الصراع الجيلي في العراق يتغير. لم يعد مرتبطًا بصراع الطبقة السياسية على السلطة والغنائم. بينما هذه الطبقة مشغولة بإدارة انتقال، تتشكل جيل جديد: جيل ما بعد “انتفاضة أكتوبر”. تسعى النخبة للحفاظ على السلطة والثروة من خلال شبكات المحسوبية، وترتبط أهميتها بالأداء الانتخابي.
هذا الجيل الجديد، مثل غيره في أماكن أخرى، لم ينتج قيادة واضحة. إنه بطبيعته غير هرمي وأفقي. يتكون من مجموعات صغيرة تتحرك بشكل منفصل. ينتظرون محفزًا يجمعهم، مما يحد من قدرة السلطات على احتوائهم. تساعدهم هذه الطريقة في العمل على التحمل، مما يسمح لهم باستئناف الاحتجاجات عندما تتقارب الظروف والإرادات.
ما كشفته 2019
هذا ما حدث في 2019 مع جيل “انتفاضة أكتوبر”. كان رد فعل على فشل النظام بعد 2003 وكشف أزمته الجيلية.
في 2019، أساء النظام السياسي قراءة التغيير الاجتماعي. فشل في ملاحظة أن الشباب لم يصلوا إلى سن الرشد سياسيًا مع إعطاء الأولوية للامتيازات والسلطة. في ذلك الوقت، كان النظام في ذروة قوته، مع وجود فاعلين إقليميين ودوليين يرسخون استقراره. ومع ذلك، اصطدم بحركة شبابية تعلن عن وعي جماعي مختلف، وتؤمن بأفكار وديناميكيات مختلفة. وقد طرحت مطالب واضحة للتغيير.
في المدى القصير، سعت إلى إسقاط الحكومة. على المدى الطويل، كانت تهدف إلى إعادة تشكيل النظام لبناء دولة حقيقية وإنهاء الهيمنة الطائفية. كان ذلك سيتطلب عملية طويلة من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية. اختارت السلطات المواجهة بدلاً من الحوار.
نظام في أضعف حالاته
اليوم، السلطات، تحت ضغط إقليمي ودولي، في أضعف حالاتها. يمكن أن يتوقف مستقبلهم على “تغريدة” واحدة، وتجاهل هذه التهديدات قد يكون له عواقب كبيرة على النظام السياسي بأسره. قبول هذه الحقيقة من شأنه أن يقوض مزاعمهم بالسيادة، لكن السلطات لا تزال مشغولة بالمنافسة التافهة والصراعات الجيلية. يختبئون وراء براغماتية خشنة لحماية سلطتهم وثروتهم.
تشكيل الجيل الجديد
في الوقت نفسه، يتشكل جيل سياسي جديد، جيل ما بعد “انتفاضة أكتوبر”. يستمد من الجيل السابق ومن شارك في احتجاجات 2019 قبل بضع سنوات. يتنافس من خلال التعبئة الأفقية والحركة، مدمجًا بشكل غريزي العمل السياسي بالطاقة الجماعية. لقد تعلم من التجارب السابقة. إذا لم يتمكن من الإطاحة بالنظام أو فرض التغيير، فإنه لا يزال قادرًا على استنزافه وإضعافه.
تحد الظروف الحالية أيضًا من قدرات النظام القمعية، مما يحد من خياراته لاحتواء هذه الموجة. هذا الجيل أكثر مرونة، ومرونته تمنحه حيوية سياسية واجتماعية. الجانب الآخر يفتقر إلى الحيوية.
الخوف كقوة إبداعية
كما كتب الصحفي العراقي علي السراي في الشرق الأوسط، يتبع الجيل الجديد “الواقعية والخوف. الخوف إبداعي، وليس معطلًا. عبقرية الخوف التي تتحول إلى شجاعة صبورة. هذا ليس نموذجًا معتادًا في المجتمع العراقي. من المحتمل أننا نعيش لحظة من التحول الاجتماعي، وسيتجلى ذلك سياسيًا في المستقبل القريب.”
ما يسميه السراي بالخوف يمكن فهمه على أنه انتباه لشيئين. الأول هو السلامة الشخصية، والثاني، سلامة المشروع نفسه. هذه الحذر ضروري بسبب كيفية عمل السلطات. في الوقت نفسه، يتكيف هذا الجيل بسرعة مع الحقائق المتغيرة. يمكنه جذب المؤيدين واتخاذ المبادرة السياسية. على الأرض، يتحول هذا إلى تعبئة شعبية.
وعي سياسي راديكالي
لم يستوعب النظام الذي تلا عام 2003 هذه المعضلة. لقد دفعه نهجه الخاطئ نحو المواجهة. في الوقت نفسه، تتبلور الوعي السياسي بين جيل ما بعد “انتفاضة أكتوبر”، الذي يمكن وصفه بالراديكالي. يعبّر الباحث العراقي في المعهد الوطني الفرنسي هشام داود عن ذلك بالقول: “ليست الظواهر الجيلية هي التي تنتج السياسة. بل إن السياسة، في لحظات التنافس والمرارة، تعيد تفسير هذه الظواهر. إنها تحولها إلى أدوات للصراع، أو وسائل للصعود، أو آليات للإقصاء.”
المواجهة أو التسوية
وبناءً عليه، يوجد خط صدع زلزالي بين التغيير الجيلي داخل النظام وجيل ما بعد “انتفاضة أكتوبر”. قد تتبع مواجهة كبرى أو تسوية عظيمة. يمكن أن يؤدي أي منهما إلى تحولات جديدة، وقد تكون غير متوقعة مثل تلك التي حدثت من قبل.

