورة رجل الدولة بدلاً من الاحتفاظ بصورة قائد الفصيل المسلح.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ تجاهل الفروق بين الماضي والحاضر. العراق اليوم مختلف عن العراق في عام 2008 أو 2014. تواجه النفوذ الإيراني ضغوطًا إقليمية متزايدة؛ تسعى الدولة العراقية لتعزيز احتكارها للقوات المسلحة؛ ويبدو أن مقتدى الصدر نفسه يميل أكثر لتقديم نفسه كنقطة مرجعية وطنية ترتفع فوق الحسابات الفئوية الضيقة.

الصدري يفكك ميليشياته لكن فصائل طهران لا تفعل
ومع ذلك، يبقى أكبر عقبة هي الفصائل المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بطهران. في الوقت الذي أعلن فيه الصدر عن فصل كتائب السلام عن حركته ودمجها في الدولة، تواصل مجموعات بارزة مثل كتائب حزب الله، حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء الإصرار على الاحتفاظ بقدرات عسكرية مستقلة. لم تُظهر أي استعداد للتخلي عن السلاح بالكامل، أو دمج قدراتها المسلحة في مؤسسات الدولة، أو قبول مبدأ أن الدولة وحدها يجب أن تمتلك السلطة لاستخدام القوة.
بالنسبة لهذه الفصائل، ترتبط الأسلحة ليس فقط بالتوازن الداخلي للقوة في العراق، ولكن أيضًا بدور استراتيجي وإقليمي أوسع يمتد خارج حدود العراق، مما يربطها بـ “محور المقاومة” والشبكات الإقليمية التي تم بناؤها على مدى العقدين الماضيين.
هنا يتضح الفرق الأساسي بين النموذج الصدري والفصائل المرتبطة بمحور إيران. يمكن للصدر الاعتماد على قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة حتى في غياب جناح مسلح. بينما تعتمد تلك الفصائل بشكل أكبر على القوة العسكرية كمصدر رئيسي للتأثير والشرعية. ولهذا السبب، فإن قرار الصدر، مهما كانت دوافعه الأساسية، لا يبشر بالضرورة بتحول أوسع عبر المشهد الشيعي. بدلاً من ذلك، قد يكشف عن الفجوة المتسعة بين مشروعين متباينين: أحدهما يسعى لإعادة تموضع نفسه ضمن إطار الدولة، والآخر الذي لا يزال يعتبر الأسلحة ركيزة لا غنى عنها للسلطة.
هل سيفكك الصدر ميليشياته إلى الأبد؟
ومع ذلك، يبقى السؤال: هل نشهد تحولاً استراتيجياً حقيقياً في مسار التيار الصدري، أم مجرد حلقة أخرى في دورة التراجع والعودة التي ميزت تجربة مقتدى الصدر على مدى العقدين الماضيين؟
تبدأ الاختبار الحقيقي للدولة حيث تنتهي خطوة الصدر. قد يتم استيعاب كتائب السلام في مؤسسات الدولة بسبب ارتباطها المباشر بقرار سياسي مركزي. التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع القوات المسلحة التي تعتبر دورها جزءاً من المعادلات الإقليمية التي تمتد خارج حدود العراق. لذلك، سيتم حسم مستقبل مشروع حصر السلاح في الدولة ليس بقرار فصيل واحد، بل بقدرة الدولة على فرض رؤية وطنية موحدة على جميع الفاعلين المسلحين.
ما حدث في مايو 2026 قد يبشر بمرحلة جديدة في مسار الدولة العراقية. وقد يعكس أيضاً إعادة ضبط ذكية من رجل اعتاد على إرباك الأصدقاء والأعداء على حد سواء. العراق، كما هو معروف، لا يمكن فهمه من خلال حدث واحد، كما أن توازناته السياسية المتغيرة لا تحددها إعلان واحد.

