في ظل وعود بقيمة 17 مليار دولار ووقف إطلاق نار هش، تراقب المنطقة ما إذا كانت إعادة الإعمار يمكن أن تتجاوز السياسة وتحقق تغييرًا حقيقيًا.
يعتبر إطلاق ما يسمى بـ “مجلس السلام” تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطارًا جديدًا لإدارة ملف غزة. وقد يمتد هذا الإطار إلى ما هو أبعد من ذلك. تعتبر مؤتمر المانحين محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة تحت مظلة دولية يقودها مباشرة الولايات المتحدة.
تعتبر إسرائيل المجلس فرصة لكسر ما تراه دائرة مفرغة من المبادرات غير المجدية. وقد وصفت خطة ترامب بأنها “الأولى التي تتناول الجذور”، مما يعكس أولوية مختلفة: الأمن أولاً، ثم إعادة الإعمار، ثم السياسة. ومع ذلك، فإن هذا الترتيب نفسه يمثل مشكلة عميقة؛ فمن الصعب عمليًا فصل إعادة الإعمار عن السياق السياسي، تمامًا كما أنه من الصعب تأمين الأمن دون أفق سياسي واضح ومقبول للأطراف المعنية. يصبح الأمن دون حل سياسي مجرد هدنة مؤقتة، وإعادة الإعمار دون مرجع سياسي قد تعيد ببساطة إنتاج أسباب الانفجار.
الأرقام التي ظهرت من الاجتماع مثيرة للدهشة سياسيًا. تم الإعلان عن تخصيص 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة، بما في ذلك 10 مليارات دولار تعهدت بها واشنطن من خلال المجلس، إلى جانب مساهمات من دول عربية وآسيوية. ومع ذلك، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن تكلفة إعادة بناء القطاع قد تصل إلى حوالي 70 مليار دولار، بعد أن أثر الدمار على معظم البنية التحتية. الفجوة بين هذين الرقمين لا تبرز فقط نقص التمويل ولكن تعكس أيضًا تحديًا أعمق: هل المجلس هو بداية عملية طويلة متعددة المراحل، أم مبادرة سياسية سريعة تهدف إلى تحقيق إنجاز رمزي؟
أكثر أهمية من حجم الأموال هو آلية إدارتها. من سيشرف على الإنفاق؟ من سيضمن الشفافية؟ ومن سيمنع مشاريع إعادة الإعمار من التحول إلى ساحة جديدة من المنافسة السياسية والأمنية؟ على الأرض، على الرغم من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لا تزال الحالة هشة. تشير التوترات المستمرة والتقارير عن تعزيز حماس لنفوذها الإداري والمالي إلى أن السلطة الفعلية داخل القطاع لم تُحسم بعد. في مثل هذا البيئة، يصبح السؤال الأساسي: من يدير المرحلة الانتقالية، ومن يملك القرار النهائي؟
لم يقتصر المجلس على مناقشة إعادة الإعمار؛ بل تم اقتراح فكرة “قوة دولية للاستقرار” وإنشاء هياكل انتقالية متعددة لإدارة غزة – بما في ذلك مجلس تنفيذي، ولجنة وطنية، وإطار تنظيمي. قد يبدو هذا الهندسة المؤسسية طموحة لكنها تثير أسئلة حساسة حول السيادة والتمثيل الفلسطيني، خاصة في ظل غياب وجود فلسطيني رسمي واضح في الاجتماع. ستظل أي عملية انتقالية لا تشمل تمثيلًا فلسطينيًا فعالًا وشرعيًا عرضة للشك، بغض النظر عن مستوى الدعم الدولي.
إقليميًا، فإن مشاركة بعض الدول العربية في التمويل تعتبر مفاجئة إلى حد ما. بينما يمنح المساهمة المالية مقعدًا على طاولة اتخاذ القرار، فإنها تتضمن أيضًا مسؤولية سياسية وأخلاقية عن نتائج العملية. إذا تعثرت الخطة أو كانت تفتقر إلى الشفافية، فقد تصبح المشاركة عبئًا داخليًا. بعض الدول الأوروبية اكتفت بدور المراقب لهذا السبب، بينما أكدت قوى دولية أخرى على أهمية عدم تجاوز الأمم المتحدة، مما يعكس الحذر من إنشاء منصة موازية قد تضعف النظام الدولي متعدد الأطراف.
في جوهرها، فإن “مجلس السلام” ليس مجرد آلية تمويل، بل هو محاولة لإعادة تعريف معادلة إدارة غزة: من يقود، من يراقب، ومن يقرر. لن يتم قياس نجاحه من خلال البيانات الختامية أو حجم التعهدات، بل من خلال قدرته على إنتاج نتائج ملموسة بسرعة—إعادة بناء المدارس، تشغيل المستشفيات، استعادة الكهرباء إلى المنازل. سكان غزة لن ينتظروا طويلاً للمناقشات القانونية أو المؤسسية؛ الفجوة بين الإعلان والتنفيذ يمكن أن تكون قاتلة سياسيًا.
السؤال الذي سيحدد مصير المجلس هو ما إذا كان سيبقى إطارًا للرقابة المالية أو سيتطور ليصبح سلطة سياسية عليا لإدارة المرحلة الانتقالية بأكملها. إذا كان الهدف حقًا هو كسر دورة “إدارة الأزمات”، فيجب أن يتناول الجذور السياسية للصراع، وليس مجرد إعادة ترتيب الأولويات. لقد أظهرت التجارب السابقة في المنطقة أن إعادة الإعمار يمكن أن تصلح البنية التحتية، لكنها لا تستطيع حل المعضلة السياسية إذا تركت دون معالجة.
بين الطموح الكبير والواقع الأرضي الهش، يواجه “مجلس السلام” اختبارًا مبكرًا. قد يصبح بداية طريق جديد يعيد تعريف إدارة الصراع بوضوح وشفافية وشراكة حقيقية، أو قد يتحول إلى فصل آخر في تاريخ طويل من المبادرات التي اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا بكثير من النوايا. في منطقة لا يمكنها تحمل مصدر توتر إضافي، سيكون الحكم النهائي مبنيًا على ما يحدث على الأرض، وليس على ما يُقال خلف الأبواب المغلقة.

