في لبنان، يكفي أن يرتفع سعر برميل النفط، أو يظهر اسم مضيق هرمز في الأخبار، حتى تبدأ حالة من القلق في الأسواق، ومحطات الوقود، وسجلات الأسر.
بينما يرى العالم مضيق هرمز كأحد الشرايين الحيوية للطاقة العالمية، يعتبر اللبنانيون أن إغلاقه قد يكون بوابة محتملة لموجة جديدة من ارتفاع الأسعار التي قد تؤثر على كل شيء: البنزين، الكهرباء، الغذاء، وحتى القدرة على التحمل.
عاد اسم “هرمز” إلى الواجهة بعد أن أعلنت طهران، في 2 مارس، أنها ستغلقه ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدفه. ثم، في 12 أبريل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن ستبدأ فرض حصار بحري على المضيق، متهمًا إيران بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بإعادة فتحه، بعد تعثر المحادثات بين الجانبين الأمريكي والإيراني في إسلام آباد.
على الرغم من أن المواجهة تبدو بعيدة جغرافيًا، إلا أن تداعياتها الاقتصادية وصلت بسرعة إلى لبنان، الذي يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم—مما زاد من مخاوف الجمهور من ضغوط معيشية جديدة.
شريان العالم يختنق لبنان
يمر حوالي 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحريًا عبر مضيق هرمز، إلى جانب كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال والمواد الخام المستخدمة في الصناعة والزراعة.
أي اضطراب في هذا الممر لا يعني فقط ارتفاع أسعار الطاقة. وفقًا للاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، فإنه يؤدي إلى سلسلة من العواقب: زيادة تكاليف الشحن، وارتفاع أسعار التأمين البحري، وتعطيل سلاسل الإمداد، ثم تسرب ذلك إلى أسعار السلع الأساسية.
في بلد يستورد معظم احتياجاته، يصبح لبنان من أكثر الدول تأثرًا بأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
قال عجاقة لقناة الحرة إن “الاقتصادات الهشة ستكون الأكثر تأثرًا، وأولها لبنان، حيث لا توجد هوامش مالية أو احتياطيات كافية لامتصاص الصدمات.”
وحذر من أن لبنان “سيدخل بسرعة في موجة من التضخم المستورد، مع المواطنين كأضعف حلقة.”
مشروعتان… وصدمة ثالثة
في معظم الدول، يشكو المواطنون من فاتورة كهرباء واحدة. في لبنان، يدفع الناس فاتورتين: واحدة لـ Electricité du Liban، وأخرى للمولدات الخاصة التي أصبحت المصدر الرئيسي للطاقة وسط انقطاع الكهرباء المزمن.
مع كل زيادة في أسعار الديزل، تتضاعف الأعباء على الأسر اللبنانية بسرعة.
يقول عبده سعادة، رئيس جمعية مالكي المولدات الخاصة، إن القطاع بدأ بالفعل يشعر بتأثيرات التوترات الأخيرة، مع ارتفاع أسعار الديزل والزيوت والفلاتر وقطع الغيار.
ويشرح أن سعر الطن من الديزل ارتفع من حوالي 700 دولار إلى ما يقرب من 1400 دولار في فترة قصيرة، مما يعني أن تكاليف التشغيل قد تضاعفت. وسيظهر هذا في اشتراكات المواطنين في بداية الشهر المقبل، بعد أن ارتفعت الفواتير بنحو 35 في المئة الشهر الماضي.
يأتي هذا في الوقت الذي استنزف فيه قطاع الكهرباء في لبنان حوالي 40 مليار دولار من الدين العام دون أن يتمكن من توفير أكثر من أربع ساعات من الكهرباء يومياً، بسبب عقود من المحسوبية السياسية، والهدر، وسوء الإدارة، ومشاريع الإصلاح والإنتاج المتوقفة، وفقاً للسياسيين والمراقبين.
يشكو القطاع الذي حل فعلياً محل الدولة، وفقاً لسعادة، من “نقص في التنسيق الرسمي والأسعار التي يحددها وزير الطاقة والتي لا تعكس التكاليف التشغيلية الحقيقية.”
قال سعادة لقناة الحرة إن “مالكي المولدات لا يطالبون بزيادة التعرفة، بل بحساب التكلفة الفعلية للتشغيل في التسعير الرسمي”، مضيفاً أن “مالكي المولدات لا يكسبون سنتاً واحداً حتى لو بدت التعرفة مرتفعة.”
قبل عدة أشهر، اقترحت الجمعية خلال اجتماع في وزارة الاقتصاد تأمين الديزل بنفس السعر الذي تدفعه الدولة، “لكن لم يتم متابعة ذلك رغم الوعود بالمتابعة.”
ويشير إلى أن عدداً من المشتركين قد أوقفوا اشتراكاتهم أو خفضوا من شدة التيار، بينما قام بعض مالكي المولدات بتقليل ساعات التشغيل.
هذا يعني ببساطة المزيد من الظلام.
هل هناك أزمة وقود؟
من ناحية أخرى، يبدو أن الصورة أقل قتامة فيما يتعلق بتوافر الوقود، على الأقل على المدى القصير.
وفقًا لمعلومات حصلت عليها قناة الحرة، تعتبر وزارة الطاقة والمياه الوضع مستقرًا طالما أن البحر مفتوح والإمدادات مستمرة. في حالة حدوث أزمة، ستُعطى الأولوية للمستشفيات والمخابز والقطاعات الحيوية.
تشير المعلومات إلى أن آلية تسعير الوقود المعمول بها منذ سنوات لا تزال سارية، وأن الادعاءات بأن الوزير لا يستجيب لأصحاب المصلحة غير دقيقة.
لكن هذه التطمينات لا تزيل مخاوف الكثير من الناس.
يؤكد جورج براكس، رئيس نقابة أصحاب محطات الوقود في لبنان، أن لبنان لا يستورد البنزين والديزل مباشرة من دول الخليج، بل من دول البحر الأبيض المتوسط مثل إيطاليا وتركيا واليونان.
قال براكس لقناة الحرة إن الاحتياطيات الحالية كافية لأسابيع، مشيرًا إلى ثلاثة مستويات من التخزين في لبنان:
الأول هو خزانات التخزين الخاصة بشركات الاستيراد، التي تحتوي على ما بين 100 و110 مليون لتر – وهو ما يكفي لحوالي ثلاثة أسابيع من الطلب في السوق.
الثاني هو خزانات المحطات المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، والتي يبلغ عددها حوالي 3,500 محطة، وتحتوي على ما بين 60 و70 مليون لتر.
الثالث هو الوقود المخزن في سيارات المواطنين. مع وجود حوالي 1.8 مليون مركبة، تحمل كل منها حوالي 25 لترًا، فإن هذا يوفر حوالي 45 مليون لتر إضافية – ما يعادل حوالي شحنة واحدة ونصف من الناقلات.
يضيف أن استهلاك الوقود قد انخفض بنحو 25 في المئة بسبب الظروف الأمنية وتقليل الحركة، بينما تستمر السفن في الوصول بانتظام بمعدل سفينة أو اثنتين في الأسبوع، مما يسمح بالتجديد المستمر.
لكن القضية ليست مجرد التوافر، بل السعر.
تتفاعل الأسواق العالمية على الفور مع أي تهديد لمضيق هرمز، وأي تصعيد أو توسيع للاشتباك قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع، مما يؤثر بسرعة على لبنان.
معادلة قاسية
إذا ارتفعت أسعار الوقود، فإن تكلفة كل شيء تقريبًا ترتفع معها.
يؤكد هاني بحصلي، رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، أن “أي حصار لمضيق هرمز لا يؤثر مباشرة على وصول الغذاء إلى لبنان، لأن الواردات تأتي عبر طرق وخطوط شحن متعددة.”
وأوضح أن البضائع من الشرق الأقصى تصل عبر البحر الأحمر، ومن أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، ومن الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى الواردات من أفريقيا. وأشار إلى أن المخزونات الغذائية في لبنان كافية حاليًا، مؤكدًا أنه لا توجد مشكلة في الإمدادات في الوقت الحالي.
ومع ذلك، يوضح عجاقة أن التأثير مباشر من خلال زيادة تكاليف النقل البحري، والشحن، والتأمين، والطاقة، والتي تنعكس في أسعار الغذاء.
في بلد يعتمد فيه جزء كبير من السكان على الدخل اليومي أو الرواتب الثابتة بالليرة اللبنانية، يصبح أي ارتفاع إضافي في الأسعار ضربة أخرى للأسر.
يحذر عجاقة من أن اللبنانيين قد يجدون أنفسهم مرة أخرى أمام معادلة قاسية: تقليل الاستهلاك، التخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية، أو الاقتراض للبقاء على قيد الحياة.
الهشاشة المزمنة
منذ عام 2019، فقد المواطنون اللبنانيون جزءًا كبيرًا من قدرتهم الشرائية، وتآكلت المدخرات، وارتفعت معدلات الفقر، بينما لا تزال الاقتصاديات بلا خطة شاملة للتعافي.
في هذا السياق، يصبح أي صدمة خارجية أكثر إيلامًا.
يعتقد عجاقة أن أفضل خطوة اتخذها اللبنانيون في السنوات الأخيرة “كانت توسيع استخدام الطاقة الشمسية، حيث قللت جزئيًا من الاعتماد على المولدات والوقود.”
لكن هذا التحول، على الرغم من أهميته، ليس كافيًا لمواجهة أزمة واسعة في أسعار الطاقة أو انقطاع الإمدادات لفترة طويلة. لا يزال البلد يعتمد، وفقًا لعجاقة، “على الواردات للغذاء، والدواء، والوقود، ويعاني من بنية تحتية هشة، ونظام نقل ضعيف، ومؤسسات عامة مثقلة بالعجز.”
بهذه الطريقة، تدفع لبنان الثمن بأشكال مختلفة: أسطوانة الغاز، فاتورة المولد، سعر الخبز، وقدرة الأسرة على شراء الدواء.
لبنان ليس طرفًا مباشرًا في أزمة “هرمز”، لكنه من بين الأكثر تأثرًا بها.
