تنهار الاتفاقيات التقليدية للدفاع عبر الحدود حيث تتجاوز المصالح الوطنية المشاعر الثقافية. تتطلب الأمن الإقليمي الحديث أصولًا تكنولوجية واقتصادية ملموسة بدلاً من الهوية التاريخية المشتركة. في هذا المناخ، ينتمي الأمن الإقليمي الحقيقي حصريًا إلى الدول القادرة على تنفيذ شراكات سريعة وعمليّة عبر القارات.
إعادة تعريف الأمن الإقليمي اليوم
هل انتهى مفهوم الأمن القومي العربي؟ ربما لم يعد هذا هو السؤال الصحيح. إنه يفترض أن ما كان موجودًا سابقًا لا يزال يحتفظ بأهميته بنفس الشكل.
السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: هل لا زلنا بحاجة إلى هذا المفهوم كما تم صياغته في أدبيات القرن الماضي؟ الإجابة تميل نحو لا. وليس لأن فكرة الأمن المشترك قد فقدت أهميتها، ولكن لأن أدواتها وحدودها وفرضياتها قد تغيرت بشكل جذري.
لم يعد العالم كما كان. لم تعد الجغرافيا وحدها تحدد التحالفات، ولم يعد القومية العربية أو الهوية سببًا كافيًا أو إطارًا لبناء أنظمة أمنية فعالة. ما نشهده هو إعادة تعريف شاملة للأمن نفسه. لم يعد محصورًا في حماية الحدود؛ بل أصبح يشمل أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأمن السيبراني، والتفوق التكنولوجي، وحتى القدرة على إدارة الأزمات المعقدة الناشئة على نطاق عالمي – من الأوبئة إلى النزاعات.
في هذا السياق، لم تعد الألفة اللغوية أو الثقافية أو التاريخية هي المحدد الرئيسي. ما يهم بدلاً من ذلك هو القدرة على المساهمة في نظام أمني مرن وقابل للتكيف وموثوق – حيث يُؤطر الأمن على أنه أكثر من مجرد دفاع، بل كضمان لسلامة وأمن المجتمعات ضد التهديدات المختلطة التي تكاد تكون ساحقة.
كيف يفشل الأمن الإقليمي
لقد كشفت التجربة الأخيرة في الخليج، لا سيما في مواجهة العدوان الإيراني، عن حدود النموذج التقليدي. لم يتحرك العالم العربي ككتلة موحدة، ولم تتحقق التماسك الذي كان يُفترض طويلاً في عقيدة الأمن القومي والإقليمي العربي.
ما تصرف بشكل حاسم كانت دول ذات مؤسسات قوية ورؤية استراتيجية واضحة، تستخدم التحالفات كرافعة مبنية على أسس عملية بدلاً من الشفوية. لم تكن الاستجابة جماعية عربية؛ بل نشأت من شبكات من الشراكات الحقيقية التي تلاقت فيها المصالح وتوافرت القدرات بسهولة.
الدول التي تحركت بسرعة لدعم الإمارات لم تكن دولاً عربية. فقد شاركت فرنسا، المملكة المتحدة، اليونان، أوكرانيا وكوريا الجنوبية في تعاون عسكري وسياسي مباشر وسريع. سياسياً، توافقت دول مثل إثيوبيا، صربيا، الهند، إيطاليا وألبانيا أيضاً في دعمها. هذا نموذج للتحالفات الأمنية والسياسية الناشئة التي تستند إلى المصالح المشتركة بدلاً من الجغرافيا أو الهوية المشتركة.
التحالفات التي تحول الأمن الإقليمي
على النقيض من ذلك، ترددت الدول العربية الكبرى في البداية حتى في إصدار بيانات سياسية واضحة تدين الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ناهيك عن تقديم الدعم المادي.
لا تعني هذه التحولات فشل الفكرة القديمة بقدر ما تعني تجاوزها. لقد نشأت الأمن القومي العربي في سياق تاريخي مختلف، عندما كانت التهديدات تُفهم أساساً من خلال عدسة الصراع العسكري التقليدي وعندما كانت الدول الوطنية ما بعد الاستعمار في المنطقة لا تزال تتشكل.
اليوم، الدول التي نجحت هي تلك التي أعادت تعريف الأمن من الداخل: من خلال بناء اقتصادات متنوعة، وتشكيل شراكات دولية عملية، وتطوير قدرات دفاعية متقدمة، والاستثمار في التكنولوجيا وتعزيز التماسك الاجتماعي. بشكل عام، هو نموذج حيث تأخذ المصالح الاقتصادية المشتركة المركز الأول في السياسة الخارجية (وهو مبدأ رئيسي معلن للإمارات). هذه هي أسس القوة الحقيقية، وليس مجرد الانتماء إلى إطار جغرافي أو ثقافي واسع.
الأمن الإقليمي يتطلب اتخاذ إجراءات
البديل الواقعي اليوم ليس إحياء مفهوم قديم، بل الانتقال نحو نموذج أكثر مرونة وواقعية.
تتكون التحالفات بشكل متزايد حول أولويات محددة: حماية الطرق البحرية، استقرار أسواق الطاقة، تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، مواجهة التهديدات السيبرانية والتعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة. لا تُقاس هذه التحالفات بالتشابه الثقافي، بل بمدى توافق المصالح وفاعلية التعاون. قد تشمل دولاً تتجاوز العالم العربي، ومع ذلك غالباً ما تكون أكثر قدرة على العمل والتأثير من الأطر التقليدية التي تستند إلى مفهوم مشترك للهوية أو القرب.
في قلب هذه التحولات تقف الدولة الوطنية. إنها الدولة التي تقرر، تبني وتختار تحالفاتها بناءً على حسابات دقيقة بدلاً من الاعتبارات العاطفية. الدولة الحديثة القوية هي تلك التي يمكنها إدارة توازناتها، وزراعة شراكات متعددة الاتجاهات، والاستثمار في قدراتها الخاصة قبل السعي للحصول على ضمانات خارجية. لم يعد من الممكن الاعتماد على مفاهيم مجردة دون امتلاك أدوات حقيقية.
حيث يبنى الأمن الإقليمي
الأمن اليوم هو نظام معقد من المصالح المتداخلة. يتم بناؤه في الموانئ بقدر ما يتم بناؤه في المختبرات، وفي مراكز البيانات بقدر ما يتم بناؤه في المنشآت الدفاعية. إنه اقتصادي بقدر ما هو عسكري، إدراكي بقدر ما هو جغرافي. أولئك الذين يفشلون في فهم هذا التحول سيظلون محاصرين في حالة إدراكية لا تستطيع تفسير الواقع ولا تشكيله.
لذا، نحن لا نشهد نهاية الأمن، بل نهاية تعريفه القديم. لم يعد الأمن يُعبر عنه بلغة الشعارات الكبرى، أو الهويات الوطنية أو الإقليمية، بل بلغة القدرة والإنجاز.
يتم بناؤه حيث تتقارب المصالح، وليس حيث تحمي الهويات الطائفية أو العرقية من “الآخر”. أولئك الذين يفهمون هذه المعادلة سيؤمنون مكانهم في عالم يعاد تشكيله – عالم لا ينتظر أحدًا ويعترف فقط بمن يمتلك أدوات القوة الصلبة والناعمة، وكذلك النفوذ الاقتصادي.
العالم العربي، من الناحية العملية، يدخل عصرًا سياسيًا جديدًا حيث سيتم تعريف الفائزين من خلال تحالفات من المصالح المشتركة المتطلعة إلى المستقبل، وليس من خلال الشعارات الفارغة للماضي.

