جنيف – تشير المفاوضات الدبلوماسية الجارية في سويسرا إلى إمكانية حدوث انفراج في الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الدول العربية الخليجية تواجه مخاطر رقمية شديدة مع توسع طهران في حملتها الضاغطة تجاه الشبكات البحرية للألياف الضوئية. يحذر المسؤولون الأمنيون من أن هذه المخاطر الرقمية الناشئة تهدد بتعطيل البنية التحتية السحابية الحيوية وممرات البيانات الدولية عبر مضيق هرمز، مما يحول نقطة الاختناق التقليدية للطاقة إلى تهديد واسع ضد خطط الانتقال الاقتصادي الإقليمي.
المخاطر الرقمية تهدد البنية التحتية الخليجية
يبدو أن الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران يتجه نحو التهدئة، مع استمرار المحادثات في سويسرا. ومع ذلك، تبقى بعض تهديدات طهران خلال الحرب، التي تتجاوز مجرد استهداف طرق الشحن أو تعطيل تدفقات الطاقة، مصدر قلق. ومن الجدير بالذكر أنه خلال الحرب، وسعت إيران حملتها الضاغطة لتشمل البنية التحتية الرقمية في المنطقة.
أعلن رئيس مقر خاتم الأنبياء للقوات المسلحة الإيرانية، إبراهيم زولفقاري، في مايو أن إيران ستفرض غرامات على كابلات الإنترنت البحرية. بالإضافة إلى ذلك، دعت وسائل الإعلام المرتبطة بحرس الثورة الإسلامية، مثل تسنيم وفارس نيوز، إلى اتخاذ خطوات لتوليد الإيرادات من كابلات الإنترنت البحرية، مثل من خلال التراخيص والرسوم، وربما تقييد هذه الكابلات في المنطقة. يمكن أن تعود هذه النقلة في النهج من طهران نحو استراتيجية هجينة قائمة على الضغط في المضيق إذا استؤنفت الأعمال العدائية وتعثرت المحادثات، مما يحول الممر المائي من مجرد نقطة اختناق للطاقة إلى عقبة أمام الاقتصاد الرقمي الإقليمي.

التنقل بين المخاطر الرقمية في البحار
من نقطة اختناق الطاقة إلى الضغط الهجين
في أبريل، وصف المنتدى الاقتصادي العالمي أزمة الشحن في مضيق هرمز بأنها أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ أسواق النفط. وتأثيرها واضح حتى في تراجع صادرات السلع غير النفطية، بما في ذلك الكبريت والميثانول والألمنيوم.
في الوقت نفسه، حدثت أكثر من مليون حادثة تشويش على نظام تحديد المواقع العالمي منذ بداية الحرب – 98% منها في الخليج. وأشار توماس ويذينغتون، من المعهد الملكي البريطاني، إلى أن إيران ودول الخليج الأخرى وكذلك الولايات المتحدة تقوم بذلك.
ومع ذلك، أشار إلى أن طهران قد أتقنت تقنيات التشويش، حيث اشترت معدات من روسيا ووسعت قدراتها المحلية. بالإضافة إلى ذلك، قالت ميشيل بوكمان، محللة استخبارات بحرية رفيعة في ويندوارد، إن الناقلات الإيرانية قامت بممارسات شحن خادعة، حيث قامت بتزوير مواقعها والإبحار في “الظلام” مع إيقاف أنظمة التعريف التلقائي الخاصة بها. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أيضًا أن السفن التي تعمل بالقرب من المضيق تعرضت لـ “تزييف نظام تحديد المواقع العالمي”، وهي تكتيكات احتيالية تستخدمها الدول لتعطيل الملاحة إلى وجهاتها الأصلية المخطط لها.

استهداف المخاطر الرقمية تحت البحر
أصدر النظام الإيراني تحذيرات رسمية بأن الكابلات البحرية تمثل جانبًا متقلبًا من الاقتصاد الرقمي الإقليمي. إذا انهارت جهود السلام واستؤنف النزاع العسكري، يمكن استغلال هذه الثغرات الإقليمية مع زيادة احتمال وقوع هجمات، مما يستدعي اهتمامًا فوريًا من صانعي السياسات في الخليج. خلال الحرب، نشرت وكالة تسنيم الإخبارية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني مقالًا يحدد كابلات الإنترنت تحت البحر كنقاط ضغط استراتيجية، وذلك بعد أشهر قليلة من قيام إيران بشن ضربات بطائرات مسيرة على مراكز بيانات أمازون في الإمارات العربية المتحدة والبحرين.
المخاطر الرقمية تهدد اقتصاد البيانات
بالنسبة لصانعي السياسات وأصحاب المصلحة في الأمن البحري للاقتصادات الرقمية في المنطقة، فإن هذا يشكل تهديدات متعددة. أولاً، تراجعت الرؤية البحرية في خليج عمان ومضيق هرمز خلال النزاع، حيث تأثرت ما يصل إلى 470 سفينة بتشويش نظام تحديد المواقع العالمي بحلول أوائل مايو. كما أن الكابلات تحت البحر، التي تحمل في جميع أنحاء العالم حوالي 99% من حركة الإنترنت العالمية، مهددة أيضًا، بما في ذلك كابلات الألياف الضوئية والكابلات الكهربائية الحيوية لشبكات السحاب، وخدمات التجارة الإلكترونية، والمعاملات عبر الإنترنت – والتي تعتبر ضرورية لدول الخليج العربية التي تعمل على الانتقال إلى اقتصادات ما بعد النفط.
على مر السنين، استثمرت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مليارات الدولارات في رقمنة اقتصاداتها وبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي. تخطط الرياض لاستثمار عشرات المليارات من الدولارات في بنيتها التحتية للبيانات كجزء من رؤية 2030. إن زيادة التوترات بين طهران وأبوظبي، التي يمكن أن تتجدد إذا استؤنفت الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة، ترفع من احتمالية الهجمات على الكابلات البحرية الرئيسية، بما في ذلك شبكة FLAG Alcatel-Lucent الضوئية التي تمتد على 7,000 ميل وتربط الإمارات العربية المتحدة بالمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والسودان ومصر والعراق واليمن والهند وجزر المالديف وسريلانكا، بالإضافة إلى كابل Asia Africa Europe-1 الذي يمتد على 15,500 ميل ويربط مضيق هرمز بمياه الخليج.

التخفيف من المخاطر الرقمية عبر المحيطات
الحاجة إلى استراتيجيات أمنية شاملة ومتطورة
تشكل التهديدات التي تتعرض لها الكابلات البحرية من إيران تحديات واضحة لاستراتيجيات الأمن لدول الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، التي تأثرت جميعها بشكل مباشر بالقصف الإيراني السابق. إن الأطر الحالية للحكم البحري تقتصر على حماية حركة ناقلات النفط وحرية الشحن وليس البنية التحتية الرقمية.
على سبيل المثال، ركزت الإمارات العربية المتحدة على إعادة توجيه ناقلات النفط الخاصة بها وسط الأزمة عبر موانئ الفجيرة وخورفكان. ولم تعتمد بعد تدابير أو خطط طوارئ لحماية بنيتها التحتية الرقمية تحت الماء. في الوقت نفسه، هناك محاولات من أبوظبي والرياض وحكومات إقليمية أخرى لبدء طرق برية جديدة بما في ذلك SilkLink الذي يمتد على 2,800 ميل مع سوريا والاتصالات مع الأردن ولبنان وتركيا. وبالمثل، أكدت المملكة العربية السعودية نهجها في إدارة الأزمات خلال الدورة 111 للجنة سلامة الملاحة البحرية في المنظمة البحرية الدولية في مايو من خلال دعم الالتزامات الدولية لضمان استدامة سلاسل الإمداد، ومعالجة رفاهية البحارة، وتفعيل طرق بديلة.
ومع ذلك، تحتاج العمليات الحالية للردع البحري السعودي والإماراتي إلى التطور والتوسع لمواجهة التهديد الوجودي من طهران للاقتصاد الرقمي في الخليج. إن غياب آليات الحماية الإقليمية لمواجهة هذا التهديد قد دفع دولاً مثل قطر إلى اتخاذ تدابير أحادية الجانب، بما في ذلك بناء كابلات إضافية عبر شركة Ooredoo المملوكة للدولة.
ومع ذلك، فإن الطبيعة المتكاملة للكابلات البحرية للاقتصادات الرقمية لدول الخليج العربي تتطلب نهجاً متكاملاً وشاملاً. إن مثل هذه النهوج، التي تدمج الأمن البحري مع حماية البنية التحتية، تعتبر حاسمة لتدفق البيانات بلا قيود والمرونة الرقمية. إن الأخذ بعين الاعتبار الثغرات الناشئة من تهديدات إيران، التي يمكن استغلالها في المستقبل إذا استؤنف النزاع، سيساعد في معالجة هذا التحدي الأمني الهجين.

