أدّى سقوط نظام الأسد في سوريا إلى قطع الممر الممتد من إيران عبر سوريا وصولاً إلى لبنان. وأصبح العراق (الواقع بين إيران وسوريا) يمتلك الآن فرصة لتحويل تركيزه نحو تأمين حدوده وتقليص التهديدات الأمنية الداخلية. غير أنّ نجاح هذا المسار يتطلّب من الحكومة العراقية تجاوز عدد من التحديات، وإعادة معايرة دورها الإقليمي، وتحقيق توازن في علاقاتها الخارجية — بما في ذلك مع الولايات المتحدة — بما ينسجم مع متطلبات الأمن القومي العراقي والتطورات الأخيرة في سوريا.
دور سوريا بعد عام 2003
بعد أن أطاحت القوات الأميركية في العراق بصدام حسين عام 2003، حوّل نظام الأسد سوريا فعلياً إلى ساحة تدريب، حيث دخلت الجماعات الإرهابية إلى العراق لتنفيذ أعمال وحشية. وأسهم ذلك بشكل كبير في زعزعة استقرار العراق، كما ساهم نظام الأسد في نهاية المطاف في مقتل آلاف العراقيين. وقد عملت الحكومة العراقية بجدّ لكشف ممارسات نظام الأسد، بما في ذلك إحالة هذه الانتهاكات إلى الأمم المتحدة، عندما بدا رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي عام 2009 وكأنه يتهم نظام الأسد بالوقوف وراء تفجيرين استهدفا مباني حكومية في بغداد، وطالب مبعوث الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تقصّي حقائق للتحقيق في هذه الأعمال الإرهابية.
الشرّ الأقل
غير أنّ موقف الحكومة العراقية تغيّر بعد الانتفاضة السورية عام 2011 وصعود مجموعة من التنظيمات الإرهابية (كان كثير منها نشطاً في العراق) التي سعت إلى إسقاط نظام الأسد. ومن منطلق براغماتي، فضّلت الحكومة العراقية الأسد باعتباره «الشر الأقل»، ورفضت المساهمة في إسقاطه. وبينما لم يكن الأسد قادراً على إلحاق الضرر بالعراق لانشغاله بالتهديد الوجودي الذي واجهه في الحرب الأهلية، لم تتراجع التهديدات القادمة من سوريا. ثم في يونيو/حزيران 2014، بدأ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) هجوماً انطلاقاً من سوريا، فاجتاح محافظة نينوى واحتل ثلث أراضي العراق. واستغرق الأمر ثلاث سنوات من القتال العنيف حتى تمكّن العراق والتحالف الدولي من هزيمة داعش وتحرير المناطق التي سيطر عليها التنظيم.
حدود هشّة
ومع خروج الأسد من المشهد السوري، يجد العراق نفسه مرة أخرى في وضع هشّ. ومن حيث المبدأ، لا يمكن للحكومة العراقية قبول الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع، الذي كان يُعرف باسمه الحركي أبو محمد الجولاني، وأدار لسنوات طويلة عمليات إرهابية مروّعة في العراق وكان مسؤولاً عن مقتل عدد كبير من المدنيين العراقيين الأبرياء. وفي حين يبدو أن معظم الحكومات المعنية في المنطقة (وكثيراً من خارجها) تتجاوز الخلفيات الإرهابية للقيادة السورية الجديدة وتفتح قنوات اتصال معها، لا يستطيع العراق تجاهل المخاطر الأمنية على طول حدوده الممتدة 372 ميلاً مع سوريا. وقد تنشأ هذه الأخطار إمّا نتيجة عداء مباشر من النظام الجديد، أو من المناطق الخارجة عن السيطرة في شمال شرق سوريا، حيث تقف «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة على حافة الانهيار تحت تهديدات تركيا والحكومة السورية الجديدة — وهو انهيار يمكن تفاديه إذا أبدت الولايات المتحدة التزاماً قوياً تجاه الجماعة الكردية. وتدير قوات سوريا الديمقراطية عدداً من معسكرات الاحتجاز، ويُعدّ مخيم الهول الأكثر إثارة للقلق بينها، إذ يضم نحو أربعين ألف محتجز، من بينهم عناصر يُشتبه بانتمائهم إلى داعش، إضافة إلى عائلاتهم ومتعاطفين معهم. والغالبية العظمى منهم عراقيون.
الانخراط مع دمشق
إدراكاً لهذه المخاطر، أرسل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في ديسمبر/كانون الأول الماضي المدير المعيَّن حديثاً لجهاز الاستخبارات الوطنية، حميد الشطري، للقاء الحكومة السورية الجديدة ومناقشة المخاوف الأمنية العراقية. كما أوفدت الحكومة العراقية وزير الخارجية فؤاد حسين لتمثيل العراق في اجتماع 12 يناير/كانون الثاني في السعودية، الذي جمع دول الجوار والشركاء لمناقشة دعم سوريا. ومن خلال هذا الانخراط، نقلت الحكومة العراقية عبء بناء تعاون أمني قائم على حسن النية إلى القيادة السورية الجديدة.
ضغوط متنافسة
سيكون التحدي أمام العراق في الأشهر المقبلة مزدوجاً: فمن جهة، هناك الحدود الطويلة مع سوريا، حيث تنشط عدة جماعات مسلحة معادية من دون أي ردع من الجانب السوري. وسيتعيّن على القوات الأمنية العراقية مضاعفة مواردها ويقظتها للحفاظ على أمن الحدود. وسيتوقف حجم هذا التهديد على ما إذا كانت سوريا تتجه نحو الاستقرار أم نحو التفكك والصراع. ومن جهة أخرى، سيواجه العراق ضغوطاً داخلية كبيرة نتيجة تغيّر الظروف الجيوسياسية. فعلى سبيل المثال، يمثّل سقوط الأسد بداية حقبة جديدة قد تشهد تمدد النفوذ التركي في مناطق كانت تُعد سابقاً ضمن دائرة النفوذ الإيراني. وستتعرض القيادة العراقية لضغط شديد من إيران، التي تسعى إلى تعويض خسارتها الأخيرة في النفوذ، بما في ذلك عبر تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في العراق. وفي الوقت نفسه، سيُطلب من العراق إعادة معايرة علاقاته الثنائية مع الولايات المتحدة. فالوضع الجديد في سوريا سيدفع بغداد وواشنطن إلى إعادة النظر في اتفاق انسحاب القوات الذي تم التوصل إليه مؤخراً، بينما تحاول الحكومة العراقية في الوقت ذاته ضمان أمنها الإقليمي والتعامل مع تدقيق الجماعات المنافسة التي تطالب بالالتزام الصارم بجدول الانسحاب.
موازنة دقيقة
ولاختبار الواقع الجيوسياسي الجديد، قام السوداني بزيارة مهمة إلى إيران في 8 يناير/كانون الثاني، التقى خلالها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وقد أثارت الزيارة تحليلات وتكهنات واسعة بشأن احتمال سعي العراق لإقناع إيران بالموافقة على تأجيل انسحاب القوات الأميركية ونزع سلاح الجماعات المسلحة العراقية المرتبطة بطهران. غير أنّ حساب المرشد الإيراني على منصة X وضع حداً لهذه التكهنات عبر عدة تصريحات مقتضبة. ففي المسألة الأولى، قال إن وجود القوات الأميركية في العراق «غير قانوني ويتعارض مع مصالح الشعب والحكومة». وفي ما يتعلق بالقوات العراقية، أكد أن «قوات الحشد الشعبي تمثل عنصراً أساسياً من عناصر القوة في العراق، وينبغي بذل مزيد من الجهود للحفاظ عليها وتعزيزها»، مضيفاً أن السوداني «شدّد» على ذلك أيضاً. وفي تصريح ثالث، قال إن «كلما كان العراق أكثر تطوراً وأمناً، فإن ذلك سيعود بالفائدة كذلك على الجمهورية الإسلامية الإيرانية». ومهما تكن نتائج المحادثات الثنائية، فقد طغت عليها هذه التصريحات الثلاثة القصيرة.
ويبقى الآن على الحكومة العراقية أن توازن سياساتها الإقليمية مع أخذ الفرص والتحديات التي أفرزها سقوط الأسد بعين الاعتبار الكامل. وفي الوقت ذاته، عليها أن تراعي ليس فقط النظام السياسي الجديد في سوريا، بل أيضاً التحولات في مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين الرئيسيين في مرحلة ما بعد الأسد.

