لا يزال الشرق الأوسط محاصرًا في توازن هيكلي خطير حيث تمنع الرؤى الإقليمية المتنافسة الاستقرار على المدى الطويل. تسلط التصعيدات الأخيرة الضوء على احتكاك أساسي بين نموذج تنموي مركزي للدولة ومشروع أيديولوجي خارجي، مما يعني أن التوترات الإقليمية هي هيكلية بدلاً من أن تكون ظرفية فقط. يتطلب حل هذا الجمود الجيوسياسي العميق تحليل كيف يمثل الخليج وإيران صراعًا بين معمارين إقليميين متعارضين تمامًا.
معضلة الخليج وإيران
أعادت الهجمات الأخيرة لإيران على الكويت والبحرين طرح سؤال قديم كان المحللون قد تعاملوا معه سابقًا. هل التوترات بين إيران ودول الخليج تتعلق بشروط سياسية وأمنية عابرة، أم أنها تعكس نزاعًا أعمق متجذرًا في رؤاهم ومشاريعهم الأوسع؟
من الصعب رؤية هذه الهجمات كحوادث معزولة أو استثنائية، نظرًا لتاريخ التصعيدات والتهديدات في الشرق الأوسط على مدى العقود الماضية. لقد تعرضت الكويت والبحرين منذ فترة طويلة لاستهداف إيراني، سواء بشكل مباشر من خلال العمليات العسكرية أو بشكل غير مباشر عبر وكلاء طهران الإقليميين. الحوادث التي تتصدر العناوين الآن ليست تحولًا جديدًا في السياسة الإيرانية بقدر ما هي استمرار لنهج موجود منذ سنوات عديدة.
منذ أن تعرضت للهجوم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، لم تستهدف إيران فقط المنشآت العسكرية أو المواقع الأمنية في الخليج. في مناسبات متعددة، استهدفت أيضًا البنية التحتية المدنية. يُعتبر مطار الكويت الدولي مثالًا بارزًا، حيث تم استهدافه ثلاث مرات، إلى جانب مرافق مدنية أخرى. في حسابات إيران، يبدو أن التمييز التقليدي بين الأهداف المدنية والعسكرية غير واضح. يبدو أن استهداف المنشآت المدنية له هدف نفسي.
أي شخص يتابع العلاقة بين إيران ودول الخليج سيلاحظ أن طهران لم تعتمد فقط على أدوات القوة الصلبة. بل سعت أيضًا لبناء شبكات من النفوذ السياسي والأمني والاجتماعي في عدة مجتمعات خليجية وعربية. في الكويت والبحرين، أعلنت الأجهزة الأمنية عن اكتشاف خلايا مرتبطة بفيلق الحرس الثوري الإيراني، أو كانت متعاطفة معه.
القانون الإقليمي والخليج وإيران
هذا ليس جديدًا ولا عرضيًا. كانت استراتيجية إيران هي إنشاء أدوات تأثير طويلة الأمد في المجتمعات الخليجية. وهذا يفسر لماذا تكون دول مثل الكويت والبحرين حساسة تجاه النشاط الإيراني في المنطقة. بالنسبة لهذين الدولتين، ما يحدث الآن هو استمرار لمشروع إيراني قديم يعتبر الخليج مجالًا حيويًا للتأثير الإيراني.
لقد سعت الدول الخليجية، التي تستضيف بعض منها قواعد أمريكية و/أو أقامت علاقات طبيعية مع إسرائيل، إلى معالجة هذه التحديات من خلال نهج صلب ومرن تجاه إيران. تحظر المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، بينما تعترف المادة 51 بالحق الفطري في الدفاع عن النفس كاستثناء، بشرط حدوث هجوم مسلح فعلي وأن يتم مراعاة مبادئ الضرورة والتناسب.

ومع ذلك، فإن العقيدة القانونية الدولية تحد من تفسير هذا الحق، بحيث لا يمتد إلى استهداف دول أخرى لمجرد وجود قوات أجنبية على أراضيها، ما لم يُثبت أن تلك القوات قد استخدمت فعليًا في أعمال عدائية أو أن الدولة المضيفة كانت متورطة مباشرة في العمليات العسكرية.
وبناءً عليه، فإن تصنيف الدول الخليجية كأطراف في النزاع بسبب هذا الوجود العسكري يبقى موضع جدل قانوني، خاصة وأنها ليست أطرافًا مباشرة في الحرب وقد أكدت التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها في أعمال عدائية.
تاريخ التصعيد الذي يحدد الخليج وإيران
وبالمثل، فإن وجود اتفاقيات تعاون عسكري بين الدول الخليجية وبعض الدول الأجنبية، أو وجود قواعد عسكرية أجنبية، ليس كافيًا لتحميل الدول الخليجية مسؤولية الأعمال العسكرية لتلك الدول ضد إيران، ما لم يُثبت التورط المباشر. كما أنه لا يبرر اللجوء إلى استخدام القوة ضدها. على هذا الأساس، فإن استهداف إيران لهذه الدول الخليجية تحت هذا الذرائع يقع خارج نطاق الدفاع عن النفس.
إن إدراج إيران للأهداف المدنية أو الاقتصادية في دول الخليج يُعتبر انتهاكًا للقانون الدولي، ولا سيما مبدأ التمييز المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولا يتوافق مع متطلبات الضرورة والتناسب التي تحكم استخدام القوة بموجب القانون الدولي.

السجل التاريخي إن السرد الذي يربط سلوك إيران تجاه الخليج بالوجود العسكري الأمريكي أو بالتحالفات الأمنية الحالية لا يصمد أمام التدقيق عند قياسه بالسجل التاريخي. في أوائل الثمانينات، قبل أن تتخذ القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة شكلها الحالي، تعرضت الكويت لهجوم من إيران. في عام 1981، تعرضت محطة أم العيش الفضائية لهجوم إيراني، وفي عام 1984 تم استهداف منشآت الشعيبة النفطية وسط التصعيد المرتبط في ذلك الوقت بحرب إيران والعراق (1980-1988).
التوتر بين الخليج وإيران
خلال ما أصبح يُعرف بحرب الناقلات، هاجمت إيران السفن التجارية وناقلات النفط، مما أثر على الاقتصاد الكويتي والخليجي وهدد أمن الملاحة الدولية وحركة الطاقة عبر الخليج العربي. كما شهدت الكويت محاولة اغتيال أميرها الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح في مايو 1985، وتفجير المقاهي الشعبية في نفس العام، واختطاف طائرة الخطوط الجوية الكويتية الجابرية في ديسمبر 1984. وكانت هذه الأحداث مرتبطة بجماعات إرهابية مدعومة من إيران، مثل الجهاد الإسلامي.
إن العداء الإيراني تجاه دول الخليج يسبق وجود القواعد الأجنبية، التي تستخدمها إيران لتبرير هجماتها عليها. كانت أهداف إيران تتجه نحو النفط في الخليج واستقرار الاقتصاد الإقليمي قبل أن تظهر المبررات الحالية. في الواقع، فإن سياسات طهران وتلك الخاصة بالوكالات الإقليمية التابعة لها لها جذور سياسية وأمنية أعمق.
فشلت الجهود الرامية إلى التقارب بين الخليج وإيران في إنهاء هذه الحالة المزمنة من التوتر. في السنوات الأخيرة، استثمرت دول الخليج جهدًا سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا في بناء علاقات أكثر استقرارًا مع إيران، مما أدى إلى فترات من الانفتاح والحوار وزيارات تبادلية وتعاون اقتصادي، كل ذلك مستندًا إلى قناعة بأن حسن الجوار والفهم الإقليمي يوفران أفضل طريق لجميع الأطراف.
التباين الهيكلي داخل الخليج وإيران
ومع ذلك، استمرت التوترات، ولم تتوقف الهجمات بشكل نهائي، واستمرت الشكوك المتبادلة على الرغم من المحاولات المتكررة لبناء الثقة. لم يكن ذلك بسبب نقص في التواصل، بل بسبب طبيعة المشروع السياسي الذي يشكل رؤية إيران لدورها الإقليمي. هناك تباين عميق بين النموذجين السياسيين (النموذج الإيراني والنموذج الخليجي) اللذين يختلفان في أهدافهما ووسائلهما.

الرؤى المتنافسة لقد أولت دول الخليج الأولوية للتنمية الاقتصادية، والاستقرار السياسي، وتحسين مستويات المعيشة، وهو خيار ينعكس في المشاريع الكبرى للبنية التحتية، والتنمية الحضرية، وتوسيع شبكات النقل والطاقة، والاستثمار في التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات العامة. لقد سعت إلى تنويع مصادر دخلها بعيدًا عن الوقود الأحفوري من خلال دعم السياحة، والصناعة، والتكنولوجيا، والخدمات المالية، وجذب الاستثمار الأجنبي وخلق اقتصادات تنافسية عالميًا من خلال تحديث أطرها التشريعية والإدارية.
بالمقابل، يولي النموذج الإيراني الأولوية للأبعاد الإقليمية والأيديولوجية للسياسة الخارجية، مع وضع الأمن والقوة العسكرية في المقدمة. يعتبر أن القوة الإقليمية لإيران وتوسيع مجالات نفوذها أولوية استراتيجية تفوق الاعتبارات الأخرى. ومع ذلك، فإن هذا النهج ينتج توترات مع جيرانه، مما يضع الأسس لسنوات من الصراع.
يتطلب مشروع التنمية الاقتصادية بيئة مستقرة وآمنة وقابلة للتنبؤ، بينما تعمل المشاريع العسكرية التوسعية غالبًا في أجواء من الصراع والتوتر وعدم الاستقرار. هذا هو الصراع الأساسي بين النموذجين. ولهذا السبب، فإن تحقيق التناغم الحقيقي أمر صعب. بالتوازي، تساعد التوترات الإقليمية النظام الإيراني على تحويل المسؤولية عن تحدياته الداخلية والاقتصادية.

تحتاج التعاون الأكبر إلى الانتقال من هذا النموذج يتطلب تغييرًا في أولويات إيران بعيدًا عن منطق الصراع الدائم نحو التنمية والتعاون الإقليمي. من جانبهم، سعت دول الخليج إلى تجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح كلما كان ذلك ممكنًا، مدركةً تأثيره الضار على الاستقرار. ولهذا الغرض، عملت نحو تحقيق مزيد من التنسيق والتكامل داخل الخليج. لقد أظهرت الأحداث أن أمن الخليج هو كيان واحد غير قابل للتجزئة، وأن التحديات التي تواجه دولة خليجية واحدة تؤثر بسرعة على الدول الأخرى.
لذا، فإن تعزيز العمل الخليجي المشترك لم يعد خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله؛ بل هو ضرورة استراتيجية. منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، كانت هناك آفاق للتكامل الخليجي. لقد واجه مسار التكامل تحديات مرتبطة بالمصالح الوطنية والسيادة، لكن التجربة العالمية تُظهر أن الكتل الإقليمية الناجحة تتطلب درجة من التنازل المتبادل لتأمين مصلحة جماعية أكبر. اليوم، يبدو أن الحاجة إلى التكامل الخليجي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
إن بناء موقف خليجي موحد سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا هو أفضل وسيلة لحماية مصالح دول مجلس التعاون الخليجي وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية. في النهاية، القضية أكبر من نزاع سياسي بين إيران ودول الخليج؛ إنها صراع بين رؤيتين لمستقبل المنطقة. واحدة تتعلق بالاستقرار والتنمية والازدهار الاقتصادي. والأخرى هي سعي للتوسع والصراع العسكري.
ستظل مستقبل العلاقات مع إيران مشروطًا باستعداد طهران لإعادة توجيه أولوياتها نحو التنمية الداخلية، وحسن الجوار، والتعاون الإقليمي. إن الفشل في القيام بذلك يعني أن هذين المشروعين غير القابلين للتوفيق سيستمران في التصادم في المستقبل المنظور.

