تسلط المواجهة الاستراتيجية بين واشنطن وطهران الضوء على الحدود الهيكلية للضغط الأحادي في الاستراتيجية الكبرى المعاصرة. على الرغم من تطبيق أقصى العقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية المستهدفة، تواجه السياسة الخارجية الأمريكية حالة من الجمود الإيراني التي لا يمكن للقوة الصلبة وحدها حلها. تعتبر طهران المطالب الغربية بشأن تخصيب اليورانيوم، والشبكات الإقليمية بالوكالة، وتطوير الصواريخ الباليستية تهديدات وجودية لبقاء النظام بدلاً من كونها عناصر دبلوماسية قابلة للتفاوض.
نتيجة لذلك، يؤدي الضغط إلى احتكاك تكتيكي بدلاً من الامتثال الجذري. تفشل حملات الضغط الأحادي لأنها تعمل على افتراض خاطئ بأن الاضطراب الاقتصادي الشديد سيجبر على الاستسلام الفوري. بدلاً من ذلك، تتعمق عدم الاستقرار الإقليمي بينما تتكيف أجهزة الدولة من خلال شبكات التهرب وتحالفات تجارية بديلة. يتطلب حل الجمود الإيراني الحالي الانتقال من تدابير عقابية معزولة نحو استراتيجية تحالف دولي أوسع. يجب على واشنطن الانخراط مع القوى الخارجية الكبرى، وخاصة الصين، لتغيير الحسابات الاستراتيجية لطهران بشكل فعال. بدون تنسيق متعدد الأطراف يعالج الروابط الاقتصادية النظامية، ستستمر الدبلوماسية القسرية في إنتاج حالة من الجمود المستمر بدلاً من حلول أمنية دائمة.
تحليل الجمود الإيراني الحالي
يجب أن يكون واضحًا الآن أن السياسة الأمريكية تجاه إيران قد وصلت إلى طريق مسدود.
لا يمكن للولايات المتحدة تدمير جميع برامج إيران النووية بالقوة، أو قصفها حتى الاستسلام، أو هزيمتها اقتصاديًا.
تريد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن يعتقد الأمريكيون خلاف ذلك: لقد تم “تدمير” المواقع النووية الإيرانية، وتحطيم قوتها العسكرية، وسحق اقتصادها.
لماذا تفشل العقوبات في إسقاط طهران
يعتقد السيد ترامب نفسه أن الولايات المتحدة تفوز في صراعها مع إيران التي “لم يتبق منها سوى القليل من البلاد الآن”.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا: لقد تم تأجيل البرنامج النووي الإيراني فقط. لقد ضعفت قواتها التقليدية بشكل كبير، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا خطيرًا. وعلى الرغم من أن العقوبات الأمريكية قد أضرت بشدة باقتصاد إيران، إلا أنه من غير المرجح أن تؤدي إلى إسقاط نظام قضى عقودًا في تعلم كيفية التهرب منها أو تقليل آثارها.

لماذا تضمن المطالب الوجودية المقاومة
للتوضيح، فإن نهج السيد ترامب في الضغط على إيران وضعفها قبل المفاوضات منطقي تمامًا. لا أحد يريد أن يدخل خصمه المحادثات وهو يمتلك نفوذًا وثقة.
المشكلة هي أن طهران ترى في ذلك صراعًا وجوديًا. تطلب واشنطن من إيران التوقف عن تعطيل مضيق هرمز، والتخلي عن برنامجها النووي، وتقييد قدراتها العسكرية، وقطع العلاقات مع الميليشيات والجماعات الإرهابية في جميع أنحاء المنطقة. بالنسبة للنظام، فإن تلك المطالب – رغم أنها مشروعة في نظر الدول التي تحترم القانون – ليست تنازلات؛ بل هي انتحار سياسي.
هل يمكن أن تصلح صفقة مؤقتة أي شيء؟
لكن الخطر هنا هو الاستنتاج بأن الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هي قبول حدود الضغط الأمريكي ومحاولة التفاوض على صفقة أفضل قليلاً من الاتفاق الإطاري الغامض والمعيب الذي توصلت إليه الدولتان قبل عدة أشهر.
إذا فعل السيد ترامب ذلك، فقد يوقف القتال، ويستعيد حركة التجارة وحرية الملاحة، ويهدئ الأسواق العالمية – ولكن فقط مؤقتًا. لن ينهي ذلك البرنامج النووي الإيراني أو يقضي على أي من التهديدات التي يشكلها النظام على الأمن الدولي. إن صفقة لا تغير الوضع الراهن بشكل كبير ستؤجل المشكلة ببساطة وتعزز من موقف الإيرانيين.
ستكون طهران سعيدة بإبرام صفقة أخرى مع واشنطن إذا ضمنت بقاء النظام. لكنها ليست مهتمة بتغيير سياستها الخارجية التوسعية أو سياستها الداخلية القمعية.
الهروب من المأزق الإيراني الأحادي القاتل
الدرس، إذن، ليس أن على واشنطن أن تخفض طموحاتها وتقبل باتفاق آخر غير كامل يحافظ على النظام بينما يترك المخاطر الأعمق دون حل. بل إن على الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية غير المسبوقة ونفوذها السياسي، أن تعترف أخيراً بأنها لا تستطيع حل هذه المشكلة بمفردها. هذا هو الدرس الحقيقي من هذه المستنقع – درس فشلت واشنطن في الالتزام به في العراق، حيث تصرفت إلى حد كبير بمفردها، وحاولت القيام بكل شيء بنفسها وانتهى بها الأمر إلى كسر أكثر مما أصلحت.
بعض الشركاء العرب لواشنطن يشعرون بالقلق لأن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تكرر نفس الخطأ: التصرف دون استشارة ذات مغزى أو استراتيجية مشتركة. إنهم محاصرون في صراع لم يسعوا إليه وهم الآن أهداف لصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية.

تطبيق دروس الحرب الباردة على الاستراتيجية الحديثة
لقد تم الفوز بالحرب الباردة بشكل جماعي. كانت الولايات المتحدة ضرورية، لكنها كانت لا تزال بحاجة إلى حلفائها لاستغلال نقاط ضعف الاتحاد السوفيتي وتسريع انهياره. لم يكن بإمكانها النجاح بدون بريطانيا، فرنسا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، اليابان وآخرين.
إيران ليست الاتحاد السوفيتي، بالطبع، لكن منطق الضغط الجماعي لا يزال ينطبق. ستكون طهران أضعف بكثير بدون شريان الحياة الاقتصادي من الصين، وإلى حد أقل، دعم روسيا من الأسلحة والاستخبارات.
التواصل مع بكين لفرض تنازلات حقيقية
يجب أن تكون المفاوضات الحقيقية لواشنطن، إذن، مع بكين. يمكن أن تساعد الحلفاء الأوروبيون إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن الدبلوماسية التي تخدم مصلحة مشتركة. لكن الصين هي الفاعل الرئيسي الذي يجب تحفيزه. إذا قطعت بكين الدعم عن طهران، فلن يكون أمام الأخيرة خيار سوى تقديم تنازلات ذات مغزى.

السؤال، إذن، هو: ما هو الثمن الذي ستتعاون به بكين؟ هل قضية إيران ذات أولوية كافية لواشنطن لتقبل بسعر صيني قد يكون مرتفعاً؟
هناك طريقة واحدة فقط لمعرفة ذلك. يجب على السيد ترامب الاتصال بالرئيس شي جين بينغ، ولكن ليس قبل أن ينشئ جبهة موحدة مع الأصدقاء والحلفاء الدوليين. لقد حان الوقت لكي تعالج واشنطن مشكلة إيران ليس كمنافسة ثنائية مع طهران، بل كمشكلة عالمية تؤثر على الجميع.

