لقد أصبح تراجع القوة الأمريكية سمة بارزة في التوجهات العالمية المعاصرة، حيث تتصادم استراتيجيات الاحتواء التقليدية بشكل متزايد مع شبكات المقاومة متعددة الأقطاب. يكشف هذا الاحتكاك الاستراتيجي بشكل مباشر عن حدود الإكراه الحركي، موضحًا لماذا يؤدي التوسع الهيكلي بشكل حتمي إلى تراجع عميق في القوة الأمريكية يعيد تشكيل تبعيات التحالفات العالمية. تُظهر التقييمات الواضحة للثغرات الهيكلية كيف تسرع الأخطاء التكتيكية المحددة من تآكل النفوذ الأحادي، مما يشير إلى انتقال نحو تفكك نظامي. في هذا المشهد المتغير، تُستبدل وهم الهيمنة المطلقة بواقع الاحتكاك اللامركزي، مما يفرض إعادة تقييم فورية وموضوعية للافتراضات الاستراتيجية عبر المسارح الرئيسية.
تقييم تراجع القوة الأمريكية
تُعتبر الموقف التحريري لصحيفة The Washington Post تجاه زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى الصين (13-15 مايو 2026) نقطة مرجعية مفيدة لتقييم اللحظة الدبلوماسية الأوسع. على الرغم من أنه لا يمكن تعريف الصحيفة بدقة كمنفذ معارض تحت ملكيتها الحالية، إلا أنها تواصل التعبير عن انتقادات عرضية تتماشى مع تقليدها الليبرالي. في تقييمها لقمة بكين، جادلت بأن الرئيس الصيني شي جين بينغ أظهر عدم احترام دبلوماسي واضح تجاه ترامب بينما يعزز من ادعاء الصين بالمساواة مع الولايات المتحدة. وقد وُصفت القمة بأنها “قمة غير مثيرة”، حيث لم تنتج شيئًا يتجاوز الحفاظ على الوضع الراهن وانتهت دون بيان مشترك.
تضع مناقشة تحليلية أوسع الزيارة في سياق الاضطرابات الناجمة عن الحرب المستمرة ضد إيران، التي أجلت الرحلة وعقدت التحضيرات. في هذا السياق، تُعتبر الحرب ضد إيران ليست صراعًا محليًا بل عاملًا يعيد تشكيل العلاقات القوية العالمية. يفسر بعض المحللين عواقبها كـ “لحظة السويس” محتمل، مستحضرين أزمة بريطانيا عام 1956 كاستعارة للتراجع الإمبراطوري والتوسع الاستراتيجي.

قياس التراجع الاستراتيجي في القوة الأمريكية
تستند الحجة حول الفشل الاستراتيجي الأمريكي في إيران على ثلاثة ادعاءات رئيسية. أولاً، لقد أساءت واشنطن مرارًا تقدير حدود القوة العسكرية، ولا سيما اعتمادها على الضربات الجوية كأداة رئيسية للضغط. ثانيًا، فشلت في تحقيق الأهداف الأساسية، سواء كان تغيير النظام أو الأهداف الأضيق لاحقًا المتمثلة في تقييد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. ثالثًا، امتدت آثار الحرب إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، مؤثرة على طرق الطاقة العالمية، واستقرار التحالفات، والتوازن الأوسع للقوة.
شملت الحملة العسكرية نفسها استخدام قوة واسعة، بما في ذلك ثلاث مجموعات ضاربة أمريكية ومشاركة منسقة من إسرائيل. على مدى حوالي 40 يومًا، استهدفت الضربات مسؤولين إيرانيين كبار، وبنية تحتية عسكرية، ومرافق نووية، ومواقع مرتبطة بالطاقة والمدنيين. ومع ذلك، تشير التقييمات المستندة إلى المعلومات الاستخباراتية إلى أن إيران احتفظت بمعظم قدراتها الصاروخية، واستعادت بسرعة القواعد الرئيسية بالقرب من مضيق هرمز، وأعادت تفعيل الكثير من بنيتها التحتية للإطلاق. الفجوة بين حجم القوة والأثر الاستراتيجي المحدود هي محور تفسير الفشل.

التحدي المرن يؤدي إلى تراجع القوة الأمريكية
تُقدم ثلاثة تفسيرات. الأول هو المبالغة في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة الجوية ضد دولة كبيرة ومرنة. الثاني هو فهم خاطئ للهيكل السياسي الداخلي الإيراني وديناميات المعارضة، التي تشكلت من خلال الاعتماد المفرط على التقييمات الاستخباراتية الخارجية. الثالث هو فعالية رد إيران، الذي أفاد بأنه ألحق ضررًا بالمواقع الأمريكية وحلفائها في المنطقة بينما زاد الضغط على طرق الملاحة البحرية في الخليج، ولا سيما مضيق هرمز.
تُقرأ قمة الولايات المتحدة والصين في هذا السياق كتعبير موازٍ عن تغير ظروف القوة. إنها تعكس ثلاثة افتراضات: أن الصين تُعامل الآن كمنافس نظير، وأن المواجهة تُستبدل بالتعايش التنافسي، وأن الأزمات غير المحلولة مثل إيران تشكل جزءًا من البيئة الاستراتيجية الأوسع.
تراجع القوة الأمريكية قيد الدراسة
اقتصاديًا، ركزت القمة على اختلالات التجارة المستمرة وقضايا مثل الذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة، والوصول إلى التكنولوجيا. ظهرت بعض التفاهمات المحدودة، بما في ذلك مشتريات الصين من طائرات بوينغ وزيادة الواردات الزراعية، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاقيات ملزمة بشأن التقنيات الاستراتيجية الأساسية.
في القضايا الجيوسياسية، كانت النتائج رمزية إلى حد كبير. أظهرت الصين استعداداً محدوداً للمشاركة في مناقشات الأسلحة النووية وتجنبت أي دور عملي في أوكرانيا. فيما يتعلق بإيران، أكدت على استقرار الملاحة البحرية دون إدانة طهران. بشأن تايوان، أعادت بكين تأكيد خطها الأحمر، بينما حافظت واشنطن على الغموض وأجلت قراراً كبيراً بشأن الأسلحة.

الحقائق الهيمنية في ظل تراجع القوة الأمريكية
إشارة شي جين بينغ إلى “فخ ثيوسيديدس” وضعت العلاقة في إطار يتطلب التعايش المدبر، ومع ذلك، ظلت الموقف العام للصين حذراً. يُفسر هذا التقييد بموقعها العسكري العالمي الأضعف نسبياً، وإرثها الأيديولوجي المناهض للإمبريالية المستمر، وترددها في تحمل أعباء التدخل الجيوسياسي النشط.
تشير السياقات الإقليمية الأوسع إلى أن جهود الولايات المتحدة وحلفائها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لم تحقق نتائج حاسمة، حيث لا تزال النزاعات في إيران والدول المجاورة غير محلولة. على الرغم من استمرار النقاشات حول إمكانية تقليص الوجود الأمريكي، تحتفظ الولايات المتحدة بمزايا واضحة في القوة العسكرية والتكنولوجية والمالية، بينما يبقى صعود الصين تدريجياً.
لهذه الأسباب، لا تمثل الوضعية لحظة “سُوِيز” حاسمة للولايات المتحدة. بدلاً من ذلك، تعكس فترة من التكيف الاستراتيجي حيث تتعرض الهيمنة الأمريكية للضغط ولكنها لم تُستبدل، وحيث لا توجد قوة فورية مهيأة لملء الفجوات الناشئة في النظام العالمي.

