تاريخ الحرب الباردة يشير إلى أن القوة العسكرية الخالصة دون وجود حواجز سياسية موازية يمكن أن تسرع بشكل ساخر من النزاع. أمن الخليج اليوم يواجه هذا التناقض بالذات: الردع الضخم فشل في منع التصعيد الأخير. التعلم من نموذج هلسنكي لعام 1975، يجب على أمن الخليج الآن أن يعطي الأولوية للتواصل في أوقات الأزمات على القوة الأحادية لتجنب الحرب الناتجة عن سوء التقدير.
أمن الخليج يفشل دون كوابح سياسية
أحدث أزمة في الخليج كشفت عن حقيقة صعبة: الردع وحده لم يعد كافياً لضمان الاستقرار.
لقد ركزت مناقشة الأمن في المنطقة لفترة طويلة على كيفية ردع النزاع. قد تكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو كيفية منع الردع نفسه من أن يصبح مصدراً للتصعيد.
على مدى عقود، كانت أفكار الأمن في المنطقة تستند إلى افتراض بسيط نسبياً. كلما كانت قوة الردع أقوى، كان خطر الحرب أقل. استثمرت دول الخليج بشكل كبير في القدرات العسكرية، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والشراكات الاستراتيجية والبنية التحتية اللازمة لرفع تكلفة العدوان.
ومع ذلك، فقد تطور النزاع الأخير في لحظة كانت فيها المنطقة تمتلك قدرات عسكرية أكثر من أي وقت مضى في تاريخها الحديث. لم تكن المشكلة غياب الردع. كانت المشكلة أن الردع، بمفرده، أثبت عدم قدرته على منع التصعيد. قد تكون هذه هي الدرس الأكثر أهمية الذي خرج من الحرب.
يدخل الخليج عصرًا جديدًا من الأمن حيث لم يعد التحدي ببساطة هو كيفية بناء القوة، بل كيفية إدارة المخاطر المرتبطة باستخدامها.
لم يبدأ هذا التحول مع الأزمة الحالية. لقد بدأت الهجمات على منشآت النفط السعودية في عام 2019، والتهديدات المتكررة للملاحة البحرية، وسنوات من التوترات الإقليمية في كشف نقاط الضعف في اقتصاد الخليج المترابط. لقد عجل النزاع الأخير بهذه العملية. لم تعد البنية التحتية للطاقة، والموانئ، والمطارات، وطرق الشحن، والشبكات الرقمية قضايا هامشية. لقد أصبحت عناصر مركزية في مشهد الأمن في المنطقة.
تجنب فخ التصعيد في أمن الخليج
على مدى العقد الماضي، كانت المناقشات حول الأمن في الخليج تركز على الردع: كيفية تعزيزه، وتحديثه، وجعله أكثر مصداقية. تشير الأزمة الأخيرة إلى أن النقاش المقبل قد يحتاج إلى التركيز على شيء مختلف: كيفية منع الردع نفسه من أن يصبح طريقًا للتصعيد عندما تتصادم الأخطاء في التقدير، وسرعة التكنولوجيا، وانعدام الثقة السياسية.
وبالمثل، أصبح الحد الفاصل بين الصراع غير المباشر والمواجهة المباشرة أكثر ضبابية. ما كان في السابق محصورًا إلى حد كبير في الوكلاء والساحات الطرفية يحمل الآن عواقب أكثر مباشرة على الدول نفسها. لم يعد الخطر مقصورًا على ساحات المعارك البعيدة. بدلاً من ذلك، يصل بشكل متزايد إلى البنية التحتية الحيوية، والأصول الاقتصادية، والأراضي الوطنية.
هذا الأمر مهم لأن الخليج ليس مجرد ساحة جيوسياسية أخرى. إنه يقع عند تقاطع أسواق الطاقة العالمية، وطرق التجارة الدولية، والممرات البحرية الاستراتيجية. نادرًا ما تبقى الاضطرابات في مضيق هرمز، أو منشأة طاقة رئيسية، أو ممر شحن حيوي مشكلة إقليمية لفترة طويلة.
في ظل هذه الخلفية، ليس من المستغرب أن يبدأ المحللون في إعادة النظر في النماذج التاريخية لإدارة التنافس، بما في ذلك عملية هلسنكي لعام 1975. في الأول من أغسطس من ذلك العام، وقعت 35 دولة – بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي – اتفاقًا دبلوماسيًا في العاصمة الفنلندية لتقليل التوترات وزيادة التعاون.
للمقارنة حدود واضحة. الخليج ليس أوروبا في فترة الحرب الباردة. البيئة الإقليمية اليوم أكثر تفتتًا، وقد حولت التكنولوجيا طبيعة الصراع، وتلعب الجهات الفاعلة غير الحكومية دورًا أكبر بكثير مما كانت عليه في أوروبا قبل نصف قرن. ومع ذلك، ما يجعل هلسنكي ذات صلة اليوم ليس موقعها الأوروبي بل المبدأ الذي يقف وراءها.
لم تظهر عملية هلسنكي بعد انتهاء التنافس بين الشرق والغرب. بل ظهرت بينما كان ذلك التنافس لا يزال حيًا جدًا. لم يكن هدفها القضاء على المنافسة بل تقليل خطر انزلاق المنافسة إلى مواجهة. هذه التفرقة ذات صلة خاصة بالخليج.
دروس للأمن الخليجي الحديث
لا تحتاج المنطقة إلى تكرار هلسنكي مؤسسيًا، ولا ينبغي أن تفترض أن تنافسها الأساسي سيختفي في أي وقت قريب. من المحتمل أن تظل المنافسة بين القوى الإقليمية سمة مميزة للمشهد الاستراتيجي لسنوات قادمة.
ما تحتاجه دول الخليج هو شيء أكثر تواضعًا، ولكنه ربما أكثر واقعية: آليات تقلل من فرص سوء التقدير في بيئة تتسم بزيادة التقلبات.
أكبر خطر يواجه المنطقة اليوم ليس بالضرورة قرارًا متعمدًا لبدء حرب كبرى. بل هو احتمال أن يؤدي حادث محدود – مثل هجوم بطائرة مسيرة، أو هجوم صاروخي، أو مواجهة بحرية، أو إشارة خاطئة – إلى سلسلة من التصعيد لم يكن أي من الأطراف ينويها في الأصل.
إدارة هذا الخطر تتطلب أكثر من القوة العسكرية. إنها تتطلب قنوات اتصال خلال الأزمات، وشفافية أكبر بشأن الأنشطة العسكرية، وترتيبات عملية للأمن البحري، وحماية أقوى للبنية التحتية الحيوية.
أمن الخليج يحتاج إلى إدارة مخاطر من ثلاث طبقات
لا يمكن تفويض مثل هذه الإدارة إلى جهة واحدة. من المحتمل أن يتطلب إطار العمل القابل للتطبيق ثلاث طبقات مترابطة: التنسيق الخليجي؛ الانخراط الإقليمي المباشر؛ والدعم الدولي. تحتاج دول الخليج إلى آليات أقوى لإدارة الأزمات بشكل جماعي. تحتاج المنطقة إلى قنوات عملية للتواصل بين دول الخليج وإيران. يمكن أن تساعد القوى الكبرى التي لها مصلحة في الأمن البحري والأسواق الطاقية المستقرة في تعزيز التفاهمات التي تقلل من مخاطر التصعيد.
لا يتعين أن يبدأ مثل هذا الإطار بمساومات سياسية طموحة. يمكن أن يبدأ بتفاهمات عملية: حماية البنية التحتية المدنية الحيوية من الهجمات؛ إنشاء آليات إشعار مسبق للأنشطة العسكرية الكبرى؛ إنشاء قنوات مباشرة لإدارة الأزمات؛ وتقليل خطر التصعيد من خلال الوكلاء أو العمليات السيبرانية. الهدف لن يكون حل النزاعات السياسية، بل منعها من التحول إلى أزمات عسكرية.
لا شيء من هذا سيضع حدًا للتنافس الإقليمي. كما أنه لن يحل الخلافات السياسية التي لا تزال تقسم المنطقة. وبالتأكيد لن يحل محل الردع. لكن هذه هي النقطة بالضبط. الدرس المستفاد من الأزمة الحالية ليس أن الخليج يحتاج إلى ردع أقل. بل هو أن الردع وحده لم يعد قادرًا على توفير الاستقرار.
القوة مقابل ضبط النفس في أمن الخليج
إذا كانت العقدين الماضيين قد تميزت بالاستثمار في بناء القوة، فقد يتطلب العقد المقبل استثمارًا متساويًا في إدارة المخاطر المرتبطة بتلك القوة. في منطقة تتقدم فيها أدوات التصعيد أسرع من أدوات الضبط، قد تثبت إدارة التنافس أنها بنفس أهمية ردعه.
التحدي الذي يواجه الخليج اليوم ليس مجرد كيفية منع الحرب القادمة. بل هو كيفية بناء القواعد التي تجعل تلك الحرب أقل احتمالًا في المقام الأول.

