إن إعادة تشكيل الأطر الحكومية في الشرق الأوسط تتزايد بشكل متسارع بفعل المبادرات النظامية التي تستهدف سوء تصرف الدولة. يبقى تقييم ما إذا كانت هذه الحملات تشير إلى انتقال مؤسسي نحو المساءلة أو إلى توطيد تكتيكي لسلطة النخبة أمرًا حاسمًا، حيث إن الفائدة السياسية من مكافحة الفساد غالبًا ما تتأرجح بين تنفيذ حقيقي لسيادة القانون وتنظيفات فصائلية. في النهاية، فإن تتبع كيفية إدارة العواصم الإقليمية للشفافية القضائية يكشف ما إذا كانت مكافحة الفساد تخدم التحديث الهيكلي أو تعمل فقط كواجهة لإعادة توازن السلطة الداخلية.
مكافحة الفساد في سياقات بغداد
ما شهدته بغداد في 28 يونيو لم يكن مجرد تحديث أمني عابر. إن موجة الاعتقالات التي استهدفت سياسيين ومسؤولين وشخصيات مؤثرة – التي أعلنت عنها الحكومة العراقية كحملة لمكافحة الفساد – قد فتحت الباب أمام سؤال أكبر بكثير من أسماء وأرقام المعتقلين: هل نحن نشهد بداية إصلاح مؤسسي حقيقي، أم لحظة سياسية تهدف إلى إعادة توزيع السلطة داخل الدولة تحت شعار مكافحة الفساد؟
إن العراق، الذي أنهكته المحاصصة الطائفية والفساد وتشابك المال السياسي مع نفوذ الأحزاب، يحتاج بلا شك إلى مواجهة جدية مع الفساد. ومع ذلك، تظهر التجارب العربية الأخيرة أن مكافحة الفساد لا تقاس فقط بعدد الاعتقالات، بل بإدارة الملف، ودرجة الشفافية، واستقلالية القضاء، وما إذا كانت الحملة ستطبق على الجميع بالتساوي أم ستتحول إلى أداة لإضعاف المنافسين وتمكين آخرين.
نموذج مكافحة الفساد التونسي
في تونس، بعد التدابير التي اتخذت في 25 يوليو 2021، استخدم الرئيس قيس سعيد خطاب “الحرب على الفساد” في سياق تركيز السلطة في يديه. وتحدث عن المئات من رجال الأعمال المتهمين بنهب الأموال العامة واقترح فكرة “المصالحة الجزائية” – بمعنى استعادة الأموال من خلال مشاريع تنموية بدلاً من قضاء العقوبة في السجن.
كانت الفكرة جذابة من حيث المبدأ: استعادة الثروة العامة وتوجيهها نحو التنمية المحلية. ومع ذلك، لم تكن حملة واحدة مكتفية ذاتياً، بل كانت عملية سياسية وقضائية ممتدة حيث تداخل شعار مكافحة الفساد مع صراع أوسع حول طبيعة الحكم، والرقابة المؤسسية، وتوازن القوى.

سوابق إقليمية في مكافحة الفساد
في هذه الأثناء، كانت المشهد في المملكة العربية السعودية أكثر حدة وسرعة. في مساء الرابع من نوفمبر 2017، أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز مرسوماً ملكياً بتأسيس اللجنة العليا لمكافحة الفساد، مع تعيين ولي العهد محمد بن سلمان رئيساً لها.
تم منح اللجنة سلطات واسعة، بما في ذلك التحقيق، والاعتقال، وحظر السفر، وتجميد الأصول. وبعد ساعات قليلة، بدأت حملة اعتقالات ضخمة، شملت 11 أميراً، وعشرات الوزراء والمسؤولين السابقين، والعديد من رجال الأعمال البارزين—وأبرزهم الأمير الوليد بن طلال—في ما أصبح يعرف دولياً بقضية “فندق ريتز كارلتون”.
مكافحة الفساد تغير الديناميات المؤسسية
ذكرت الرواية الرسمية السعودية أن الفساد كلف الدولة مئات المليارات من الدولارات على مدى عقود، وأن الهدف كان استعادة الأموال العامة. في الواقع، انتهت ملفات العديد من المحتجزين بتسويات مالية، تضمنت مصادرة أموال أو أصول مقابل إطلاق سراحهم، بينما تمت إحالة حالات أخرى إلى القضاء.
ومع ذلك، لم تُقرأ الحملة فقط كعملية لمكافحة الفساد؛ فقد أشار العديد من المراقبين إلى أنها خدمت أيضاً في إخضاع جزء من النخبة الاقتصادية والسياسية القديمة، بينما كانت تركز اتخاذ القرار السياسي في يد القيادة الجديدة.
اختبارات المستقبل التي تواجه أطر مكافحة الفساد
الاختبار أمام العراق
هنا تكمن أهمية المقارنة مع العراق. تحمل الحملة العراقية وعداً بإصلاح حقيقي إذا التزمت بالقانون، والشفافية، والمساواة أمام القضاء. ومع ذلك، في غياب ضمانات قوية، فإنها تخاطر بالتحول إلى نسخة أخرى من الحملات العربية التي رفعت شعار مكافحة الفساد بينما خدمت في النهاية لإعادة ترتيب ميزان القوى داخل الدولة.
السؤال الأساسي ليس: هل هناك فساد؟ الإجابة على ذلك معروفة جيدًا في العراق منذ سنوات. الأسئلة الحقيقية هي: كيف سيتم إدارة هذه المواجهة؟ هل ستُعرض الأدلة على الجمهور؟ هل ستكون المحاكمات علنية؟ هل ستُحترم حقوق المتهمين؟ هل ستؤثر العملية القضائية على جميع الأطراف، أم ستقتصر على المعارضين السياسيين وشبكات معينة؟
لن يتم قياس قوة الحملة العراقية من خلال حجم الاعتقالات، بل من خلال قدرتها على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. العراقيون لا يحتاجون فقط إلى رؤية الأفراد الفاسدين خلف القضبان؛ بل يحتاجون إلى رؤية قضاء مستقل، وإجراءات واضحة، وأدلة علنية، ومحاكمات عادلة. الشفافية هنا ليست مجرد تفصيل قانوني، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة.
لذلك، بعد تجارب السعودية وتونس، يقف العراق أمام اختبار حاسم: هل ستشكل مكافحة الفساد بداية إصلاح الدولة، أم مجرد لحظة أخرى لإعادة توزيع النفوذ؟ لن تظهر الإجابة في يوم الاعتقالات، بل داخل قاعات المحاكم، في كيفية تقديم الأدلة، وفي قدرة الحكومة على إقناع العراقيين بأن القانون فوق الجميع—ليس فقط فوق الضعفاء.

