مع تسارع التطورات العسكرية في إيران وعبر المنطقة، يراقب المصريون بقلق متزايد—خائفين من أن تصل التداعيات إلى جيوبهم قبل أي شيء آخر. كل تصعيد إقليمي يحمل تداعيات كبيرة على الأسعار والاقتصاد المصري.
لقد دفعت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تليها ردود إيرانية تستهدف دول الخليج والأردن والعراق، المنطقة إلى حافة مرحلة أكثر اضطرابًا وفتحت الباب أمام سيناريوهات تصعيد مفتوح. يأتي هذا في وقت لم يتعاف فيه اقتصاد مصر بالكامل من تداعيات أحداث 7 أكتوبر 2023، التي عطلت سلاسل الإمداد وأثرت على تدفقات الشحن والتجارة.
قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوم الاثنين إن تداعيات الصراع لا تستثني أحدًا. خلال لقائه مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاى بانجا، كشف أن انخفاض حركة الشحن كلف قناة السويس حوالي 10 مليارات دولار من الخسائر، مما زاد من الضغط على موارد البلاد من العملات الأجنبية.
في يوم الأحد الماضي، أكد السيسي أن “إغلاق مضيق هرمز سيؤثر على تدفقات وأسعار النفط، ويجب على الدولة والحكومة المصرية دراسة جميع السيناريوهات الممكنة.”
كما يحذر الخبراء من أن أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز قد يشعل أسعار الطاقة العالمية ويعطل تدفقات النفط، مع تداعيات مباشرة على البحر الأحمر وقناة السويس—أحد أهم مصادر العملات الأجنبية في مصر.
وقف إمدادات الغاز الإسرائيلية
أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر من حقلي تمار وليفياثان في شرق البحر الأبيض المتوسط، مما أوقف تدفقات تقدر بحوالي 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا.
على الرغم من هذا التطور، تحركت الحكومة المصرية بسرعة لطمأنة الأسواق، مؤكدة أن الإمدادات المحلية لن تتأثر. وأوضحت أن سفن إعادة الغاز التي تعمل منذ العام الماضي كانت تضخ حوالي 2.75 مليار قدم مكعب يوميًا، مما يسمح بشحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال لدعم الإنتاج المحلي وسد أي فجوة محتملة.
أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية عن خطة لإضافة حوالي 20 شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال بدءًا من مارس 2026، مما يوفر أكثر من 2 مليار قدم مكعب يوميًا في خطوة تهدف إلى استقرار السوق وتأمين الطلب.
كانت واردات الغاز الإسرائيلية قد بلغت حوالي 1.05 مليار قدم مكعب يوميًا في فبراير. ويبلغ استهلاك مصر اليومي حوالي 6.2 مليار قدم مكعب، مقارنة بالإنتاج المحلي الذي يبلغ حوالي 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا—مما يبرز أهمية تأمين بدائل بسرعة لتعويض أي نقص في الإمدادات.
اختناقات الطاقة
يعتقد عضو البرلمان والخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد أن مصر تواجه صدمة خارجية جديدة—هذه المرة ناتجة عن اضطرابات في إمدادات الغاز الإقليمية—مما يضع ضغطًا مباشرًا على توازن الطاقة والحساب الجاري، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد يتعامل مع صدمات سابقة تتعلق بسلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التمويل العالمية.
وأوضح فؤاد أن “الأسواق شهدت ارتفاعًا في تكاليف تأمين المخاطر السيادية وتوسع الفجوة بين السعر الفوري للجنيه وسعره الآجل.” ومع ذلك، أشار إلى أن التحركات لا تزال ضمن نطاقات التحوط، دون فقدان واسع النطاق للثقة، إلى جانب تدفقات محدودة من المحافظ.
على الصعيد العالمي، ارتفعت مؤشرات التقلب “لكنها لم تصل إلى مستويات الذعر، ولم تظهر مؤشرات ديون الأسواق الناشئة الصادرة عن JPMorgan Chase انسحابات جماعية”، أضاف فؤاد.
يقول الخبراء إن قدرة مصر على احتواء “الصدمة” ستعتمد على مدى سرعة تأمينها لمصادر الطاقة البديلة، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، ومواصلة التنسيق مع الشركاء الدوليين لضمان تدفقات التمويل الكافية.
قناة السويس
في هذه الأثناء، تظل إيرادات قناة السويس حساسة للغاية لأي تصعيد إقليمي. إن توسع التطورات العسكرية والأمنية يهدد تدفقات العملات الأجنبية في وقت تعتمد فيه مصر بشكل كبير على القناة كمصدر رئيسي للعملة الصعبة.
وحذر الكابتن عمرو قتايا، خبير النقل البحري، من التأثيرات المباشرة على حركة الشحن، موضحًا أن خطوط الشحن العالمية قد بدأت بالفعل في إعادة تقييم طرقها، مع انخفاض ملحوظ في عبور ناقلات النفط والغاز، مما يشير إلى اضطراب أوسع في سلاسل الإمداد البحرية. وأضاف أن تراجع الإيرادات من قناة السويس وموانئ البحر الأحمر يزيد من الضغط على الاقتصاد المحلي، إلى جانب مخاطر نقص بعض المنتجات البترولية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، التي قد ترتفع بنسبة تصل إلى 50% خلال فترات الذروة.
تعكس الأرقام حجم التأثير. وصلت إيرادات قناة السويس إلى حوالي 10.2 مليار دولار في عام 2023 قبل أن تنخفض إلى حوالي 4 مليارات دولار في عام 2024 – بانخفاض يقارب 61% بسبب التوترات الإقليمية، وفقًا لما ذكره رئيس هيئة القناة اللواء أركان حرب أسامة ربيع. في عام 2025، ارتفعت الإيرادات قليلاً إلى حوالي 4.1 مليار دولار لكنها ظلت دون مستويات ما قبل الأزمة.
بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة بعد سريان “اتفاق السلام” في يناير 2025، كانت التوقعات تشير إلى تعافي الإيرادات لتصل إلى نحو 10 مليارات دولار في عام 2026. ومع ذلك، فإن أي تصعيد جديد قد يحطم تلك الآمال ويجدد الضغط على واحدة من أهم الشرايين الاقتصادية في مصر.
السياحة والتدابير الاستثنائية
أدى قطاع السياحة في مصر أداءً قويًا في عام 2025، حيث استقبل حوالي 19 مليون سائح – بمعدل نمو 21% مقارنة بعام 2024. ومع ذلك، فإن “حرب إيران” أثارت مخاوف بشأن استدامة هذا الأداء.
أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يوم الاثنين أن استمرار الحرب قد يجبر الدولة على اتخاذ تدابير استثنائية للسيطرة على الأسعار وضمان توفر السلع الأساسية.
كما أعلنت الحكومة عن خطة طوارئ لمعالجة تداعيات “حرب إيران”، بما في ذلك تأمين العملات الأجنبية. وذكرت أحدث تقارير البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطيات الأجنبية بلغ أكثر من 51 مليار دولار في ديسمبر الماضي.
تلك التطورات قد تعرض التضخم للخطر في جميع أنحاء الشرق الأوسط والعالم، مع ضغط إضافي على أسواق الطاقة والأسواق الدولية، وتأثيرات محتملة قصيرة المدى على السياحة، واضطرابات محدودة محتملة في الصناعات كثيفة الطاقة إذا استمرت انقطاعات إمدادات الغاز.
يعتقد محمد عبد العال، عضو البنك المصري الخليجي وخبير مصرفي، أن السوق المصري يواجه مسارين محتملين: استقرار محدود مع تقلبات متقطعة، أو تصعيد شامل قد يضغط على الجنيه بسبب تدفقات الأموال الساخنة نحو الملاذات الآمنة. وأضاف أن “الاحتياطيات الأجنبية القوية ومرونة سعر الصرف تساعدان في امتصاص الصدمة، بينما قد يُجبر لجنة السياسة النقدية على رفع أسعار الفائدة إذا تفاقم التضخم بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والوقود.”
بين ضغوط الطاقة، وتراجع إيرادات الشحن، ومخاوف السوق، ستكون العوامل الرئيسية المحددة لمسار الاقتصاد المصري في الفترة المقبلة هي الوقت، وحجم التصعيد، وتدابير استجابة الحكومة.

