أخطأت الاستخبارات الغربية في تقدير التوازن الإقليمي للقوى من خلال اعتبار البحر الأحمر مجرد خلفية عملياتية للأزمة في الشرق الأوسط. لقد أجبر الانهيار السريع للردع التقليدي حول باب المندب على إعادة تقييم فورية للأمن البحري بعد الحرب عبر سلاسل الإمداد العالمية. تواجه طرق الشحن التجارية الآن اضطرابًا غير متكافئ دائم، مما يثبت أن أي استراتيجية فعالة لـ الأمن البحري بعد الحرب تتطلب معالجة الحكم في اليمن بدلاً من الاعتماد فقط على المرافقة البحرية.
أولويات الأمن البحري بعد الحرب
طوال فترة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ظل سؤال اليمن مركزيًا في حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين. هناك عاملان رئيسيان يلعبان هنا. الأول هو إمكانية أن تصبح حركة الحوثيين، التي تسيطر على العاصمة صنعاء ومناطق تضم حوالي 70 في المئة من سكان اليمن، أكثر اندماجًا في المحور الإيراني. الثاني هو احتمال أن يعمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب كمسار بديل لإمدادات الطاقة، في ضوء المخاطر المتزايدة المحيطة بمضيق هرمز. وهذا ما يبرز فشل المواجهة العسكرية في حل قضية تحول الممرات البحرية العالمية إلى ساحات للصراع الدولي.
لقد زاد هذا من تعقيد الصراع في اليمن نفسه. يعتمد مصير البلاد بشكل متزايد على مواقف التحالف الذي يدعم حكومتها المعترف بها دوليًا، فضلاً عن إعادة التموضع الجيوسياسي في العلاقات مع القوى الإقليمية.

إعادة تقييم ديناميكيات الأمن البحري بعد الحرب
تُعتبر جماعة الحوثي، المعروفة رسميًا باسم أنصار الله، منذ فترة طويلة مجرد وكيل إيراني في المنطقة، تنفذ أجندة الجمهورية الإسلامية دون تردد. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى ديناميكية أكثر تعقيدًا في علاقتهم. على الرغم من الروابط الوثيقة بين الحوثيين و”محور المقاومة” الذي تقوده طهران، والدعم العسكري واللوجستي الضخم الذي تتلقاه الجماعة من داعميها الإيرانيين، لم يشارك الحوثيون دائمًا بشكل مباشر في النزاعات الإقليمية بناءً فقط على توجيهات إيرانية. بل إنهم يتخذون قراراتهم بناءً على اعتبارات داخلية وحساباتهم الاستراتيجية الخاصة بشأن بقائهم والسيطرة داخل اليمن.
لم يكن دخول الحوثيين في الحرب الأخيرة قرارًا متهورًا. بل تطور على مراحل؛ بعد أن أوقفوا هجماتهم على إسرائيل والشحن الدولي عقب اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 بشأن غزة، استأنف الحوثيون إطلاق الصواريخ الباليستية على إسرائيل في 28 مارس 2026، معلنين صراحة أنهم يدخلون الحرب دعمًا لإيران.
ومع ذلك، كان من الملحوظ أن الجماعة امتنعت عن استئناف الضربات على الشحن في البحر الأحمر لأسابيع. وقد فسر المراقبون ذلك على أنه هدنة تكتيكية، في انتظار إشارة إيرانية، فضلاً عن انعكاس رغبة الجماعة في الحفاظ على قوتها بدلاً من توزيعها عبر جبهات متعددة—خصوصًا بالنظر إلى انشغالها بالتهديدات الداخلية في جنوب اليمن وزيادة الوجود البحري الأمريكي في المنطقة.
ومع ذلك، تغير هذا النمط بشكل جذري في أوائل يونيو. في 8 يونيو، عقب تبادل مباشر لإطلاق النار بين طهران وتل أبيب، أعلن المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع عن حظر كامل على الشحن المرتبط بإسرائيل في البحر الأحمر، محددًا أي أصل إسرائيلي كهدف عسكري مشروع. وهددت الجماعة بتصعيد أكبر، مشيرة ضمنيًا إلى أنها تحتفظ بالخيار الاستراتيجي لإغلاق مضيق باب المندب في حال توسعت الحرب أو شاركت دول أخرى بشكل مباشر.
تكشف البيانات بوضوح عن طبيعة هذه التهديدات. انخفضت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى سبع عمليات فقط في 2025، مقارنةً بحوالي 150 في العام السابق. وعلى العكس، نفذت الجماعة 125 ضربة ضد أهداف داخل إسرائيل خلال الأشهر الـ 11 الأولى من 2025.
يعكس هذا التباين استراتيجية “ردع بالإنكار”—وهي استراتيجية أتقنها الحوثيون—حيث إن الهجوم على ناقلة واحدة يكفي لإجبار السفن الأخرى على تغيير مساراتها. وبالتالي، يتم قياس قوة الجماعة ليس بحجم ترسانتها بحد ذاتها، ولكن بقدرتها على الاستمرار في تشكيل تهديد حاسم.
لا شك أن الضربات الجوية المتعاقبة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدءًا من حملة “عملية را rough Rider” الأمريكية في عام 2025 وصولاً إلى العمليات المستهدفة ضد قيادة الحوثيين، قد أدت إلى تدهور قدراتهم، لكنها لم تقضِ عليهم. ومع ذلك، فإن الحركة تعاني من ضعف هيكلي يتمثل في اعتمادها على خطوط إمداد الأسلحة الإيرانية، مما يجعلها عرضة للخطر كلما زادت الضغوط على طهران.
ومع ذلك، يحتفظ الحوثيون برؤية إقليمية طموحة، ويسعون لتأمين دور قيادي محوري ضمن “محور المقاومة”. في الوقت نفسه، يدركون أن إهدار قوتهم العسكرية في مواجهة شاملة غير مدروسة قد يضعف من موقفهم التفاوضي والسياسي داخل اليمن، خاصة في ظل تصاعد الأزمة الاقتصادية والضغط العام.
نظرًا لهذه الحسابات، فإن مشاركة الحوثيين في الصراع الإقليمي تعتمد على توازن دقيق وحذر يوازن بين التزامهم الأيديولوجي بالقضية الفلسطينية والمحور الإيراني وبين الحاجة للحفاظ على موقفهم العسكري والسياسي المحلي في اليمن. تجعل هذه المعادلة المعقدة من الصعب على المجتمع الدولي التنبؤ بالخطوة التالية للجماعة، أو الاعتماد فقط على الضغط غير المباشر الذي تمارسه إيران.

حماية الأمن البحري بعد الحرب
لقد أعادت عدم الاستقرار في مضيق هرمز تشكيل الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية في العالم. أصبح البحر الأحمر، الذي يعد بالفعل ممرًا لحوالي 12% من التجارة العالمية وحوالي 15% من التجارة البحرية، بسرعة شريانًا بديلًا لصادرات النفط الخليجية بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز.
نتيجة لذلك، فإن أي تهديد إضافي لمضيق باب المندب عند مدخل البحر سيؤدي الآن إلى تأثير أكبر على أسواق الطاقة مقارنة بموجة الاضطرابات السابقة في 2023-2024. منذ أواخر عام 2023، اضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، مما أضاف حوالي 10 أيام إلى أوقات الرحلات وزاد من تكاليف الشحن بين آسيا وشمال أوروبا. وقد أسفر هذا التحول عن انخفاض قياسي بنسبة حوالي 65% في حركة المرور عبر باب المندب مقارنة بمستويات عام 2023، تزامنًا مع التوقف التام لعمليات الشحن في ميناء إيلات.
في هذا السياق، تطور الرد الدولي على التهديدات في البحر الأحمر من تدابير محدودة وعرضية إلى جهد أمني شامل ومؤسسي. بدءًا من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2722 في يناير 2024، الذي أدان الهجمات، وصولاً إلى سلسلة من الإحاطات الدولية على مدار عامي 2025 و2026، أصبحت القضية محورًا بارزًا على الأجندة الدولية.
لم يعد الرد الدولي مقتصرًا على الوجود العسكري الأمريكي؛ ففي فبراير 2024، أطلق الاتحاد الأوروبي “عملية أسبيديس”، وهي مهمة ذات تفويض دفاعي صريح تركز على حماية الملاحة البحرية ومرافقة السفن التجارية، مما عزز أمن الممر المائي كعنصر أساسي من عناصر الأمن الأوروبي والعالمي. وقد زادت هذه المخاطر مع ترك الحرب الإيرانية لكلا نقطتي الاختناق في المنطقة مكشوفة في آن واحد. ومع تعطل مضيق هرمز، أشار الحوثيون مرارًا إلى أن إغلاق باب المندب لا يزال مطروحًا، وهو تهديد جددوه بالتزامن مع التصعيد الأخير ضد المملكة العربية السعودية.
على الأرض، وفقًا لبيانات من المنظمة البحرية الدولية (IMO) وإدارة الملاحة البحرية الأمريكية، لم تكن هجمات الحوثيين مجرد استعراض رمزي، بل شكلت حملة منظمة وذات تأثير. وقد سجلت المنظمة البحرية الدولية 69 حادثة مؤكدة بحلول نوفمبر 2024، تلتها عدة هجمات كبيرة في عام 2025، استهدفت ناقلات تجارية رئيسية.
أشارت نشرة من إدارة الملاحة البحرية إلى أن الحوثيين نفذوا أكثر من 100 هجوم منفصل على السفن التجارية بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2025، مع تداعيات لأكثر من 60 دولة. استخدمت المجموعة ترسانة متنوعة تشمل الطائرات المسيرة الانتحارية، وزوارق الطائرات المسيرة، والغواصات، بالإضافة إلى الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، مما حول التهديد من إزعاج اقتصادي بسيط إلى خطر معقد على سلامة الملاحة البحرية العالمية واستقرار سلاسل الإمداد.
لقد أجبرت هذه التعقيدات الدول الإقليمية على اعتماد نهج سياسي متميز مدفوعًا بمصالحها الوطنية الخاصة. وقد عانت اقتصاد مصر ربما من أكثر التأثيرات دراماتيكية، حيث انخفضت إيرادات قناة السويس بنحو 60 في المئة في عام 2024.
ومع ذلك، ظلت القاهرة حذرة، حيث تعتبر حماية ممر الشحن مسألة غير قابلة للتفاوض تتعلق بالأمن القومي، وفي الوقت نفسه تتجنب أي تحالف عسكري مباشر قد يسحبها إلى صراعات إقليمية تتعارض مع استقرارها الداخلي. هذه الوضعية المعقدة تؤكد أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية يمكن حلها فقط من خلال الوسائل العسكرية أو الردع التقليدي؛ بل أصبحت مشكلة متعددة الأبعاد تتطلب تسويات سياسية شاملة تتقاطع فيها الديناميات الدولية مع المصالح الإقليمية.
هناك بُعد استراتيجي لكل هذا غالبًا ما يغفله المراقبون، على الرغم من شدته: وهو التكلفة البيئية. لقد زادت الاضطرابات في مضيق هرمز الضغط على مضيق باب المندب كمسار شحن بديل حيوي.
إن تزايد خطر التسربات الضخمة في المياه الحساسة بيئيًا للبحر الأحمر هو عامل حاسم في جدوى الممر على المدى الطويل. أي اضطراب أو هجوم هناك يمكن أن يحول المنطقة إلى كارثة بيئية متحركة، مع عواقب على الدول عبر الشرق الأوسط، وشبه الجزيرة العربية، وقرن إفريقيا. في الواقع، بسبب تياراته الدائرية التي تحبس المواد المسربة داخل مياهه، فإن البحر الأحمر معرض بشكل خاص للتداعيات المحتملة للهجمات على الناقلات.
لقد أظهرت الأحداث أن هذا الخطر بعيد كل البعد عن كونه افتراضيًا. مثال على ذلك هو الناقلة MV Rubymar المملوكة للمملكة المتحدة، التي هاجمها الحوثيون في مضيق باب المندب في أوائل عام 2024. غرقت بعد أسبوعين، حاملة معها حوالي 21,000 طن من سماد فوسفات الأمونيوم ومئات الأطنان من زيت الوقود الثقيل. وتركت وراءها بقعة زيت تمتد لعشرات الكيلومترات تهدد الشعاب المرجانية ومصائد الأسماك ومحطات التحلية.
بعد بضعة أشهر، هاجم الحوثيون الناقلة MT Sounion، وأشعلوا النار في حوالي 150,000 طن من النفط الخام. نجت المنطقة بصعوبة من كارثة بيئية، بفضل سحب السفينة بنجاح دون تسرب النفط. وبالمثل، كانت وحدة التخزين العائمة FSO Safer، الراسية قبالة شبه جزيرة رأس عيسى في البحر الأحمر اليمني والتي تحمل 1.1 مليون برميل من النفط، قنبلة موقوتة حتى قامت الأمم المتحدة بتفكيك التهديد من خلال عملية نقل معقدة في عام 2023. أي فشل في تلك العملية كان يمكن أن يدمر على الفور سبل عيش حوالي 200,000 شخص، ملوثًا الهواء عبر منطقة شاسعة. مثل هذه التكاليف ستتجاوز الحدود السياسية، مهددة الدول العربية والأفريقية الساحلية على حد سواء.
تهديد الأمن البحري بعد الحرب
في ظل هذا السياق العسكري والسياسي، تواجه اليمن تحديات هائلة تهدد وجودها كدولة. لا تزال الوضعية السياسية في حالة من الغموض بين الحرب والسلام، وسط تفكك مؤسسي عميق ومستمر ووجود مراكز قوى متعددة، كل منها مسلح ويؤكد سلطته الفعلية على الأرض.
تواجه الجهود المكثفة التي تبذلها الأمم المتحدة لتحويل الاستقرار الهش إلى سلام دائم عقبات بسبب تعنت الأطراف المتحاربة، ونقص الثقة، وتبعية صنع القرار اليمني للأجندات الإقليمية والدولية. يمتد هذا التفكك إلى معسكر مناهضة الحوثيين نفسه. تم عكس هجوم مدعوم من الإمارات في الجنوب في ديسمبر 2025 من قبل قوات الحكومة المدعومة من السعودية خلال أسابيع، مما أدى إلى طرد القوات الإماراتية المتبقية وانقسام التحالف الذي خاض الحرب ضد الحوثيين منذ عام 2015.
اقتصاديًا، دفعت اليمن ثمنًا باهظًا نتيجة سنوات من الحرب. انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 43 في المئة بين عامي 2015 و2024، بينما انهار الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد من 1,430 دولارًا في عام 2014 إلى 433 دولارًا فقط في عام 2024، وهو انخفاض دفع اليمن من كونها الدولة الأربعين الأكثر فقرًا في العالم قبل النزاع إلى الثالثة الأكثر فقرًا. تعاني البلاد من انقسام كارثي في المالية والنقد، يتجلى في وجود مصرفين مركزيين يتبعان سياسات متضاربة—أحدهما في صنعاء والآخر في عدن. هذا الأمر يزيد من تفاقم أسوأ أزمة إنسانية في العالم ويدفع نحو انهيار مستمر في قيمة الريال، مما يؤثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين.
أي محاولة جدية لإنعاش الاقتصاد ستتطلب بالضرورة إعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتوحيد سياساتها النقدية والمالية. وحتى التوقعات الأكثر تفاؤلاً تبقى هشة، حيث يعتمد النمو المتوقع بنسبة 2.5 في المئة سنويًا بحلول عام 2030 على نجاح المفاوضات السياسية، واستئناف صادرات النفط، وتدفق المساعدات الدولية، التي انخفضت بشكل ملحوظ مؤخرًا. ومع ذلك، يبدو أن الهدف نفسه بعيد المنال، نظرًا للحرب الاقتصادية المستمرة التي يشنها الحوثيون، والتي تهدف إلى تعزيز مواردهم الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني والجمهور العام.
علاوة على ذلك، سيتطلب إعادة بناء البنية التحتية الأساسية المدمرة في البلاد مليارات الدولارات ودهورًا من العمل. إن دور اليمن في المشهد الإقليمي الحالي يعني أنها لم تعد مجرد “فناء خلفي” للقوى الخارجية لتصفية حساباتها؛ بل أصبحت مركزًا رئيسيًا يؤثر بشكل مباشر على الأمن العالمي والديناميات الاقتصادية.
اليوم، مصير البلاد خاضع لثلاث معادلات متشابكة: حصار بحري يمكن أن يتم تفجيره أو تفكيكه من خلال المفاوضات بين طهران وواشنطن؛ حكومة معترف بها دولياً تعاني من انقسامات داخلية وصراع إقليمي على النفوذ؛ وأزمة إنسانية متفاقمة تفاقمت بفعل فجوة تمويل تتسع بسرعة.
تشير هذه الحقائق إلى أربعة سيناريوهات محتملة لليمن في المستقبل. الأول هو مسار من خفض التصعيد الهش، مشروطاً بتمسك مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب استئناف حركة المرور عبر مضيق هرمز. الثاني سيشهد عسكرتة مستدامة كـ “الوضع الطبيعي الجديد”، حيث تتكيف الشحنات الدولية مع واقع إعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح. أما السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، فسيتضمن انهيار التفاهمات الحالية، مما يؤدي إلى تصعيد وإغلاق متزامن لكلا المضيقين—وهو حدث سيؤدي إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة.
الاحتمال الأخير هو حدوث انفجار داخلي وتفكك عسكري للدولة، بغض النظر عن التطورات في الساحة البحرية. لقد جعلت الضربات على مطار صنعاء في 13 يوليو، والهجوم الحوثي على مطار أبها رداً على ذلك، وإعلان الجماعة عن انتهاء “مرحلة خفض التصعيد” في الحرب، من الوصول إلى خفض التصعيد الهش أمراً أكثر صعوبة، مما دفع الوضع نحو عسكرتة مستدامة وزيادة خطر انهيار التفاهمات الحالية تماماً.

توجيهات أمنية بحرية عملية ما بعد الحرب
وبالتالي، يجب على المجتمع الدولي أن يتحول بعيداً عن نهجه التقليدي تجاه الحوثيين. يجب ألا يُنظر إلى الجماعة بعد الآن على أنها مجرد وكيل إيراني، بل كفاعل محلي معقد وعملي له أجندة شبه مستقلة، مما يستلزم استراتيجية مزدوجة من الردع والتفاوض تستهدف حساباتهم الداخلية ومصالحهم المباشرة.
وهذا بدوره يتطلب أن يكون أي اتفاق إقليمي مستقبلي مرتبطاً بشرط صريح يحكم أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب دعم إنشاء إطار أمني مشترك وغير سياسي يوحد الدول العربية والأفريقية الساحلية، بدلاً من الاعتماد على تحالفات عشوائية أو عمليات مرافقة بحرية سلبية تفشل في تفكيك شبكات تهريب الأسلحة أو ردع القدرات الهجومية بشكل استباقي.
فيما يتعلق بالأمم المتحدة والعملية السياسية، يجب على المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ الاستفادة من الزخم الذي تم توليده من خلال اتفاقيات الإفراج عن الأسرى الأخيرة والدفع نحو الحوار حول القضية الجنوبية، لإنشاء إطار شامل يعالج الأسباب الجذرية للانقسامات الهيكلية داخل الدولة اليمنية. من الضروري أيضًا عزل المؤسسات الاقتصادية في اليمن – وعلى رأسها البنك المركزي – عن الصراع السياسي، وحماية استقلاليتها، وهو شرط مسبق للاستقرار المالي، مصحوبًا بحزم دعم دولية تخضع لآليات رقابة صارمة لضمان عدم تحويل الأموال لتمويل جهود الحرب.
فيما يتعلق بالإغاثة الإنسانية، يجب على المانحين سد الفجوة التمويلية غير المسبوقة وضمان ربط أي ضغط سياسي أو دبلوماسي بالإفراج غير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة المحتجزين لضمان وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

إن معالجة هذه التحديات الإنسانية ليست مجرد ضرورة داخلية؛ بل أصبحت ضرورة استراتيجية للأمن الإقليمي، نظرًا لضعف البنية الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وهذا أمر ذو صلة خاصة حيث تكشف التوترات في مضيق هرمز عن الترابط العميق بين الممرات البحرية وأمن الطاقة والتجارة الدولية.
في النهاية، فإن تحقيق تسوية سياسية مستدامة في اليمن من شأنه تعزيز استقرار الدول الإقليمية، وتقليل خطر انتشار الصراع، وتعزيز بيئة أكثر قدرة على تحمل الأزمات الجيوسياسية المستقبلية، مما يضمن الأمن البحري الدولي ويعزز آفاق التنمية والتكامل الاقتصادي الإقليمي.

