الحياد في هذه اللحظة ليس سياسة، بل هو قرار مؤجل لدفع ثمن أعلى لاحقًا.
يجب على واشنطن أن تتوقف عن التظاهر بالدهشة. عودة هجمات داعش ومقتل الجنود الأمريكيين في سوريا ليست حوادث معزولة؛ بل هي نتيجة مباشرة لسياسة انتقائية تكافئ المتطرفين “المعاد تشكيلهم” بينما تتجاهل أولئك الذين قاتلوا، ونزفوا، جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة.
لا يمكن تأطير انخراط الولايات المتحدة مع أحمد الجولاني كشخصية “رئاسية” أو شريك سياسي محتمل، على الرغم من ماضيه الجهادي، كبراغماتية ذكية. إنها ترسل رسالة خطيرة: أن الماضي المتطرف يمكن محوه بمجرد أن يصبح صاحبه مفيدًا سياسيًا. هذه الرسالة لا تقوض الثقة بين الحلفاء فحسب؛ بل تعيد خلق الظروف التي تسمح للتطرف بالتحول إلى قوة.
في هذه الأثناء، تم ترك قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، العمود الفقري في القتال ضد داعش، خارج المعادلة السياسية. لم يتم منحهم أي اعتراف، ولا ضمانات، ولا أفق سياسي. بدلاً من ذلك، تم التعامل معهم كأداة أمنية مؤقتة، تم إبعادهم في اللحظة التي تجاوزت فيها تكلفتهم السياسية فائدتهم العسكرية.
تدرك واشنطن جيدًا أن قوات سوريا الديمقراطية لم تكن مجرد ميليشيا محلية، بل كانت مشروع استقرار حقيقي في بيئة ممزقة. ومع ذلك، اختارت التضحية بهذا المشروع للحفاظ على توازنها الدقيق مع تركيا، حتى لو كان ذلك يعني إضعاف الشريك الأكثر موثوقية على الأرض.
تستند سياسة الولايات المتحدة في سوريا اليوم إلى إدارة الأزمات، وليس حل النزاعات. تفضل التعامل مع سلطة مركزية “قابلة للتفاوض”، بغض النظر عن ماضيها، على الاستثمار في شريك وفى بكل التزاماته ودفع أعلى ثمن دون شروط. قد يبدو هذا أقل تكلفة على المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية خطيرة على المدى الطويل، بدءًا من تآكل الثقة وانتهاءً بعودة التهديدات التي تم إعلان هزيمتها.
إذا كانت واشنطن تسعى حقًا إلى استقرار مستدام، يجب عليها إعادة تقييم أولوياتها. الاستقرار لا يُبنى من خلال تلميع الشخصيات المعاد تدويرها، بل من خلال دعم القوى التي أثبتت قدرتها على الحكم، والأمن، ومواجهة التطرف دون ابتزاز سياسي.
تقدم التجربة الكردية في العراق درسًا واضحًا: عندما استغل الأكراد احتياجات الولايات المتحدة بشكل براغماتي، دون مطالب متطرفة، تحولوا من عبء إلى شريك. لا تزال هناك فرصة مماثلة في سوريا، لكن الأمر يعود إلى واشنطن لتقرر ما إذا كانت ستتعلم من التاريخ أو تكرر أخطاءها.
في النهاية، تواجه الولايات المتحدة خيارًا واضحًا: شراكات حقيقية مع أولئك الذين قاتلوا إلى جانبها أو ترتيبات مؤقتة مع فاعلين قد تعود أزماتهم السابقة للظهور قريبًا. الحياد في هذه اللحظة ليس سياسة، بل هو قرار مؤجل لدفع ثمن أعلى لاحقًا.

