غياب العراق عن الجولة الأخيرة من الدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية قد تم تفسيره على نطاق واسع كخفض هادئ لأهمية بغداد بالنسبة لطهران. هذا التفسير يخطئ في الخلط بين الرؤية والوزن. التأثير الإيراني في العراق لم يعتمد أبداً على وجوده على طاولة المفاوضات؛ بل هو متجذر في بنية كثيفة من الجغرافيا، والشبكات الدينية، والروابط التجارية، والعلاقات السياسية التي لا يمكن للدبلوماسية الخارجية إعادة تقييمها أو إزالتها بسهولة. الطلب المتزايد من واشنطن بأن تقوم الفصائل المسلحة العراقية بنزع سلاحها وحلها يجبر الآن على إعادة تقييم ذلك التأثير، ولكن ليس إزالته.
التغيير الأكثر أهمية هو عملي: من المحتمل أن تتحرك طهران بعيداً عن التورط العسكري الواضح وتتجه نحو قنوات سياسية ومؤسسية أقل تعرضاً للضغط الأمريكي. هذه الانتقال يحافظ على سيادة العراق الرسمية سليمة بينما يضيق من مساحة المناورة لبغداد. لذلك، فإن التأثير الإيراني في العراق يتغير شكله بدلاً من أن يتراجع، وهو تطور سيحدد المرحلة التالية من المنافسة بين واشنطن وطهران. بالنسبة لبغداد، الخطر المركزي هو أن علاقتها مع إيران تستمر في أن تتحدد أقل من قبل مؤسسات الدولة الخاصة بها وأقل من قبل القوى الخارجية والشبكات المحلية المدمجة داخلها.
التأثير الإيراني في العراق لم يتم التفاوض عليه
عندما عادت الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات من خلال وساطة قطرية وباكستانية، كان العراق غائباً بشكل ملحوظ عن العملية. لم يكن طرفاً في المحادثات ولا واحداً من الملفات التي تفاوضت عليها طهران. ضغطت إيران من أجل ترتيبات وقف إطلاق النار على عدة جبهات، بما في ذلك واحدة في لبنان، ومع ذلك، امتنعت بشكل ملحوظ عن طرح مسألة الفصائل المسلحة العراقية، التي يمكن اعتبارها واحدة من أهم أذرع شبكتها الإقليمية.
استنتاج مغري ولكنه خاطئ
دعوة العراق للإغفال تدعو إلى استنتاج مغري: أن طهران قد قبلت بهدوء دوراً مخفضاً في بغداد أو أن العلاقة لم تعد تحمل نفس الوزن الاستراتيجي. في الواقع، غياب بغداد عن المحادثات يبرز أن تأثير طهران في البلاد يعتمد على الروابط السياسية والجغرافية والاجتماعية التي لا تستطيع المفاوضات تغييرها.

صمت طهران مهم للعراق
أحد أهم تداعيات صمت إيران هو ما يكشفه عن طبيعة علاقتها المتطورة مع العراق. لم تطرح طهران قضية الفصائل المسلحة لأن موقفها في العراق يعتمد على علاقات تمتد إلى ما هو أبعد من أي ميليشيا أو ملف سياسي واحد. على عكس لبنان، حيث يمكن اعتبار حزب الله فاعلاً عسكرياً متميزاً، فإن نفوذ إيران في العراق متجذر في مزيج من الروابط الجغرافية والسياسية والثقافية والدينية، بما في ذلك الحدود المشتركة، والروابط العميقة بين رجال الدين، والشبكات القبلية والتجارية الكثيفة، وطبقة سياسية تشكلت على مدى عقود من القرب.
هذا التمييز هو المفتاح لفهم مستقبل النفوذ الإيراني في العراق. إن شعور إيران بعدم الحاجة للدفاع عن فصائلها العراقية في المحادثات لا يعني أنها تخلت عنها. بل، يثبت أن موقف طهران في البلاد يمتد إلى ما هو أبعد من أي مجموعة مسلحة واحدة.
الضغط يدفع طهران نحو الدقة
إن غياب العراق عن المفاوضات يكشف أيضاً كيف من المحتمل أن تستجيب طهران للضغط الأمريكي المتزايد. لقد جعلت واشنطن نزع سلاح وحل الفصائل المسلحة مطلباً مركزياً للحكومة العراقية الجديدة، وكان النفوذ الأمريكي واضحاً خلال حالة الجمود حول تشكيل الحكومة.
عندما ظهر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي تربطه علاقات وثيقة بطهران، كمرشح أول لإطار التنسيق، أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن جميع الدعم للعراق سيتوقف إذا عاد المالكي. هذا التهديد غير الحسابات السياسية العراقية. انسحب المالكي، ودعم الإطار علي الزيدي بدلاً منه، وهو رجل أعمال ومصرفي ليس لديه حزب سياسي أو خبرة حكومية أو عسكرية سابقة. وبالتالي، فإن النفوذ الأمريكي يعمل أقل من خلال السيطرة المباشرة على قرارات بغداد، بل من خلال التأثير على من يستطيع اتخاذها.

النفوذ الإيراني في العراق يتحول إلى سياسي
ما يهم في علاقة العراق وإيران هو كيفية استجابة طهران لهذا الضغط. يبقى العراق مهمًا جدًا بالنسبة لإيران بحيث لا يمكنها المخاطرة بمواجهة مباشرة لا تستطيع تحملها. بدلاً من ذلك، تمتلك طهران حوافز لتجنب الأفعال التي تدعو إلى مزيد من الضغط من واشنطن والاعتماد بشكل أكبر على القنوات السياسية والاقتصادية التي تتعرض أقل للمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة. ستكون النتيجة تحولًا بعيدًا عن الترسخ الواضح نحو أشكال من النفوذ تعمل ضمن النظام السياسي العراقي.
دور جديد للفصائل
تقدم الفصائل المسلحة العراقية نفسها دليلاً آخر على كيفية تغير علاقة العراق وإيران. كل من طهران والفصائل تدرك حدود المواجهة المباشرة مع واشنطن، خاصة مع تصاعد الضغط الأمريكي على بغداد. إدراكًا منها أن المواجهة المباشرة أصبحت غير قابلة للتحمل، انتقلت عدة فصائل، على الأقل من الناحية الخطابية، نحو نزع السلاح وحل نفسها، حتى وإن ظل الآلية غير محددة عمدًا.
يجب ألا يُفهم هذا على أنه ضعف في موقف طهران. يسمح التراجع العسكري للعلاقة بالتطور من واحدة تركز على النشاط المسلح إلى واحدة تستمر من خلال المنظمات السياسية والنفوذ المؤسسي. بدلاً من تقليل دور إيران، قد يجعل تراجع الفصائل هذا النفوذ أكثر صعوبة بالنسبة لواشنطن للتحدي.

حدود الوكالة العراقية
تشير المفاوضات في النهاية إلى واقع أوسع: ستستمر علاقة العراق بإيران في التطور داخل مشهد لا تتحكم فيه بغداد. تحتفظ واشنطن بنفوذ كبير على القيادة السياسية في العراق، بينما بنت إيران شبكات تمتد إلى ما هو أبعد من الفصائل المسلحة فقط. حتى إذا غيرت هذه المجموعات سلوكها أو حلت رسميًا، ستظل أجنحتها السياسية جزءًا من المشهد الانتخابي في العراق، مما يحافظ على قناة حيوية من النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة. لقد أصبح نفوذ طهران الآن متجذرًا في المؤسسات السياسية العراقية، مما يجعل من الصعب جدًا على واشنطن تفكيكه.
قد تكون العراق غائبة في نهاية المطاف عن المفاوضات، لكنها تظل مركزية في عواقبها. بينما لا يشير هذا إلى تغيير جذري في العلاقة العراقية-الإيرانية، إلا أنه يظهر تحولًا متسارعًا في كيفية عمل النفوذ الإيراني في البلاد. بالنسبة لبغداد، لم يكن الخطر في المنافسة بين واشنطن وطهران، بل في الواقع أن علاقتها مع إيران، مثل سيادتها، ستستمر في تعريفها من قبل الجميع باستثناء نفسها.

