لقد كشفت أعمال العنف المنهجية في غزة بشكل أساسي عن التطبيق الانتقائي لحقوق الإنسان في الديمقراطية الغربية، مما أظهر أن التسامح هو امتياز مشروط بدلاً من كونه مبدأ عالمياً. الدول الغربية التي كانت تعظ العالم بقيم الديمقراطية تستخدم الآن أجهزة الدولة لقمع التضامن مع الفلسطينيين، مما يثبت أن إبادة غزة تعمل كاختبار نهائي للحرية الحقيقية. تكشف هذه الإبادة في غزة الحقيقة القاسية أنه عندما تتصادم المصالح السياسية الأساسية مع الأخلاقيات المعلنة، تنهار الأخيرة دون مقاومة.
إبادة غزة ككشف للديمقراطية الغربية
على مدى عقود، قدمت الديمقراطيات الغربية نفسها كمعيار ذهبي للحكم المثالي والتسامح؛ كـ “منارات الأمل” اللامعة التي كان من المتوقع أن يتبعها بقية العالم. لكن إبادة غزة قد مزقت تلك الواجهة. ما شهدناه على مدار العامين الماضيين ليس انعكاساً للديمقراطية بل إهانة لها. ما رأيناه ليس حماية لحقوق الإنسان بل أنماط من العنصرية وعدم التسامح.
عار هولندا يكشف نفاق إبادة غزة
قليلة هي الحوادث التي كشفت هذا النفاق بوحشية مثلما حدث في هولندا في 19 مايو. استجابت الشرطة الهولندية لاضطراب في مركز طالبي اللجوء في زايست. كان لاجئ فلسطيني، ويسام مقداد، قد حطم التلفاز والثلاجة وباب غرفته بعد أن علم بمقتل شقيقه في غزة، ومع ذلك، استسلم دون مقاومة.
ما حدث بعد ذلك صدم العالم. عندما حاولت زوجته—الحامل في شهرها التاسع—الاستفسار عن حالته وسؤال ما إذا كان بإمكانها البقاء بجانبه، اقترب منها ضابط مع كلب شرطة، وأبعدها عن زوجها، ورماها بعنف على الأرض. أظهرت اللقطات، التي انتشرت بشكل واسع في 29 مايو، امرأة حامل بشكل واضح تُجر وتُلقى على أرض مركز اللجوء.
كانت استجابة السلطات الهولندية في البداية الإنكار. وفقاً للضحية، حاول المسؤولون إنكار الحادث تماماً، مدعين أنه لا توجد سجلات تدعم روايتهم. ثم ادعت الشرطة أنهم كانوا يستجيبون لتهديد يتعلق بسكين—اتهامات لم يتم التحقق منها، ولا توجد تسجيلات قبل الاعتقال تدعم كذبهم.
فقط عندما تسرب الفيديو إلى وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت الحقيقة. كانت الضحايا ممتثلات تمامًا. كان الزوج على ركبتيه ويداه خلف ظهره. لم يكن هناك تهديد. لم يكن هناك مبرر للوحشية ضد امرأة حامل كانت “جريمتها” الوحيدة هي رغبتها في البقاء مع زوجها المحتجز. أنجبت المرأة لاحقًا، ونجت كل من الأم والطفل – وهو معجزة بالنظر إلى العنف الذي تعرضت له.
نمط منهجي من الإبادة الجماعية في غزة
ما حدث في هولندا لم يكن تفشيًا معزولًا من وحشية الشرطة. كان أحدث – وأكثرها بشاعة – مثال على عدم التسامح المنهجي تجاه المهاجرين الذين كانوا يعتقدون يومًا أنهم وصلوا إلى أرض الحرية والتسامح واحترام حقوق الإنسان، وعند إضافة البعد الفلسطيني إلى الحادث، فإنه يمثل أيضًا قمعًا لأي شخص يجرؤ على التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني أو انتقاد ممارسات إسرائيل الإبادة الجماعية.
في ألمانيا، كان القمع لا هوادة فيه وواسع النطاق. منذ 7 أكتوبر 2023، فرضت السلطات الألمانية قمعًا داخليًا شاملاً على التضامن مع فلسطين بالتزامن مع الدعم السياسي الحكومي لإبادة غزة. في عام 2025 وحده، أفادت شرطة برلين بتسجيل ما يقرب من 9,000 تهمة جنائية مرتبطة بالاحتجاجات المؤيدة لفلسطين. كان المشاركون في هذه الأنشطة التضامنية يتعرضون باستمرار لوحشية شرطة شديدة، بما في ذلك الاحتجاز الجماعي، ورش الفلفل، والضرب، والخنق.
في فرنسا، كانت الوضعية مقلقة بنفس القدر. غالبًا ما تحدث الفعاليات المؤيدة لفلسطين تحت حضور شرطي كثيف، حيث تُعتبر تهديدًا بدلاً من كونها حقًا مشروعًا في حرية التعبير. في أواخر أبريل 2025، بدأ وزير الداخلية الفرنسي إجراءات لحل مجموعة “أورجانس فلسطين”، واحدة من أكثر المجموعات المؤيدة لفلسطين وضوحًا ونشاطًا في البلاد، على أسس لا أساس لها من الصحة بأن المجموعة تؤيد الإرهاب.هذه ليست حوادث معزولة؛ بل هي نمط منهجي.
إبادة غزة تزيل الادعاءات الأخلاقية
لقد فعلت إبادة غزة ما لم تستطع عقود من النقد القيام به: لقد أزالت الادعاءات الأخلاقية للديمقراطية الغربية. الحكومات نفسها التي تلقي المحاضرات للعالم حول حقوق الإنسان أصبحت مختبرات لتجريم التضامن مع فلسطين. نفس الدول التي تدافع بشكل نفاقي عن حرية التعبير في الداخل قد حظرت الشعارات، وألغت الفعاليات الأكاديمية، واعتقلت الطلاب بسبب التعبير عن آرائهم السياسية.
أصدر تقرير في أكتوبر 2025 عن الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) ومقرها باريس تحذيراً بأن القمع “يكشف عن أزمة عميقة: ليست فقط في حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، بل في الحرية نفسها في المجتمعات التي تدعي أنها ديمقراطية.”
ورقة التين الساقطة من جريمة الإبادة في غزة
بالنسبة لي، لم تكن هذه الحقيقة صادمة. لا زلت أتذكر كيف أطاحت الحكومات الغربية بالحكومات المنتخبة في المنطقة وخارجها في الماضي القريب. أتذكر المعايير المزدوجة تجاه فلسطين لعقود. الفرق الوحيد هو أن الوحشية تُبث الآن مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي ليشاهدها العالم بأسره.
لقد كشفت جريمة الإبادة في غزة الحقيقة أن الديمقراطية الغربية ليست معياراً عالمياً للحرية – بل هي أداة انتقائية تُطبق عندما تكون مريحة، وتُعلق عندما تتعارض مع مصالح كيان إجرامي. نفس أوروبا التي فرضت عقوبات على روسيا بسبب صراعها مع أوكرانيا، تظل صامتة بينما يُقتل الآلاف من الأطفال والنساء في غزة.
أما بالنسبة لضابط الشرطة الهولندي الذي ألقى بامرأة حامل على الأرض، فسوف تحقق سلطاته، وقد يعيدونه إلى مكان آخر، وقد يصدرون بياناً حول “اتباع الإجراءات.” لكن النظام الذي مكنه، وبرر له، ثم حاول إنكار أفعاله سيبقى سليماً، تماماً كما سمح هذا النظام للشرطة بقمع حرية التعبير تضامناً مع فلسطين.

