في الشرق الأوسط، نادراً ما تحدث تغييرات كبيرة حيث يتوقع المحللون ذلك. على مدار العامين الماضيين، كان التركيز منصباً على تحليل علامات التباعد بين الرياض وأبوظبي. ومع ذلك، فإن التحركات الأخيرة لإيران قد دفعت سؤالاً مختلفاً إلى السطح: هل يمكن أن ي revive تهديد خارجي متزايد التماسك داخل كتلة الخليج؟
تشير قراءة متأنية إلى أن هذه الإمكانية ليست بعيدة المنال. تُظهر تاريخ المنطقة أن فترات التصعيد الخارجي غالباً ما تجبر الدول الخليجية على إعادة ترتيب أولوياتها بشكل عملي، وأحياناً ببرود. ما بدا أنه انقسامات متسعة يمكن أن تضيق بسرعة عندما يتغير بيئة الأمن.
لم يكن الاحتكاك السعودي الإماراتي الذي تم مناقشته كثيراً انقساماً وجودياً؛ بل كان، كما استنتج معظم المحللين، تنافساً تكتيكياً على النفوذ والاتجاه والسرعة، وليس انقطاعاً في التوافق الاستراتيجي الأساسي.
على مدار أشهر، كان السرد يركز على التحول الاقتصادي، والأدوار الإقليمية المتباينة، والتنافس في القطاعات الناشئة. لكن المواجهة المتصاعدة مع إيران، سواء من خلال الحروب بالوكالة أو الضربات المباشرة وشبه المباشرة، بدأت تعيد هيكلة هرم الأولويات. الأمن، مرة أخرى، يفرض نفسه في القمة.
في أدبيات العلاقات الدولية، يُعتبر تأثير “التجمع حول العلم” مفهوماً مألوفاً، وهو الميل لدى الدول لتضييق الفجوات الداخلية عندما تواجه تهديداً خارجياً مشتركاً. تُظهر الأبحاث في هذا المجال أن الدول القريبة جغرافياً والتي لديها هياكل أمنية مشابهة، والمعرضة لضغوط من نفس الخصم، غالباً ما، حتى لو كان ذلك مؤقتاً، تُعلق تناقضاتها الداخلية لصالح تنسيق دفاعي أوسع. اليوم، تجد دول الخليج نفسها تقترب من هذه الظروف بالضبط.
توجهات إيران، سواء كانت مباشرة أو من خلال وكلائها الإقليميين، على منشآت النفط الخليجية أو البنية التحتية المدنية ترسل رسالة واضحة لا لبس فيها إلى العواصم الإقليمية: عندما تسعى طهران لإعادة رسم ميزان الردع، فإن التهديد لا يميز بشكل جوهري بين العواصم الخليجية. تظل ذاكرة هجوم أرامكو في عام 2019 حية في الدوائر الاستراتيجية عبر المنطقة، حيث كشفت مدى ترابط شبكات الطاقة الخليجية وسلاسل الإمداد والاستقرار الاقتصادي. كانت تذكيراً صارخاً بأن نقاط ضعف دولة واحدة يمكن أن تتسارع بسرعة عبر جميع دول مجلس التعاون الخليجي.
في هذا السياق، يبدأ ما يصفه خبراء الأمن بـ “مصير أمني مشترك” في التبلور، وهي واقع يصبح فيه الهجوم على جزء من النظام رسالة للجميع، بدلاً من كونه حادثاً معزولاً يمكن احتواؤه ضمن الحدود الوطنية.
تعزز البعد الاقتصادي هذه المنطق بقوة أكبر. يمكن إدارة أو تأجيل المنافسة السياسية، لكن التهديدات لصادرات الطاقة أو الاضطرابات في الممرات البحرية تؤثر على كل دولة خليجية دون استثناء. وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، يمر أكثر من خُمس التجارة العالمية للنفط عبر مضيق هرمز، مما يعني أن أي اضطراب هناك يصبح على الفور حدثاً إقليمياً له تداعيات عالمية. في تلك النقطة، يتحول التنافس الداخلي في الخليج إلى رفاهية مكلفة، ويتحول التركيز بشكل حاسم نحو إدارة المخاطر المشتركة.
لا يمكن تجاهل دور واشنطن في هذه المعادلة. الولايات المتحدة، بغض النظر عن من يشغل البيت الأبيض، لديها مصلحة استراتيجية ثابتة في الحفاظ على هيكل أمني خليجي متماسك في مواجهة إيران. تاريخياً، عندما يرتفع التصعيد الإيراني، تميل واشنطن، غالباً من خلال قنوات دبلوماسية هادئة، إلى تشجيع التقارب الخليجي. من هذا المنظور، فإن التوترات المتزايدة مع طهران لا تقرب فقط الدول الخليجية من بعضها البعض؛ بل تدفع أيضاً حليفها الأمريكي نحو تعزيز تلك الوحدة.
ومع ذلك، فإن الافتراض بأن التهديد الإيراني سيؤدي على الفور إلى حل جميع الخلافات داخل الخليج سيكون تبسيطًا مفرطًا. إن المنافسة الهيكلية بين الرياض وأبوظبي، لا سيما في مجالات الاستثمار واللوجستيات والتكنولوجيا، متجذرة في دوافع تحول اقتصادي عميق لن تتلاشى ببساطة تحت وطأة الضغوط الأمنية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التفكير الاستراتيجي داخل الخليج ليس متماشيًا تمامًا حول كيفية إدارة العلاقات مع إيران: تختلف الدول في مستوى التصعيد المقبول، وأدوات الرد، وحدود الانخراط العسكري. تشير هذه الفجوة إلى أنه بينما قد تتقدم التنسيق الأمني، فإنه لن يترجم بالضرورة إلى توافق سياسي كامل.
تاريخ الخليج نفسه يقدم أدلة وفيرة على أن التنسيق الدفاعي القوي لا يترجم تلقائيًا إلى تكامل سياسي كامل. تظهر التجارب السابقة أن دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تعمق التعاون الأمني بينما لا تزال تحافظ على هوامش واسعة من الاستقلال الاقتصادي والسياسي. لهذا السبب، فإن أي تقارب محتمل في الخليج في مواجهة الضغوط الإيرانية المتزايدة من المرجح أن يكون عمليًا ومدروسًا بدلاً من كونه قفزة عاطفية نحو الوحدة.
إذا استمرت المواجهة في التصاعد، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً هو أن تقوم العواصم الخليجية برفع مستوى التنسيق الدفاعي، وتسريع المشاريع المشتركة للأمن الجوي والبحري، وخفض الخطاب السياسي والإعلامي بين الرياض وأبوظبي، بينما تستمر المنافسة الاقتصادية، وإن كانت بشكل أكثر تميزًا. في الواقع، قد يتحرك الإقليم نحو تحالف ضرورة، وليس تحالف تكامل.
هذا يكشف عن تناقض لافت: من خلال محاولة زيادة الضغط على الخليج، قد تساعد طهران عن غير قصد في توحيد الصفوف داخل نظام إقليمي شهد تباينات داخلية واضحة في السنوات الأخيرة. نادرًا ما تعيد الصدمات الكبرى في الشرق الأوسط رسم خرائط النفوذ؛ بل تعيد ترتيب الأولويات الوطنية. إذا تجاوز التصعيد الإيراني عتبة معينة، فقد تعيد الضرورات الأمنية ترتيب ما كانت المصالح التنافسية قد دفعته بعيدًا.
ومع ذلك، فإن أي تقارب محتمل في الخليج لن يشبه لم الشمل الرومانسي، بل سيكون تحالفًا باردًا ومدروسًا مدفوعًا بالبراغماتية الصارمة. في منطقة اعتادت على المفاجآت الاستراتيجية، أثبتت قاعدة واحدة أنها دائمة بشكل ملحوظ: التهديد المشترك لا يمحو المنافسة، بل يدفعها ببساطة إلى الخلفية، على الأقل حتى تمر العاصفة.

