إن الانهيار النظامي للضمانات الأمنية التقليدية يجبر القوى المتوسطة على تشكيل شراكات استراتيجية متخصصة ومستقلة للغاية.
إن اتساع نطاق الصراع الهيكلي يوضح أن تعميق التعاون بين أوروبا والخليج يوفر وزنًا مضادًا حيويًا للضغوط الأحادية من القوى العظمى العالمية. من خلال تأمين الاتصال بالبنية التحتية على المدى الطويل وتزامن الدفاع، فإن هذا التعاون المتعمد بين أوروبا والخليج يعمل كآلية استقرار لا غنى عنها للتجارة عبر الأطلسي والأوراسية.
التعاون بين أوروبا والخليج
إن العديد من أنقاض المعابد التي تملأ هذه المنطقة تذكرنا بأنه في الأساطير اليونانية القديمة، كان البشر خاضعين لأهواء الآلهة المتقلبة. كان زيوس، وهيرا، وأبولو، وغيرهم يفعلون ما يشاءون، تاركين الآخرين ليعانوا من العواقب. اليوم، القوى المزعزعة الكبرى التي تشكل العالم ليست آلهة أوليمبية بل الجغرافيا السياسية—العمل العسكري الأمريكي في إيران، هجمات طهران على دول الخليج، إغلاق مضيق هرمز، والحرب المستمرة لروسيا على أوكرانيا.
لكن القادة العالميين الذين اجتمعوا هنا في كوستا نافارين، اليونان، من أجل المنتدى الأوروبي الخليجي الافتتاحي في عطلة نهاية الأسبوع الماضية ليسوا بلا حول ولا قوة أمام هذه القوى. إنهم يتكيفون ويتخذون إجراءات—معترفًا بشكل متزايد بالإمكانات غير المستغلة للتعاون الاستراتيجي المعزز مع بعضهم البعض.
استضافته مجموعة أنتينّا، بالشراكة مع المجلس الأطلسي، يعد المنتدى الأوروبي الخليجي استجابة لمشكلة بسيطة إلى حد ما: بينما تحافظ أوروبا والخليج على روابط ذات مغزى عبر عدد من القطاعات والمجالات السياسية المحددة، من المحتمل أن تكون الدول في هذه المناطق أكثر نجاحًا إذا سعت إلى استغلال مزاياها النسبية بشكل أفضل ومعالجة التحديات الجيوسياسية والجيو اقتصادية الناشئة بشكل مشترك. نحو هذا الهدف، جمع المنتدى الأوروبي الخليجي أكثر من عشرين رئيس وزراء ورؤساء دول وصانعي سياسات كبار لمناقشات خاصة وصريحة حول التحديات التي يواجهونها.

تعزيز التعاون الاستراتيجي بين أوروبا والخليج
من بين الحضور من أوروبا كانت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، ورئيس فنلندا ألكسندر ستوب، ونائب رئيس وزراء بريطانيا ديفيد لامي. ومن بين الحضور من الخليج كان رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، ورئيس وزراء الكويت الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، ووزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير، والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي.
كان هناك أيضًا رئيس صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد. (انظر قائمة كاملة بالمشاركين هنا.) كانت الاجتماعات غير رسمية، لذا لن نشارك ما قيل فيها. لكن كان من الواضح منذ بداية المنتدى أن هناك شغفًا لدى هؤلاء القادة ليس فقط للتحدث مع بعضهم البعض كمجموعة في إطار خاص، ولكن أيضًا لتحديد مجالات العمل الفوري.
التنقل عبر الأزمات من خلال التعاون بين أوروبا والخليج
تغير الحرب في إيران بشكل جذري المشهد الجيوسياسي والجيو اقتصادي والأمني في الشرق الأوسط. لقد أطلقت إيران آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ على دول الخليج، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية الحيوية وسقوط أرواح بريئة. وقد أغلقت مضيق هرمز، مما أدى إلى حدوث صدمة في إمدادات الطاقة العالمية ستزداد سوءًا إذا استمرت حتى الصيف.
وفي الوقت نفسه في أوروبا، تواصل روسيا حربها على أوكرانيا، وتزداد التوغلات بالطائرات المسيرة على الجناح الشرقي لحلف الناتو بشكل متكرر، وتكافح الدول الأوروبية لاستبدال التخفيضات في واردات النفط والغاز الروسي بمصادر أخرى. كانت أمن الطاقة والدفاع في صميم المنتدى، لكنها لم تكن القضايا الوحيدة التي تشغل بال القادة. كانت سلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي، والاتصال مواضيع متكررة تثير اهتمامًا عبر المناطق حول كيفية تحسين التعاون. الاجتماعات الثنائية العديدة التي جرت بين المناقشات الجماعية تشهد على رغبة القادة في التعمق في التفاصيل والتحرك بسرعة لتحقيق أهدافهم المشتركة وتأمين شراكات ملموسة.

التعاون بين أوروبا والخليج يحمي القوى
أخيرًا، من الجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ التقيا في بكين في نفس الوقت تقريبًا الذي بدأ فيه منتدى الخليج الأوروبي. بينما تسعى الولايات المتحدة والصين، وهما عملاقان جيوسياسيان، إلى تنفيذ سياسات أكثر تعاملية ومصلحة ذاتية، تظل هناك تساؤلات مفتوحة حول ما يعنيه ذلك للقوى المتوسطة مثل تلك الموجودة في أوروبا والخليج، التي تعتمد غالبًا على التعاون والتعددية لتعزيز نفوذها وتوسيع فرصها.
إذًا، إلى أين تتجه هذه الجهود من هنا؟ في السنة التي تسبق منتدى الخليج الأوروبي المقبل، سيكون من المهم مراقبة ما إذا كانت الأفكار التي تم تأسيسها بالفعل ولكنها لا تزال ناشئة، مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي، ستتوسع في الأشهر القادمة. كما يجب متابعة ظهور مشاريع جديدة تمامًا، بدءًا من التعاون في التكنولوجيا المتطورة إلى توسيع مشاريع مرونة الطاقة.
إعادة تشكيل الأنظمة من خلال التعاون بين أوروبا والخليج
إذا كانت ناجحة، فإن الآثار المجمعة لمثل هذا التعاون يصعب المبالغة فيها. إنها تمثل إعادة هيكلة أساسية للعلاقة بين أوروبا والخليج تجعل كلا المنطقتين أكثر أمانًا وازدهارًا. قد تكون هذه التعاونات قد ظهرت في النهاية في غياب النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط، ربما. لكن الأزمات الحالية تسرع هذه الدفعة إلى الأمام من قبل القادة الأوروبيين والخليجيين بطرق بدأت فقط في الظهور ولكنها تستحق المراقبة.

