إعادة ضبط الاستراتيجية السعودية تمثل تحولاً عميقاً في كيفية تعامل الرياض مع ضغوط القوى الكبرى وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. مع تزايد الشكوك حول الالتزام طويل الأمد من واشنطن، لا تتخلى المملكة عن تحالفها ولكنها تعيد تشكيل شروط هذا الارتباط. سلسلة من التحركات السياسية – اتفاق نووي مدني مع الولايات المتحدة، وتنسيق تحالف أمني في البحر الأحمر – تكشف عن دفع متعمد لتضمين الشراكة الأمريكية السعودية ضمن عبء إقليمي مشترك.
لم تعد الرياض ترى نفسها كجهة مستفيدة سلبية من الحماية؛ بل تعمل كضامن نشط للاستقرار من الخليج إلى البحر الأحمر. التهديدات الملموسة – هجمات الحوثيين على البنية التحتية للطاقة، ضربات الميليشيات المرتبطة بإيران، التداعيات من غزة – تكشف عن نقاط ضعف لا يمكن أن تصلحها وضعية الاعتماد. الاتفاق النووي الذي تم توقيعه في أواخر يوليو يثبت عقوداً من الاعتماد التكنولوجي المتبادل ويشير إلى أن الرياض لا تزال ترى الشراكة الأمريكية السعودية كأمر لا يمكن استبداله.
في الوقت نفسه، تضع المملكة حدوداً سياسية صارمة، مصممة على أن التطبيع الإسرائيلي لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً للتعاون الأعمق. من خلال استضافة تحالف بحري مكون من 43 دولة وإجراء ضربات جوية مشتركة، تُظهر الرياض أن قيمتها لواشنطن تمتد إلى ما هو أبعد من أي معيار دبلوماسي واحد. تستخدم المملكة العربية السعودية وزنها الجغرافي والاقتصادي لتأمين شراكة تُعرف بمصالح متبادلة وقابلة للقياس بدلاً من المطالب العرضية.
الحسابات الاستراتيجية الجديدة للرياض
تشير سلسلة من التطورات التي تبدو غير مترابطة على مدار الأسبوع الماضي إلى هدف مشترك في السياسة الخارجية السعودية. تسعى الرياض إلى تحمل مسؤولية أكبر عن الأمن الإقليمي. لكنها ترغب أيضاً في تعزيز أهميتها للولايات المتحدة، في وقت تزداد فيه الشكوك حول الالتزام طويل الأمد لواشنطن تجاه الشرق الأوسط. يبرز الاتفاق النووي المدني الأخير مع الولايات المتحدة عمق التزامها بتلك الشراكة.
على مدار العقد الماضي، سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقليل تعرضها للصراعات في الشرق الأوسط بينما تشجع الشركاء الإقليميين مثل السعودية على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم الخاص.

لماذا تتولى الرياض القيادة؟
من المفارقات أن الحرب التي يشنها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران – والتي تتضمن أكبر انتشار للقوات الأمريكية منذ عام 1990 – هي التي دفعت الرياض لإعادة تقييم دورها في النظام الإقليمي. ترى المملكة العربية السعودية بشكل متزايد نفسها كمزود للأمن والاستقرار واستمرارية الاقتصاد.
هذا ليس مجرد استجابة لدعوات الرئيس ترامب لتقاسم الأعباء. لقد خلصت القيادة السعودية إلى أن البيئة الإقليمية تتطلب منها أن تلعب دورًا أكثر نشاطًا. التحدي بالنسبة للرياض لم يعد كيفية تأمين الحماية الأمريكية. بل هو كيفية حماية المصالح السعودية في منطقة لا يزال فيها الانخراط الأمريكي كبيرًا، لكنه أقل قابلية للتنبؤ مما كان عليه في الماضي.
كما عززت النزاعات الأخيرة المخاطر التي تطرحها الديناميكيات الإقليمية المتقلبة بشكل متزايد، بما في ذلك احتمال أن تؤدي أفعال من قبل إسرائيل أو إيران إلى زعزعة استقرار أوسع يؤثر مباشرة على المصالح السعودية.
الاتفاق النووي يعمق الشراكة الأمريكية السعودية
تساعد تلك الحسابات في تفسير الاتفاق النووي المدني الذي وقعته المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة في 22 يوليو. يمثل الاتفاق تتويجًا لسنوات من المفاوضات الصبورة من قبل الرياض، حيث استمرت في السعي للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن – بدلاً من موسكو أو بكين. لطالما اعتقدت المملكة أن التكنولوجيا الأمريكية والخبرة والاستثمار ستوفر أقوى أساس لطموحاتها.
يعزز الاتفاق العلاقة من خلال إنشاء إطار للتعاون طويل الأمد في مجال التكنولوجيا النووية المدنية، ويضع الشركات الأمريكية في موقع قيادي في البرنامج النووي السعودي. كما يظهر أن المملكة العربية السعودية لا تزال تعتبر الولايات المتحدة شريكها الاستراتيجي الرئيسي.
هل يمكن أن تنتظر التطبيع؟
ومع ذلك، بعد يوم واحد من توقيعه، سعى الرئيس ترامب لربط الموافقة على الاتفاق بانضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقات أبراهام – أي تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
لكن المملكة العربية السعودية حافظت باستمرار على أن العلاقات الرسمية مع إسرائيل تعتمد على تحقيق تقدم ملموس نحو إقامة دولة فلسطينية. وقد أصبح هذا الموقف أكثر صلابة بعد الحرب الوحشية في غزة والغضب الذي أثارته في جميع أنحاء العالم العربي. وقد أوضحت الرياض أنها لن تتخلى عن هذا الموقف.
تظل القضية غير محسومة، على الأقل في العلن. لكن خلف الكواليس، ترغب الرياض في التأكد من أن مسألة التطبيع مع إسرائيل لا تأتي لتظلل الأسس الأوسع لشراكتها مع واشنطن.
ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي محمد بن سلمان (MBS) يقدم، في الواقع، الحجة بأن مساهمة المملكة في الاستقرار الإقليمي والأمن الاقتصادي وجهود الأمن الجماعي تستحق التقدم في مجالات أخرى من العلاقة الثنائية دون الحاجة إلى شروط إضافية – وخاصة الشروط السياسية المستحيلة مثل الانضمام إلى اتفاقات إبراهيم.

البحر الأحمر في خطر
يظهر دور السعودية الأكثر نشاطًا في الأمن الإقليمي بالفعل في البحر الأحمر – الذي أصبح واحدًا من أهم وأضعف الممرات المائية في العالم.
لقد زادت الأزمة في مضيق هرمز من أهمية البحر الأحمر كطريق بديل لصادرات الطاقة والتجارة الدولية. لكن في الأيام الأخيرة، سعت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن إلى جر هذه المياه إلى الصراع الإقليمي الأوسع.
في 20 يوليو، أعلنت الحوثيون عن حصار للسفن المرتبطة بالسعودية التي تمر عبر مضيق باب المندب. وبعد أيام، ادعى الجماعة تنفيذ هجمات ضد ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر. في 25 يوليو، شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد منشآت أرامكو في جازان وينبع، مركز تصدير النفط الرئيسي للسعودية في البحر الأحمر.
لقد كشفت هذه التحركات عن ضعف كبير للمملكة والاقتصاد العالمي الأوسع، مما زاد من التكاليف لشحن البضائع التجارية وأثار المخاوف بشأن مرونة سلاسل الإمداد الدولية وأسواق الطاقة.

الشراكة الأمريكية السعودية تقود التحالف الأمني
قد زادت الحكومة السعودية من نشاطها. في 30 يوليو، عقدت وزارة الدفاع اجتماعًا لقادة عسكريين وممثلين من 43 دولة والاتحاد الأوروبي في الرياض لمناقشة إنشاء ائتلاف جديد للأمن البحري للدفاع عن حرية الملاحة في البحر الأحمر.
اقترحت المملكة استضافة مقر الائتلاف وتأمين دعم 14 دولة مشاركة. ربما يكون هذا أوضح مؤشر حتى الآن على أن المملكة مستعدة لتنسيق ردود جماعية على التحديات التي تؤثر على مصالحها الخاصة ومصالح المجتمع الدولي الأوسع. بينما تم تحفيز هذه المبادرة من خلال الأعمال الأخيرة للحوثيين، فإنها تعكس أيضًا اعترافًا سعوديًا أوسع: إن أمن البحر الأحمر ضروري لطموحات المملكة الاقتصادية ومصالحها الأمنية على المدى الطويل.
موقف سعودي أكثر حزمًا
تشير الضربات الجوية المشتركة بين السعودية والولايات المتحدة في 28 يوليو إلى نفس الاتجاه نحو دور أمني أكثر حزمًا. تم تنفيذ ضربات دقيقة ضد الجماعات المرتبطة بإيران في شرق العراق، بعد أن وجهت أكثر من 30 هجومًا بالطائرات المسيرة ضد البنية التحتية للطاقة السعودية والقوات الأمريكية على مدى 72 ساعة.

كانت العملية ملحوظة ليس فقط لأنها تمت بالتعاون مع واشنطن. بل كانت أيضًا لافتة لأنها تأتي في وقت سعت فيه السعودية عمومًا لتجنب العمل العسكري المباشر داخل العراق. في الواقع، قضت الرياض السنوات القليلة الماضية في تقليل التوترات مع طهران وليس لديها اهتمام كبير في مواجهة أوسع مع إيران. من خلال العمل جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة، أشارت الرياض إلى أن سعيها نحو خفض التصعيد الإقليمي لا يمنع استعدادها للرد عندما تتعرض مصالحها الأمنية للتحدي المباشر.
هناك أيضًا، بشكل ملحوظ، بُعد تنافسي في النشاط الأخير للسعودية. تدرك الرياض العلاقة الوثيقة بين إدارة ترامب والإمارات العربية المتحدة، التي قامت بالفعل بتطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام، مما يتماشى عن كثب مع هدف رئيسي للسياسة الأمريكية.
من خلال اتخاذ دور قيادي في القضايا التي تؤثر مباشرة على مصالح الولايات المتحدة، بما في ذلك الأمن الإقليمي، والأمن البحري، وتدفقات الطاقة، تُظهر الرياض أن قيمتها لواشنطن تستند إلى أساس أوسع بكثير من التجارة والاستثمار فقط.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن المملكة العربية السعودية تسعى لإعادة تعريف دورها ضمن النظام الإقليمي. لن تتخلى المملكة عن موقفها بشأن حق الفلسطينيين في إقامة دولة. كما أنها لن تبتعد عن واشنطن. بدلاً من ذلك، تُظهر أن لها قيمة حاسمة للولايات المتحدة تتجاوز مسألة التطبيع مع إسرائيل.
من خلال التعاون الأمني، وتقاسم الأعباء، وزيادة الاستعداد لمواجهة التحديات الإقليمية، تُقدم الرياض حجة لشراكة تُحددها المصالح المشتركة بدلاً من هدف سياسي واحد.

