لقد قلبت الولايات المتحدة المحادثات مع إيران رأسًا على عقب. ما يحدث الآن لا يبدو كأنه مفاوضات جدية. بل يبدو أكثر كوسيلة لكسب الوقت والاستعداد لمرحلة أكثر خطورة. ولهذا السبب، هناك سؤالان مهمان: لماذا لن تنجح حرب ترامب على إيران، ولماذا سيكون خيارًا خطيرًا بالنسبة لواشنطن؟ الجواب بسيط. المطالب التي تضعها واشنطن على الطاولة مصممة لتُرفض، ولأن أي عمل عسكري، إذا حدث، سيكشف حدود القوة، ومنطق الإرهاق، وغياب هدف واضح أو قابل للتحقيق.
تصعيد تحت حديث “الاتفاق”
تستمر كل الأحاديث حول اتفاق، وفجوات، وثغرات في الدوران في حلقات مفرغة. على الأرض، تتحرك الولايات المتحدة في اتجاه مختلف تمامًا: إنها ترفع السقف بطريقة تدمر المحادثات من الداخل وتدفع الأمور نحو التصعيد.
شروط تجعل التسوية مستحيلة
تقول واشنطن الآن إنها لديها شروط واضحة. في الواقع، هذه الشروط تجعل أي تسوية شبه مستحيلة. الطلب الأول هو أن تسلم إيران كل اليورانيوم المخصب مباشرة إلى الولايات المتحدة. ليس إلى دولة ثالثة، وليس من خلال آلية دولية، وليس من خلال تخفيضات تدريجية. فقط تسليمه إلى واشنطن. هذا ليس من أجل إنتاج اتفاق متوازن. بل هو من أجل إذلال دولة وإجبارها على التخلي عن جزء حساس للغاية من سيادتها.
تفكيك والواقع تحت الأرض
الطلب الثاني أوضح حتى: تفكيك المنشآت النووية الإيرانية وتدميرها بالكامل، بما في ذلك المواقع الرئيسية مثل أصفهان، نطنز، وفوردو، بالإضافة إلى المنشآت تحت الأرض المخفية في الجبال. المفارقة هي أن واشنطن وحلفاءها ليس لديهم يقين كامل حول ما حققته الضربات السابقة (حرب الـ12 يومًا، يونيو 2025) داخل هذه المنشآت العميقة. لذا، يبدو أن الطلب بالتفكيك والتدمير هو غطاء سياسي للواقع البسيط المتمثل في أن ما يكمن تحت الأرض ليس سهل الوصول إليه.
غموض العقوبات وشروط “إلى الأبد”
فيما يتعلق بالعقوبات، لا تقدم الولايات المتحدة مسارًا واضحًا. الحديث يدور حول رفع مجموعة محدودة من العقوبات المفروضة مؤخرًا، مع الإبقاء على العقوبات الرئيسية سارية تحت “اختبار” طويل. هل استسلمت إيران حقًا، أم أنها تقدم تنازلات رمزية فقط؟ ثم تأتي أخطر شرط على الإطلاق: يجب أن يكون الاتفاق دائمًا، ويجب على إيران أن توقف التخصيب تمامًا، ويجب أن يستمر ذلك إلى الأبد. هذه ليست شروطًا لاتفاق عادل. إنها شروط استسلام.
التعزيز، المراقبة، وإشارة ما قبل الحرب
لهذا السبب، تبدو هذه الجولة أكثر كأنها الجولة التي تسبق الحرب. لا يزال التعزيز العسكري الأمريكي في المنطقة يتوسع، ويتواصل تدفق الطائرات، وأنظمة الدفاع، والأصول البحرية. الجميع يراقب الجميع عبر الأقمار الصناعية. يكاد لا يمكن إخفاء أي شيء. الرسالة الحقيقية ليست في البيانات الصحفية. إنها في التحركات التي تخلق واقعًا جديدًا وتجعل التصعيد يبدو أقرب من التسوية.
الإجابة المفقودة: ما هي الأهداف؟
لكن إذا حدثت ضربة، فستكون مليئة بالمخاطر. حتى في وسائل الإعلام الأمريكية، يتكرر سؤال واحد: ما هي أهداف ترامب بالضبط؟ هل يريد ضربة محدودة لإجبار إيران على تقديم تنازلات سريعة؟ هل يريد حملة أوسع للإطاحة بالنظام؟ أم أنه يريد ببساطة أن يعلن أنه “دمر” البرنامج النووي دون أن يكون قادرًا على إثبات ذلك؟ المشكلة هي أن هذه الأهداف تتعارض مع بعضها البعض، وكل واحدة تتطلب أدوات مختلفة، وتكاليف مختلفة، وجداول زمنية مختلفة.
مشكلة الوقت والذخائر
الوقت جزء من المشكلة أيضًا. تشير بعض التقديرات إلى أن القدرة على الحفاظ على عمليات مكثفة مع المستوى الحالي من القوات قد تكون محدودة. وهذا يتصل بالتحذيرات بشأن نفاد الدفاعات الجوية واستنزاف الذخائر المتقدمة / المكلفة في حملة لا تضمن النتائج. بعبارة أخرى، إذا بدأت الحرب، فقد تتحول بسرعة إلى حرب استنزاف. إنها بالضبط نوع القتال الذي لا تريده واشنطن.
ضربات الصواريخ واستنزاف الدفاعات
إذا كانت إيران قادرة على إطلاق موجات كبيرة من الصواريخ الباليستية، فإنها يمكن أن تستنزف المخزونات الدفاعية على السفن الأمريكية وفي القواعد الأمريكية في المنطقة بسرعة. ثم يأتي السؤال المحرج: كيف تستمر الولايات المتحدة في القتال؟ وكيف تتوقف دون أن تبدو وكأنها انسحبت تحت النيران؟ إذا استمرت إيران في إطلاق النار بينما تنسحب الولايات المتحدة، فإن الصورة داخل أمريكا ستكون مكلفة سياسيًا.
رواية “دفاعًا عن إسرائيل”
لهذا السبب، قد تبحث الإدارة، بناءً على ما يتم مناقشته في واشنطن، عن طريقة لبيع الحرب في الداخل. إحدى الأفكار هي أن تقوم إسرائيل بشن الضربة الأولى، ثم تتدخل الولايات المتحدة لاحقًا تحت شعار “دفاعًا عن إسرائيل”. هذا يجعل من الأسهل تبرير التدخل في واشنطن، لأن النقاد سيواجهون شعارًا جاهزًا: نحن ندافع عن حليف.
لكن على الأرض، من الصعب فصل من يبدأ ومن ينضم. تعمل القوات الأمريكية والإسرائيلية في نفس البيئة وبطرق متداخلة. الفرق الحقيقي ليس في السماء. إنه في القصة التي تريد واشنطن أن ترويها لجمهورها.
حدود الضربات الجوية
حتى إذا حدثت ضربة، يبقى السؤال الرئيسي: هل يمكن أن تحقق الضربات الجوية الأهداف الكبيرة بمفردها؟ يقول العديد من المحللين إن ضرب المنشآت يصبح مثل لعبة مطاردة هدف متحرك. تدمر موقعًا واحدًا، يتم إعادة بنائه. تضرب منشأة سطحية تم إفراغها مسبقًا. يتم نقل المعدات والمواد إلى مكان آخر. أما بالنسبة للمنشآت المدفونة في أعماق الجبال، فإنها تظل مشكلة كبيرة. الوصول إليها غير مضمون، والصور وحدها لا يمكن أن تثبت التدمير الكامل.
المعرفة لا يمكن قصفها
الأهم من ذلك، أن البرنامج النووي ليس مجرد خرسانة وفولاذ. إنه معرفة، وتكنولوجيا، وخبرة، وقاعدة صناعية. حتى إذا تضرر جزء منه، يمكن لإيران إصلاحه مع مرور الوقت. لذلك، تبدو الادعاءات بـ “التدمير الكامل” أكثر كرسائل سياسية منها كواقع يمكن التحقق منه.
الصواريخ: قدرة قابلة لإعادة البناء
برنامج الصواريخ هو تحدٍ أكبر. تنتج إيران الصواريخ بأعداد كبيرة ولديها القاعدة الصناعية والعلمية لإعادة بناء مخزونها بعد أي مواجهة. حتى إذا ضربت الولايات المتحدة بعض خطوط الإنتاج، فإن القضاء على البرنامج بالكامل سيتطلب السيطرة على الأرض على المدى الطويل وليس مجرد ضربات جوية.
تغيير النظام يتطلب حربًا برية
إليك الحقيقة التي تتجنبها الخطابات الرسمية: إذا كانت أهداف ترامب الحقيقية هي تغيير النظام، وإزالة قوة إيران الصاروخية إلى الأبد، أو فرض “صفر تخصيب” إلى الأبد، فإن الضربات الجوية لن تحقق ذلك. تتطلب تلك الأهداف حربًا برية كبيرة واحتلالًا طويل الأمد. وهذا قد يجلب خسائر كبيرة، وتكاليف باهظة، وسنوات من التورط العميق.
تكلفة الفرصة الاستراتيجية مقابل الصين
لن يخدم هذا الولايات المتحدة في وقت تتزايد فيه المنافسة مع الصين. إن استنزاف القدرات الأمريكية المتقدمة والمكلفة في الشرق الأوسط دون مكاسب واضحة قد يمنح الصين ميزة استراتيجية ويدفعها للتحرك بسرعة أكبر نحو أولويات أكبر مثل تايوان، بينما تبقى واشنطن عالقة في حرب بلا نهاية واضحة.
فخ التصعيد
هناك أيضًا خطر تشغيلي مستمر في أي حملة جوية كبيرة: يمكن أن تُسقط طائرة، أو يمكن أن يُحتجز طيار، أو يمكن أن يحدث حادث كبير في مضيق حساس. يمكن أن يتحول مثل هذا الحدث من ضربة محدودة إلى حرب أوسع، وينقل التركيز من التفاوض حول القضايا النووية إلى التفاوض حول الأسرى والإذلال السياسي.
طريقتان مكلفتان، لا مخرج نظيف
لذا، تواجه واشنطن مسارين مكلفين: حرب شاملة لا تمتلك الأدوات السياسية اللازمة لاستمرارها، أو ضربات جوية لن تحقق الأهداف المعلنة ولكن قد تفتح الباب لمزيد من التصعيد. في كلا الحالتين، تصبح المفاوضات غطاءً مؤقتًا بينما تتحرك المنطقة نحو اختبار خطير للقوة وحدودها.
مطالب مصممة للفشل
النتيجة الأساسية هي: رفع المطالب إلى مستوى الإذلال لا يؤدي إلى اتفاق. بل يدفع الطرف الآخر نحو الرفض ثم نحو الاستعداد للمواجهة. عندما تصبح المحادثات شروطًا مصممة للفشل، فإنها لا تمنع الحرب. بل تؤجلها إلى لحظة تختارها واشنطن؛ بعد أن يتم إعداد ساحة المعركة وكتابة القصة السياسية بالفعل.
القوة مقابل الأدوات
في النهاية، المشكلة ليست أن واشنطن تملك قوة أقل. المشكلة هي أنها تسعى لتحقيق أهداف أكبر من أدواتها. الضربات الجوية لا تطيح بالأنظمة، ولا تمحو المعرفة النووية، ولا تنهي برنامج الصواريخ الذي يمكن إعادة بنائه. كلما رفعت الولايات المتحدة مطالبها، كلما أغلقت الباب أمام الدبلوماسية واقتربت من المواجهة.
إذا بدأت الحرب، فقد تتحول بسرعة إلى قتال مكلف بلا نهاية واضحة: تُستنزف الدفاعات، وتُحرق الذخائر النادرة، وتُهز الأسواق، وتتعرض القواعد للهجوم. ثم ستظهر مسألة غير محلولة داخل الولايات المتحدة: كيف ننهي هذا دون هزيمة سياسية؟ يصبح الفشل محتملًا لأن الأهداف لا يمكن تحقيقها من خلال القصف وحده. والخطر كبير، لأن التصعيد قد يخرج عن السيطرة. في حرب كهذه، قد تفوز واشنطن بجولة في الجو، لكنها تخسر اللعبة الأكبر على الأرض.

