إعادة التوجه بين بيروت ودمشق بعد عقود من الهيمنة السورية والحرب عبر الحدود التي خاضتها حزب الله تخلق نافذة نادرة لـ إعادة تشكيل الشام كمنطقة اقتصادية ذات سيادة ومترابطة. إذا نجحت الحكومتان في هذا التحول، يمكنهما إعادة تشكيل الشام بعيدًا عن صراعات الوكلاء الإيرانيين نحو ممرات تجارية يقودها الخليج تربط أوروبا.
إعادة تشكيل الشام من خلال الروابط السيادية
كانت زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى الرئيس السوري أحمد الشعار في دمشق في وقت سابق من هذا الشهر أكثر من مجرد زيارة دبلوماسية مجاملة. لقد كانت بداية لما قد يصبح علاقة جديدة تمامًا بين الجارين بعد عقود من انعدام الثقة والهيمنة والصراع. كما تأتي في لحظة تمر فيها منطقة الشرق الأوسط بتغيرات جيوسياسية وجيواقتصادية عميقة.
على مدار نصف القرن الماضي، عانت سوريا ولبنان من علاقة غير مريحة وغالبًا ما كانت غير متكافئة. كانت الأنظمة البعثية و نظام الأسد في دمشق يشككون باستمرار في سيادة لبنان، ويدعمون الفاعلين غير الدوليين، ويسعون إلى تشكيل أو السيطرة على الحياة السياسية اللبنانية. كانت سوريا تتماشى أولاً مع الاتحاد السوفيتي ثم مع إيران، بينما كانت الحكومات اللبنانية المتعاقبة تكافح للحفاظ على علاقات وثيقة مع دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. خلال الحرب الأهلية السورية، عبرت حزب الله الحدود للقتال إلى جانب القوات الحكومية ضد المعارضة السورية.
يمثل سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد وظهور قيادات جديدة في دمشق وبيروت فرصة تاريخية. للمرة الأولى منذ عقود، تتماشى الدولتان بشكل عام ضمن نفس التحالف الجيوسياسي ويمكنهما إعادة بناء علاقتهما على أساس السيادة المتبادلة والاحترام. بشكل أوسع، يفتح هذا التغيير إمكانية إعادة دمج الشام في المنطقة الأوسع كمنطقة من الاتصال والتجارة والاستقرار بدلاً من كونها مصدرًا للصراع المزمن والتفكك.

لـ إعادة تشكيل الشام، ابدأ سياسيًا
المهمة الأولى والأهم هي سياسية. لبنان وسوريا يعيدان تعريف علاقتهما حول مبدأ أن كل دولة تحترم بالكامل استقلال الأخرى وسلامتها الإقليمية وحرية اتخاذ القرار.
بالنسبة لسوريا، يعني ذلك الاعتراف بأن لبنان المستقر والذاتي السيادة هو مكسب وليس تهديدًا أو مجالًا يجب السيطرة عليه. بالنسبة للبنان، يعني ذلك أخذ مسؤوليات السيادة على محمل الجد وإدارة العلاقات مع سوريا على أساس الدولة إلى دولة. بالنسبة لكلا البلدين، يتطلب ذلك التغلب على مرارة الماضي لبناء الثقة والتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
سلطت المناقشات في دمشق الضوء على اتساع الأجندة الثنائية. وجود وزراء مسؤولين عن الطاقة والنقل والاقتصاد أكد عزم الحكومتين على التركيز على القضايا العملية ذات الأهمية الوطنية الفورية.
تظل الأمن على طول الحدود اللبنانية السورية الطويلة أولوية. لدى كلا الحكومتين مصلحة قوية في كبح تهريب الأسلحة والمخدرات والوقود وغيرها من المهربات. كما أن تحديد الحدود بشكل كامل وتحديدها قد تأخر، بما في ذلك المناطق الحساسة مثل مزارع شبعا، التي وضعها له آثار على مفاوضات لبنان الحدودية مع إسرائيل. كما تتطلب القضايا الإنسانية والسياسية اهتمامًا، بما في ذلك مصير المعتقلين والمفقودين.

خطوات اقتصادية لـإعادة تشكيل الشام
التعاون الاقتصادي هو أيضًا محور مركزي في أجندتهما الثنائية. هناك مصلحة مشتركة في تبسيط إجراءات الجمارك، وإحياء التبادلات التجارية، والتنسيق في مجالات الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والتجارة. يمكن أن يؤدي استعادة هذه الروابط العملية إلى تحقيق فوائد كبيرة لكلا البلدين ويساعد في وضع أسس للتكامل الإقليمي الأوسع.
كان لبنان وسوريا تاريخيًا جزءًا من نظام اقتصادي واحد. خلال الفترة العثمانية المتأخرة وحتى فترة الانتداب وبدايات الاستقلال، كانت الدولتان متكاملتين من خلال الأسواق المشتركة، وشبكات النقل، والبنية التحتية الاستراتيجية.
كانت هناك خطوط أنابيب رئيسية تربط المنطقة بإمدادات الطاقة من الخليج. كانت هناك خط أنابيب ينقل النفط من كركوك في العراق عبر سوريا إلى بانياس على الساحل السوري وطرابلس على الساحل اللبناني. وكان هناك خط أنابيب آخر ينقل النفط من أبقيق في السعودية عبر الأردن وسوريا (بما في ذلك مرتفعات الجولان) إلى الزهراني بالقرب من صيدا على الساحل اللبناني الجنوبي. كانت بيروت وطرابلس بمثابة موانئ رئيسية لسوريا والعمق العربي الأعمق.
اليوم، تعود هذه المنطق التاريخي للظهور. تستثمر دول الخليج في ممرات جديدة للنقل والرقمنة والتجارة والطاقة عبر سوريا والأردن، تربط شبه الجزيرة العربية بالشام وتركيا والبحر الأبيض المتوسط الشرقي وأوروبا. لقد عززت الهشاشة الاستراتيجية لمضيق هرمز – التي أبرزتها التوترات الإقليمية الأخيرة – أهمية الطرق البرية إلى الشمال الغربي. يمكن أن تكون لبنان جزءًا من هذه إعادة التكامل الإقليمي ويجب أن تكون كذلك.
إعادة تشكيل الشام رغم التوترات مع إسرائيل
البعد الرابع والحساس للغاية في العلاقات اللبنانية السورية يتعلق بإسرائيل. لا تزال كل من لبنان وسوريا في حالة صراع مع إسرائيل، وكلاهما يواجه الاحتلال الإسرائيلي حاليًا. في الوقت نفسه، دخلت كل منهما في مفاوضات مباشرة تهدف إلى التوصل إلى ترتيبات أمنية دائمة ووقف دائم للأعمال العدائية. قد يكون السلام بعيد المنال في الأفق الحالي، لكنه احتمال على المدى الطويل.
تخلق هذه المسارات الدبلوماسية المتوازية فرصًا ومخاطر. من شأن التنسيق الأقرب بين بيروت ودمشق أن يعزز مواقعهما التفاوضية مع إسرائيل والولايات المتحدة، ويساعد في الحفاظ على الدعم العربي ويقلل من احتمال أن تؤدي مفاوضات إحدى الدول إلى تقويض مصالح الأخرى.
ومع ذلك، تختلف التحديات بشكل كبير. يجب على سوريا معالجة القضية المستمرة لضم إسرائيل لمرتفعات الجولان. تواجه لبنان التحدي الصعب المتمثل في عكس احتلال إسرائيلي جديد ومتوسع وإعادة تأسيس سيادة الدولة على القوة المسلحة المدعومة من إيران، حزب الله.
هناك أيضًا قلق استراتيجي أوسع. تعتبر إسرائيل الحكومة اللبنانية الحالية شريكًا محتملاً عمليًا، بينما تشك بشدة في القيادة الجديدة في سوريا وعلاقاتها مع تركيا. يجب على كل من بيروت ودمشق تجنب الانجرار إلى تحالفات إقليمية متنافسة أو أجندات خارجية قد تضعهما ضد بعضهما البعض.

كيف يمكن للقوى الخارجية أن تعيد تشكيل الشام
يجب دعم تطبيع العلاقات اللبنانية السورية بقوة من قبل دول الخليج، والعالم العربي الأوسع، وتركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة.
ستعزز العلاقة المستقرة والتعاونية بين بيروت ودمشق الأمن والازدهار لكلا البلدين. كما ستساعد في إعادة دمج الشام في النظام العربي والشرقي المتوسطي الأوسع بعد أكثر من نصف قرن من الانقسام والتفكك الجيوسياسي.
تمتلك الجهات الفاعلة الإقليمية المختلفة آراء متباينة حول القيادة الجديدة في سوريا، لكن يجب ألا تدع هذه الآراء تعيق تعزيز الروابط اللبنانية السورية. إن الضرورة الاستراتيجية واضحة: يجب تثبيت لبنان وسوريا ضمن إطار إقليمي بناء قائم على السيادة، والترابط، والتعاون بدلاً من الصراع بالوكالة والتنافس الإيديولوجي.
على مدى عقود، كانت لبنان وسوريا مرتبطتين بالجغرافيا ولكن مفصولتين بالقوة، وانعدام الثقة، والتحالفات الإقليمية المتنافسة. اليوم، أمام كلا البلدين فرصة لتحويل تاريخ صعب إلى شراكة أكثر توازنًا ومفيدة للطرفين.
إذا تمكنت بيروت ودمشق من إعادة بناء علاقتهما على أسس السيادة، وحل القضايا الثنائية العالقة، وإعادة الاتصال اقتصاديًا، والتنسيق بحكمة في الدبلوماسية الإقليمية، يمكنهما المساعدة في تحويل الشام من منطقة عدم استقرار مزمن إلى ممر للتجارة والطاقة والترابط يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط الشرقي وأوروبا.
لن يقتصر نجاح هذه الجهود على benefiting بيروت ودمشق فقط. بل سيساهم في ظهور شرق أوسط أكثر استقرارًا وتكاملًا وازدهارًا في لحظة تبحث فيها المنطقة عن نظام استراتيجي جديد.

