تعتبر مقاربة دمشق تجاه قوات سوريا الديمقراطية (SDF) خطوة محورية نحو توحيد أراضي سوريا. من خلال دمج التدابير السياسية والعسكرية، قامت الحكومة بتفكيك شرعية قوات سوريا الديمقراطية، وتعزيز السيطرة الحكومية، وتحديد مسار واضح للتكامل، مما أدى إلى عواقب محلية وإقليمية ودولية كبيرة على إعادة إعمار سوريا.
المقدمة
تُعد قضية الوحدة الإقليمية السورية واحدة من أهم أولويات الدولة السورية، التي ورثت جغرافيا مجزأة بعد سنوات من الحرب الأهلية. شكلت قوات سوريا الديمقراطية (SDF) التحدي الأكثر أهمية لجهود إعادة التوحيد، حيث حافظت على هياكل إدارية وعسكرية وأمنية منفصلة عن الدولة السورية منذ عام 2015. علاوة على ذلك، سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على بعض من أكثر المناطق الاستراتيجية أهمية في شمال وشرق سوريا، والتي تحتوي على موارد رئيسية مثل النفط والغاز والقمح، مما منحها درجة كبيرة من الاستقلالية الاقتصادية.
في السنة الأولى بعد تغيير القيادة، اقتربت قوات سوريا الديمقراطية من دمشق كطرف مكافئ – أو حتى كبديل – للحكومة السورية. وأكدت على تضمين جيشها لفصائل سورية متنوعة وقدمت رؤيتها الدستورية الخاصة، مدعية أنها تمثل مطالب “الأقليات السورية”. في هذا السياق، عقدت قوات سوريا الديمقراطية مؤتمراً في الحسكة في أغسطس 2025 بعنوان “توحيد موقف مكونات شمال وشرق سوريا”. كما فتحت صفوفها أمام ضباط النظام السابقين والأشخاص المطلوبين الذين فروا من المنطقة الساحلية. خلال المفاوضات مع دمشق، أصرت قوات سوريا الديمقراطية على بقاء القوات الحكومية خارج المناطق التي تسيطر عليها.
بعد الاشتباكات بين الفصائل القبلية والدروز في محافظة السويداء في يوليو 2025، والتدخل اللاحق للقوات الحكومية، تبنت قوات سوريا الديمقراطية خطاباً تصعيدياً ضد الحكومة السورية. وأكدت وسائل الإعلام والشخصيات السياسية القريبة من قوات سوريا الديمقراطية على صعوبة تفكيك قواتها وأكدت أن أسلحتها ستبقى “للدفاع” عن الأكراد.
اتخذت قوات سوريا الديمقراطية موقفاً متشدداً تجاه الحكومة السورية، خاصة خلال المفاوضات التي استمرت نحو عشرة أشهر حول تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025، الذي نص على دمجها في الدولة السورية. أدى هذا النهج في النهاية إلى مواجهة عسكرية، بدأت بهجمات نفذها عناصر مرتبطون بقوات سوريا الديمقراطية على القوات الحكومية في حلب في أوائل يناير 2026، وانتشرت لاحقاً إلى منطقة الجزيرة، المعقل الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية. نتيجة لذلك، دخلت العلاقات بين الطرفين مرحلة جديدة تجمع بين الضغط العسكري والتفاوض.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل مقاربة دمشق تجاه قوات سوريا الديمقراطية ككيان يطالب بالاستقلال ويرفض إعادة التوحيد الوطني وفقاً لرؤية الحكومة المركزية. كما تسعى لتقييم نتائج ما يقرب من ثلاثة أسابيع من المواجهات العسكرية، وعواقبها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتداعياتها المحتملة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وتأثيراتها المتوقعة على عملية إعادة إعمار الدولة.
أولاً: نتيجة ثلاثة أسابيع من المواجهة العسكرية
تطورت المواجهات الأخيرة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (SDF)، التي استمرت من 7 إلى 21 يناير 2026، على ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، نجحت القوات الحكومية في السيطرة على ثلاثة أحياء في حلب حيث كانت قوات سوريا الديمقراطية منتشرة: الأشرفية، الشيخ مقصود، وبني زيد. بعد ذلك، وسعت القوات الحكومية عملياتها إلى دير حافر وسد تشرين بالقرب من منبج، بهدف القضاء على قوات سوريا الديمقراطية من حلب بالكامل، باستثناء منطقة عين العرب (كوباني)، التي لا تزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
أما المرحلة الثانية، فقد اتخذت شكل انتفاضة قبلية في الرقة ودير الزور ضد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. خلال الأيام الأولى من هذه الانتفاضة، تجنبت القوات الحكومية التدخل المباشر، خاصة في المناطق شرق نهر الفرات، التي كانت لسنوات خط تقسيم بين مناطق النفوذ الأمريكي وبقية الأراضي السورية.
بدأت المرحلة الثالثة بعد أن سيطرت القوات القبلية على كامل محافظتي الرقة ودير الزور. انتقلت القوات الحكومية شرق الفرات وبدأت في السيطرة على المناطق التي تركتها قوات سوريا الديمقراطية ودخلت معبر اليعربية على الحدود العراقية. في الوقت نفسه، شددت الحكومة الحصار حول المناطق المتبقية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، والتي يسكنها مئات الآلاف من الأكراد، بما في ذلك القامشلي، الدرباسية، المالكية وبعض الأحياء في مدينة الحسكة، بالإضافة إلى عين العرب (كوباني) في ريف حلب. ومع ذلك، لم يتم اقتحام هذه المناطق، على ما يبدو لتجنب منح قوات سوريا الديمقراطية فرصة لإثارة الاشتباكات تحت ذريعة الدفاع عن المناطق الكردية. ثم انتقل الجانبان إلى مرحلة من خفض التصعيد دون إعلان وقف إطلاق نار شامل.
تمكنت الحكومة السورية من تأمين مدينة حلب بالكامل من خلال إزالة عناصر قوات سوريا الديمقراطية من الأحياء المرتفعة المطلة على بقية المدينة، مثل الأشرفية. اكتمل هذا العمل الأمني بعد أن سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، التي أُطلقت منها طائرات مسيرة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية لاستهداف أهداف في حلب.
أدى سيطرة الحكومة على الرقة ودير الزور إلى توحيد اتخاذ القرار المتعلق بالأمن تحت سلطة واحدة، مما أغلق الثغرات الأمنية المحتملة التي قد تنشأ عن ضعف التنسيق بين عدة فاعلين أمنيين. علاوة على ذلك، أدى تأمين الحدود السورية-العراقية إلى تقليل عمليات التهريب بشكل كبير، بما في ذلك، في بعض الأحيان، تهريب الأسلحة.
على المستوى السياسي، أدت العمليات العسكرية الأخيرة إلى تقويض شرعية قوات سوريا الديمقراطية. من جهة، انسحب المكون العربي وتماشى مع الحكومة، كما يتضح من الرفض الواضح لسلطة قوات سوريا الديمقراطية بين المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العربية. من جهة أخرى، أظهرت قوات سوريا الديمقراطية استعدادها للتخلي عن إحدى مهامها الرئيسية تحت التحالف الدولي، وهي حماية السجون التي تحتجز أعضاء سابقين أو مشتبه بهم من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). على سبيل المثال، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية من سجن الشدادي في ريف الحسكة دون تنسيق مع قوات التحالف، مما أدى إلى هروب العشرات من المعتقلين، وتم القبض على بعضهم لاحقًا من قبل القوات الحكومية. في 20 يناير 2026، أعلن المبعوث الأمريكي توماس باراك عن انتهاء المهمة الرئيسية لقوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش. يمثل هذا التطور شكلًا من أشكال نزع الشرعية السياسية ويشير إلى تحول في دعم التحالف الدولي بعيدًا عن قوات سوريا الديمقراطية نحو الحكومة السورية، التي تعزز شرعيتها الدولية من خلال جهود مكافحة الإرهاب.
اقتصاديًا، حققت الحكومة السورية مكاسب كبيرة من خلال التوسع الإقليمي واستعادة السيطرة. تشمل هذه المكاسب استعادة مناطق تحتوي على معظم احتياطيات النفط والغاز في سوريا، بالإضافة إلى حقول رئيسية مثل الهول، العمر، كونكو، والتنك. بالمقابل، فقدت قوات سوريا الديمقراطية موارد اقتصادية حيوية، كانت قد مكنتها على مدى نحو أحد عشر عامًا من تعزيز إدارتها الذاتية عبر منطقة تقدر بنحو ربع الأراضي السورية وتمويل النفقات التطوعية داخل صفوفها.
ثانيًا: الآثار المحتملة للتطورات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية
I’m sorry, but it appears that the input body is empty or incomplete. Please provide the full text you would like translated.
تتوقع التطورات الأخيرة بين دمشق و قوات سوريا الديمقراطية (SDF) أن تؤدي، على المدى القصير والمتوسط، إلى عدد من التداعيات التي يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات رئيسية.
على المستوى المحلي، أدت الإنجازات العسكرية للحكومة السورية على حساب قوات سوريا الديمقراطية إلى توليد زخم شعبي متجدد، مشابه لذلك الذي شهدته عندما قادت الحكومة العمليات العسكرية للإطاحة بنظام الأسد.
تلت هذه الإنجازات فترة من الانتقادات المتزايدة للحكومة، خاصة من المجتمعات القبلية العربية، التي اتهمتها بالتساهل المفرط في المفاوضات مع قوات سوريا الديمقراطية على حساب السكان العرب الذين يعيشون تحت سيطرة SDF. ومع ذلك، بعد استيلاء الحكومة على الرقة ودير الزور، سجلت مراكز التجنيد الأمنية والعسكرية زيادة كبيرة في الانضمام من السكان المحليين، مما يعكس ثقة متزايدة من الجمهور في المؤسسات الحكومية.
بعد أن أظهرت قدرتها على كسر تعنت قوات سوريا الديمقراطية وتقويض مشروع “الإدارة الذاتية المستقلة” بشكل كبير من خلال نهج سياسي وعسكري مشترك، من المحتمل أن تكون التوقعات بشأن إنشاء مناطق ذاتية الحكم، التي دعا إليها الفاعلون العلويون والدروز المرتبطون بالسلطات الدينية مثل غزال غزال وحكمت الهجري، الذين شاركوا في مؤتمر المكونات الذي رعته قوات سوريا الديمقراطية في أغسطس 2025، قد تضاءلت.
أدت العمليات العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية إلى تصاعد التوترات داخل بعض الدوائر الكردية السورية، خاصة بسبب دعاية قوات سوريا الديمقراطية التي صورت العمليات على أنها هجمات جماعية على الأكراد. استجابة لذلك، سعت الحكومة السورية إلى خفض التوترات وتقييد قدرة قوات سوريا الديمقراطية على استغلالها من خلال إصدار المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي اعترف بالحقوق الثقافية والمدنية للمكون الكردي في سوريا. ساهم هذا المرسوم في خلق أجواء أكثر إيجابية بين شرائح من القوى السياسية الكردية والمجتمع المدني، التي فسرته، إلى جانب الإجراءات الحكومية التي تسهل عودة الأكراد النازحين إلى المناطق التي غادروها قبل نحو ثماني سنوات، مثل عفرين، كدليل على جدية الحكومة في إعادة بناء الدولة السورية على أسس شاملة.
بالتوازي، عملت الحكومة على تعزيز الطمأنينة العامة من خلال إظهار القلق بشأن العواقب الإنسانية خلال عملياتها العسكرية. فتحت ممرات آمنة للمدنيين لإخلاء مناطق النزاع وقدمت المأوى للسكان النازحين، كما يتضح من إيواء سكان من الأشرفية والشيخ مقصود في ملاجئ في منطقة عفرين، تلاها تسهيل عودتهم بعد انتهاء العمليات. نقلت هذه المقاربة صورة عن التطور المؤسسي المستمر داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، التي تميزت بزيادة السيطرة المركزية وتقليل الانتهاكات خلال العمليات. وهذا يتناقض مع الوضع في محافظة السويداء في منتصف 2025، حيث حدثت انتهاكات بعد دخول فصائل جديدة متكاملة وقوات قبلية غير نظامية.
على المستوى الإقليمي، تمتلك قوات سوريا الديمقراطية امتدادات إقليمية، حيث تحافظ وحدات حماية الشعب (YPG)، المكون الكردي السائد ضمن قوات سوريا الديمقراطية، على روابط أيديولوجية وسياسية مع الأحزاب الكردية في الدول المجاورة، وخاصة العراق وتركيا. يعزز هذا البعد الإقليمي حقيقة أن العديد من قادة الوحدة مرتبطون أصلاً بحزب العمال الكردستاني (PKK). أصبحت هذه الروابط واضحة بعد اندلاع المواجهات مع الحكومة السورية، حيث تدخل الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP)، الذي يحكم إقليم كردستان العراق، لرعاية جهود الوساطة. بالتوازي، شجع كل من حزب العمال الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) تابعيهم على القتال إلى جانب وحدات حماية الشعب، بينما زار وفد من حزب الشعوب الديمقراطي (DEM Party) التركي سوريا.
أدى فقدان وحدات حماية الشعب لعائدات النفط والغاز، التي كانت تُحقق سابقًا من المبيعات إما إلى سوريا أو إلى كيانات داخل إقليم كردستان العراق، إلى تقليل قدرتها على تمويل حزب العمال الكردستاني، الذي استفاد من جزء من هذه الأموال. علاوة على ذلك، أدى سيطرة الحكومة السورية على معظم الحدود العراقية إلى تعطيل التواصل بين معاقل وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني في منطقة سنجار، مما أضعف موقف الحزب وقلل من مساحة المناورة للقادة المعارضين لتسوية سياسية يقودها زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان.
وسعت هذه التطورات إلى توسيع المشاركة الإقليمية، وخاصة تركيا، بسبب المخاوف بشأن أمن الحدود. يتزامن هذا مع محاولات متكررة من قبل الفاعلين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني لربط مصير عملية السلام الداخلية في تركيا، التي بدأت في أوائل 2025، بالتطورات في شمال وشرق سوريا، باستخدام قضية قوات سوريا الديمقراطية كوسيلة ضغط ضد أنقرة.
بالإضافة إلى ذلك، أصبحت حكومة إقليم كردستان (KRG) معنية بالقضية السورية من خلال الاستفادة من علاقاتها مع الولايات المتحدة وانفتاح الحكومة السورية على الوساطة من قبل حزب كردي غير مرتبط بحركة حزب العمال الكردستاني المتشددة. مكن ذلك أربيل من رعاية الوساطة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية واستضافة محادثات شملت باراك وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، مما أسفر عن اتفاق في 18 يناير 2026 تضمن وقف إطلاق النار وأحكامًا تحدد آليات دمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية.
علاوة على ذلك، يبدو أن نشر قوات الحكومة السورية على الحدود العراقية قد أثر، إلى حد ما، على قرار الإطار التنسيقي العراقي المدعوم من إيران بترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء كخيار “صقوري”. يعكس ذلك المخاوف بين الفاعلين الشيعة الإيرانيين والعراقيين بشأن توازن النفوذ المتغير في ظل التغيرات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك تعزيز السيطرة الحكومية السورية تحت قيادة موجهة نحو الإسلاميين مرتبطة بمحور تركي-عربي وتقوية الروابط مع إدارة ترامب. تتعزز هذه المخاوف بشكل أكبر من التأثير المحتمل لمثل هذه التغيرات على الديناميات الداخلية للعراق، خاصة بين القوى السياسية والقبلية السنية التي تم تنظيمها مؤخرًا ضمن المجلس السياسي الوطني.
من المحتمل أيضًا أن يؤدي تآكل قوات سوريا الديمقراطية وفقدانها للغطاء السياسي الأمريكي إلى تقليل اهتمام إسرائيل بالاستثمار في المجموعة، خاصة بعد أشهر من الإشارات غير المباشرة وطلبات قوات سوريا الديمقراطية الصريحة للدعم الإسرائيلي.
على المستوى الدولي، تبعت التداعيات الدولية بسرعة التطورات في شمال شرق سوريا، وأبرزها انخفاض كبير في الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية إلى جانب مؤشرات واضحة على تزايد الثقة في الحكومة السورية. يُعزى هذا التحول إلى سلوك قوات سوريا الديمقراطية خلال المفاوضات، وفشلها في تنفيذ اتفاقيات الدمج التي رعتها الولايات المتحدة، وتقليل التزامها بتأمين مرافق الاحتجاز التي تحتجز مقاتلي داعش.
بدأت القوات الأمريكية بالفعل في نقل محتجزين من داعش إلى العراق، وسط تقارير تفيد بأن واشنطن تفكر في انسحاب عسكري كامل من سوريا. وبالتالي، قد تقتصر الولايات المتحدة على دورها في التنسيق الأمني مع الحكومة السورية من خلال المستشارين، بدلاً من الحفاظ على وجود عسكري مباشر.
كما أن سيطرة الحكومة السورية على معظم البلاد، باستثناء جيب صغير في ريف حلب وشريط ضيق في الحسكة، دفعت روسيا أيضًا إلى إعادة تقييم جدوى الحفاظ على قاعدتها في القامشلي تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وقد بدأت تقارير تفيد بنقل الأفراد من تلك القاعدة إلى قاعدة حميميم الجوية، التي تحت السيطرة الحكومية.
ثالثًا: مستقبل قضية قوات سوريا الديمقراطية وتأثيرها على إعادة بناء الدولة
بناءً على المؤشرات الداخلية والخارجية الحالية، لم يعد من الممكن لقوات سوريا الديمقراطية (SDF) الاستمرار في العمل تحت وضعها الاستثنائي السابق داخل الدولة السورية. لقد فقدت المجموعة أراضٍ شاسعة وشرعية دولية كفاعل في مكافحة الإرهاب، ولا يمكنها الاعتماد إلى أجل غير مسمى على الدعم الكردي عبر الحدود، حيث إن هذه الروابط تجلب أيضًا دعمًا سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا متزايدًا للحكومة السورية من الفاعلين الإقليميين والدوليين المعنيين بأنشطة هذه الأطراف.
تدعم المجتمع الدولي بشكل عام دمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية، بما في ذلك الدول التي تحافظ على علاقات إيجابية نسبيًا مع المجموعة، مثل فرنسا، التي أكدت مؤخرًا على ضرورة دمج الأكراد داخل سوريا.
وبناءً عليه، يبدو أن قوات سوريا الديمقراطية تواجه مفترق طرق حاسم: الدمج في الدولة السورية وفق صيغة مقبولة لجميع الأطراف، سواء من خلال التفاوض أو بعد ضغط عسكري إضافي من شأنه أن يجبر على تقديم تنازلات والتخلي عن المطالب بالإدارة الذاتية القائمة على الهوية العرقية أو اللامركزية.
من المحتمل أن تواصل الحكومة السعي نحو نهج شامل يعترف بخصوصيات مكونات سوريا، كما يتضح من المرسوم رقم 13. قد يشمل ذلك السماح بمشاركة الأكراد في الحكم المحلي في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية سكانية وتكليف أفراد كرد بأداء مهام أمنية، شريطة أن يتم ذلك تحت سلطة الدولة المركزية وألا يؤدي إلى إنشاء هياكل إدارية أو أمنية مستقلة.
من المحتمل أن يتم تكرار الآلية التي تستخدمها الحكومة في معالجة قضية قوات سوريا الديمقراطية، أي السماح بالمشاركة المحلية مع الحفاظ على السلطة المركزية، كنموذج لحل القضايا العالقة الأخرى، مثل الوضع في محافظة السويداء. من هذا المنطلق، قد تؤسس حالة قوات سوريا الديمقراطية إطارًا للحكم الإداري اللامركزي الذي يستوعب المشاركة المحلية دون تقويض وحدة الدولة، مما يعزز الثقة المحلية والدولية في قدرة الحكومة على إدارة البلاد. يعزز هذا النهج تردد الحكومة الواضح في الانخراط في مواجهة مباشرة مع المجتمعات الكردية، وتركزها على حماية المدنيين، وجهودها لإجلاء السكان وفتح الممرات الإنسانية قبل العمليات العسكرية.
الخاتمة
خلال أشهر من المفاوضات، أظهرت الحكومة السورية درجة من المرونة تتماشى مع الحلول السياسية التي تتوسط فيها دولياً، مما عزز هذا النهج من خلال سلوك منضبط خلال العمليات العسكرية في حلب والمساعدات الإنسانية للنازحين الأكراد من الأشرفية وشيخ مقصود. ساهم ذلك في تقديم صورة عن حكومة قادرة على إدارة مجتمع متنوع.
على النقيض من ذلك، أظهرت المشاركة الواسعة للقبائل العربية في الانتفاضة ضد قوات سوريا الديمقراطية في الرقة ودير الزور عدم الرضا الواسع عن حكم المجموعة للمناطق متعددة الأعراق. كما كشفت المواجهات عن تورط قوات سوريا الديمقراطية في انتهاكات ضد السكان العرب، وعمليات قتل خارج نطاق القانون لل detainees السابقين، واحتجاز القاصرين دون روابط بتنظيم الدولة الإسلامية. أثرت هذه العوامل على الموقف الأمريكي وأضعفت الثقة في جدوى استمرار الدعم لقوات سوريا الديمقراطية خارج إطار الدولة السورية.
على الرغم من أن وحدات حماية الشعب تحتفظ بقدر محدود من السيطرة الإقليمية، إلا أنها فقدت فعلياً مظلة قوات سوريا الديمقراطية الأوسع التي كانت تصور نفسها من خلالها كقوة متعددة المكونات. وقد عزز ذلك البعد العرقي لنهج وحدات حماية الشعب، خاصة مع اعتماد قوات سوريا الديمقراطية بشكل متزايد على دعم حزب العمال الكردستاني، بما في ذلك نشر مقاتلين من العراق. ونتيجة لذلك، أكدت وحدات حماية الشعب فعلياً ارتباطها بمنظمة مدرجة دولياً على أنها “إرهابية” بعد سنوات من الإنكار.
أخيراً، تؤكد التطورات الأخيرة على الإجماع بين الفاعلين الدوليين المؤثرين على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، بغض النظر عن الآليات الإدارية التي سيتم اعتمادها في النهاية. يمكن أن يمهد دمج المكون الكردي في الدولة السورية الطريق لمعالجة القضايا المتبقية غير المحلولة، بما في ذلك قضية محافظة السويداء.

