على مدى أربعين عامًا، كانت الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية رمزًا للحضور الأمريكي المتقدم الذي لا يُنازع، لكن تلك الحقبة قد انتهت الآن بشكل نهائي بسبب قدرات الضربات الدقيقة الإيرانية وتحوط دول الخليج. لقد تحول الحضور الأمريكي المتقدم من رادع موثوق إلى عبء رهينة، حيث أصبحت القواعد المصممة للتفوق الجوي مناطق قتل معرضة للخطر. يواجه هذا الحضور الأمريكي المتقدم الآن أكثر اختباراته فتكًا: ليس من خلال المعارك الكبرى، ولكن من خلال التآكل المستمر للإرادة السياسية والجدوى العسكرية.
انهيار الحضور الأمريكي المتقدم تحت ضغط إيران
لقد حدث شيء أساسي في الخليج العربي، والباحثون الذين قضوا حياتهم المهنية في مراقبة قوة الولايات المتحدة في العرض العسكري يقولون الآن ما كان يُعتبر سابقًا غير قابل للقول: إن عصر القواعد العسكرية الأمريكية المتقدمة في الشرق الأوسط قد انتهى فعليًا. سواء اختارت واشنطن المواجهة أو الانسحاب، يبدو أن النتيجة الاستراتيجية هي نفسها: التآكل البطيء وغير القابل للعكس لنفوذ الولايات المتحدة في منطقة هيمنت عليها منذ السبعينيات.
لقد تجسد هذا التشخيص حول المواجهة الحالية مع إيران. بالنسبة للعلماء مثل جون ميرشايمر، أبرز الواقعيين الهجوميين في جامعة شيكاغو، تؤكد الأزمة واقعًا هيكليًا رفضت الثقافة الاستراتيجية الأمريكية منذ فترة طويلة قبوله.
خيانة الحضور الأمريكي المتقدم
تجسد تلك الحكم ما أنتجته عقدان من التدخل المكلف: نظام إقليمي انحرف بشكل حاسم بعيدًا عن واشنطن، ووضع عسكري أصبح من الصعب بشكل متزايد الحفاظ عليه.
الأرقام مثيرة للقلق. تحتفظ الولايات المتحدة حاليًا بحوالي 40,000 جندي في دول مجلس التعاون الخليجي، مركّزين في قواعد مثل قاعدة العُديّد في قطر ومقر الأسطول الخامس في البحرين. تم تصميم هذه المنشآت لواقع استراتيجي عفا عليه الزمن: واقع يتميز بتفوق جوي أمريكي غير منازع، وقدرات صاروخية إيرانية ناشئة، وامتثال ثابت من الشركاء الإقليميين. لا توجد أي من تلك الظروف اليوم. ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الآن تتكون من الآلاف، وقد تم إثبات قدرتها على الضربات الدقيقة بمصداقية قاتلة، بشكل دراماتيكي في ضربات 2019 على بنية تحتية لشركة أرامكو السعودية، والتي أدت مؤقتًا إلى تعطيل حوالي خمسة في المئة من إمدادات النفط العالمية.
معضلة الوجود الأمريكي المتقدم
يواجه صانعو السياسات في الولايات المتحدة حاليًا معضلة صعبة للغاية. بدلاً من تحييد التهديد الإيراني، من المحتمل أن تؤدي التدخلات العسكرية التي تستهدف قدراته النووية والصاروخية إلى تحفيزه. وقد حذر الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لحلف الناتو، من أن الصراع مع إيران سيكون “صعبًا للغاية”، مضيفًا أن جغرافيا الخليج “تخلق ضعفًا هائلًا لأصولنا السطحية وقواعدنا البرية.” يمكن أن تجعل الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة التي ستتبع أي ضربة أمريكية أولى القواعد التي انطلقت منها العملية غير قابلة للاستخدام عمليًا في غضون أيام. تصبح البنية التحتية التي تدعم القوة الأمريكية، مثل مدارج الطائرات، ومستودعات الوقود، ونقاط القيادة – عبئًا في اللحظة التي تفشل فيها الردع.
إن اختيار الانسحاب المنظم بدلاً من ذلك يحمل عقوبات استراتيجية مميزة، تُنفذ تحت أعين الشركاء الخليجيين القلقين. وقد تحدث وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش عن الحاجة إلى أن تطور المنطقة “استقلالية استراتيجية”، وهي عبارة كانت ستعتبر دبلوماسيًا غير قابلة للتفكير قبل جيل مضى. وقد شاركت حكومة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بنشاط في دبلوماسية موازية مع بكين. وقد توجت هذه الجهود بصفقة تاريخية في عام 2023، بوساطة من الصين، لاستعادة العلاقات مع طهران – وهو تحول جيوسياسي كان سيكون غير قابل للتفكير بدون موافقة واشنطن في الماضي. الرسالة المضمنة في هذه التحركات لا لبس فيها: إذا لم تتمكن واشنطن من ضمان الأمن، ستبحث دول الخليج عن خيارات أخرى.
الوجود الأمريكي المتقدم يعتمد على تناقض
على الرغم من أن مراكز الفكر الأمريكية قد تأخرت في استيعاب هذه الديناميكيات الاستراتيجية، إلا أن تقييمات أكثر دقة بدأت تظهر. فقد تصور المحللون في مؤسسة RAND، على سبيل المثال، “فجوة ردع” في الخليج، معرفين إياها بأنها الفجوة بين التهديدات التي تدعي الولايات المتحدة أنها تسعى لردعها والقدرات الفعلية التي يمكنها نشرها بفعالية في البيئات المتنازع عليها. ومن جانبها، أشارت مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة “تعتمد على تناقض”: كلما هددت واشنطن باستخدام القوة، كلما كشفت عن حدود ما يمكن أن تحققه هذه القوة فعليًا.
ما يجعل هذه اللحظة مميزة ليس الأزمة نفسها، بل نهايتها. كانت المنطق دائمًا أن أمريكا يمكن أن تتحمل خسارة معركة لأنها لن تخسر المنطقة أبدًا. لكن من الصعب الحفاظ على تلك الثقة الآن.
النهاية والوجود الأمريكي المتقدم
المسألة الأساسية لم تعد تتعلق باستدامة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وهو ما تدحضه الأدلة بشكل كبير. بل تتعلق ما إذا كانت واشنطن تمتلك القدرة الاستراتيجية لتنفيذ تخفيض مدروس قبل أن تجبرها الظروف المتدهورة على الخروج القسري والفوضوي.

