إن نشر الأصول العسكرية الإقليمية تحت ذريعة الردع الدفاعي يبرز تحولًا عميقًا في التوجهات الأمنية التقليدية عبر الشرق الأوسط. تكشف إعادة الحسابات الاستراتيجية بشأن القوات المصرية في الإمارات عن تحول متعمد بعيدًا عن العزلة التاريخية نحو تكامل أمني خليجي عالي المخاطر، مما يوازن بين البقاء الاقتصادي العاجل والمخاطر الجيوسياسية الشديدة. في نهاية المطاف، فإن الوجود السري للقوات المصرية في الإمارات يضع القاهرة عند مفترق طرق حرج حيث يمكن أن يؤدي التعاون الإقليمي التكتيكي عن غير قصد إلى انخراط مباشر في مواجهة أوسع متعددة الجبهات.
القوات المصرية في الإمارات تواجه تدقيقًا داخليًا
يثير وجود القوات المصرية في الإمارات، في ظل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تساؤلات جدية بين الجمهور المصري حول المهام والأهداف، والمكاسب والخسائر، والمخاطر المحتملة للانخراط في حرب يقول المصريون إنها لا تتعلق بهم.
قد تتفاقم الشكوك والجدل بسبب الكشف عن أن مصر أرسلت أنظمة دفاع جوي متقدمة ومشغليها إلى الإمارات والسعودية والكويت خلال الحرب، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال.
يمثل هذا القرار، الذي اتخذ سرًا ودون موافقة برلمانية، تحولًا استراتيجيًا في عقيدة الجيش المصري وموقف القاهرة الرافض للانخراط في أي حرب خارج حدودها. وقد يكون له تداعيات مستقبلية على الأمن القومي المصري.
تنص المادة 152 من الدستور المصري على أن رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، “لا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، إلا بعد التشاور مع المجلس الوطني للدفاع والحصول على موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين.”
مصدر الصورة: atalayar.com
كيف تغير القوات المصرية في الإمارات السياسة
على مدى أكثر من عقد، كانت سياسة “مسافة السكك الحديدية” التي استشهد بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للتعبير عن دعمه لدول الخليج، دون أي إجراء ملموس، مصدر سخرية وإحراج سياسي للنظام المصري، الذي تلقى دعماً سخياً من الخليج منذ انقلاب 3 يوليو 2013. كان البراغماتية شعار السيسي، وهو جنرال معروف بمكره ودهائه.
لقد سعى باستمرار للحصول على الدعم والتمويل من العواصم الخليجية، بل طلب ذلك صراحة قبل عدة سنوات في تسريب صوتي بثته قناة مكملين المعارضة (التي تبث من الخارج). في التسجيل المسرب، قال: “نحتاج إلى 10 مليارات لتودع في حساب الجيش. نريد نفس المبلغ من الإمارات والكويت”، مضيفاً: “المال مثل الأرز بالنسبة لهم (دول الخليج)”، كما وصفه. تقوم القوة المصرية بمهمات محدودة ودفاعية، بما في ذلك تأمين مناطق معينة، وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وتعزيز القدرات التشغيلية، وتدريب الأفراد الخليجيين. كما تعمل كعامل ردع لطهران، وفي الوقت نفسه، كرسالة طمأنة للخليج بأن مصر ستفي بوعودها.
لا تزال حجم القوة المصرية المنتشرة في الإمارات، وتسليحها، وأماكن انتشارها غير معروفة. وقد وصفت البيان الرسمي الإماراتي بأنها “فصيلة” (تتكون من طواقم حوالي ثمانية طائرات رافال المقاتلة)، مما يشير إلى حجمها المحدود. كما لم تكشف القاهرة عن هويات الدول الخليجية الأربع التي تتواجد فيها القوات والمعدات المصرية، كما كشفت الجزيرة.
تعتبر القاهرة وجود القوات المصرية في الإمارات ودول الخليج الأخرى بمثابة تمهيد لتنسيق عربي مشترك أكبر وإيماءة حسن نية نحو إنشاء قوة عربية مشتركة، وبالتالي منع الأمن في المنطقة من أن يكون رهينة لأي استفزازات إيرانية أو إسرائيلية.
استغلال القوات المصرية في الإمارات
دعا مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير فوزي الأشماوي، بشكل صريح إلى إلغاء ديون مصر، أو على الأقل جزء منها، في محاولة للاستفادة من وجود القوات المصرية في أربع دول خليجية منذ بداية الحرب. في منشور على صفحته الشخصية على فيسبوك، ذكر أن “المنطق والعدالة يقتضيان النظر الجاد في إلغاء جزء كبير من ديون مصر”، مشيرًا إلى أن “هذه الدعوة لا تحمل أي تلميح لنشاط مرتزق أو ابتزاز؛ بل تنبع من طبيعة وأسس العلاقات الدولية، التي تعتمد على تبادل المصالح وتقاسم الأعباء” (رابط المنشور: https://h1.nu/1v9n1).
عاد الأشماوي إلى القضية، مجددًا دعوته أبوظبي لمقابلة دعم مصر، حيث ذكر في منشور ثانٍ: “المنطق والعدالة يقتضيان أن تأخذ الإمارات بعين الاعتبار المصالح الحيوية لمصر فيما يتعلق بمياه النيل ووحدة واستقرار السودان وليبيا.” اقترح المعارضون أن قرار السيسي كان خطوة استباقية وتكتيكًا استراتيجيًا لاستباق مطالبته بالبقاء في السلطة في مصر لفترة رئاسية رابعة، تمتد حتى عام 2036. وهذا يتطلب تعديلًا دستوريًا، ودعمًا سياسيًا واقتصاديًا من الخليج، وترتيبات مع واشنطن، التي ستستقبل بلا شك هذه الخطوة من حليف ترامب المقرب وقد تؤمن طموحه قبل مغادرة الرئيس الأمريكي البيت الأبيض في أوائل عام 2029.
المصدر: وام
القوات المصرية في الإمارات تعزز الردع الإقليمي
ومع ذلك، اتخذ المحلل السياسي محمد جمعة نهجًا مختلفًا في مقابلته مع “ميدل إيست مونيتور”، حيث ذكر أن الغرض من وجود القوات المصرية في الإمارات هو إرسال رسالة ردع لأي شخص يفكر في الانفصال أو الانفصال عن إماراتها السبع، خاصة بعد انتشار شائعات حول احتمال انفصال الشارقة عن الإمارات. إن وجود إسرائيل في منطقة الخليج له أهمية خاصة، خاصة بعد الكشف عن أنها زودت الخليج بنظام دفاع جوي مشابه للقبة الحديدية، بالإضافة إلى طواقم إسرائيلية لتشغيله، وفقًا لما ذكرته “أكسيوس”.
المخاطر التي تواجه القوات المصرية في بيئة الإمارات
بينما من المتوقع أن تحقق مكاسب من قرار السيسي، يحذر المراقبون من جر مصر، كقوة إقليمية، إلى حرب متجددة. ويتساءلون عن رد الفعل المصري في حال استهدفت الصواريخ الإيرانية القوات المصرية المتمركزة في أربع دول خليجية.
تتفاقم هذه المخاطر بسبب حقيقة أن مشاركة الإمارات في الحرب، سواء كانت سرية أو علنية، وتلقيها الدعم العسكري الإسرائيلي، قد يكون له تداعيات معقدة. وهذا صحيح بشكل خاص إذا طلبت واشنطن أو أبوظبي مشاركة القاهرة في العمليات. ومن الجدير بالذكر أن إيران لا تعتبر مصر طرفًا في العمليات الهجومية ضدها، وتوجد اتصالات رفيعة المستوى بين البلدين لمنع التصعيد. ومع ذلك، فإن المشاركة في ما قد تعتبره طهران أعمالًا عدائية قد تعرض مصر لمخاطر كبيرة.

