في ظل تصاعد عدم الاستقرار الإقليمي، تمثل محادثات لبنان وإسرائيل تحولاً محورياً في دبلوماسية البحر الأبيض المتوسط. تبرز الاستجابة الاستراتيجية لمصر تجاه هذه المفاوضات قلقاً شديداً بشأن سلامة الأراضي والاستقرار على المدى الطويل في بلاد الشام. بينما يشارك المسؤولون اللبنانيون والإسرائيليون في محادثات لبنان وإسرائيل، تظل القاهرة يقظة بشأن الحاجة الملحة لجبهة عربية موحدة ضد السياسات التوسعية.
مصر تنظر إلى محادثات لبنان وإسرائيل بحذر
كان التحول من الدفء إلى التحذير واضحاً على وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما استقبل نظيره اللبناني جوزيف عون في قبرص على هامش اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي والدول العربية الشهر الماضي. بعد ابتسامة قصيرة، جاء إصبع موجه، حيث تحدث السيسي مع عون عن لبنان، حيث تملك مصر مخاوف عميقة.
السياق هو أن إسرائيل كانت تهاجم لبنان منذ عام 2024، بما في ذلك الأسابيع الأخيرة، عندما كان من المفترض أن يكون هناك وقف لإطلاق النار. يتحدث المسؤولون اللبنانيون والإسرائيليون الآن مباشرة عن معايير اتفاق سلام مستقبلي، بينما تواصل القنابل الإسرائيلية ضرب مواقع حزب الله.
تتحدث إسرائيل أيضاً مع الحكومة السورية الجديدة، وقبل لحظات من حديث السيسي وعون، بدا أن الزعيم المصري قد تجاهل الرئيس السوري أحمد الشعار، على الرغم من أنهما تبادلا حديثاً قصيراً أثناء وقوفهما معاً لالتقاط الصورة الجماعية الرسمية. لا تتمتع سوريا ومصر بعلاقات جيدة، ولكن بعد أيام قليلة من القمة، أرسل الشعار وزير خارجيته أسعد الشيباني إلى القاهرة للقاء نظيره المصري بدر عبد العاطي.
كونها براغماتية، قد تكون مصر من بين الدول العربية الكبرى الأخيرة التي تحتضن الشعار علناً بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. ومع ذلك، قد يأتي ذلك قريباً؛ حيث أشارت تصريحات وزارة الخارجية المصرية بعد لقاء عبد العاطي بالشيباني إلى البراغماتية. مع تشكل سوريا جديدة، وتكوين تحالفات جديدة، ومواجهتها لمستقبلها – خاصة علاقتها المتوترة مع إسرائيل – تبدو مصر مستعدة للتعامل مع الحقائق.

الأمن الإقليمي يعتمد على محادثات لبنان وإسرائيل
اهتمام مصر بلبنان ليس جديدًا، فقد وقفت إلى جانب الدولة العربية الأصغر لعقود، لكن القتال بين إسرائيل وحزب الله جعل صانعي القرار المصريين يشعرون بعدم الارتياح، ليس أقلها لأن رد إسرائيل يتجاوز جنوب لبنان، المعروف بأنه معقل حزب الله التقليدي.
شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات عميقة في وسط بيروت، بينما دفعت القوات الإسرائيلية إلى جنوب لبنان، مُنشئة ما تسميه “الخط الأصفر”. بالنسبة للقاهرة، تبدو هذه التكتيكات مشابهة لتلك التي استخدمتها إسرائيل في غزة منذ عام 2023، مما يشير إلى وجود إسرائيلي طويل الأمد أو حتى دائم في لبنان. وهذا من شأنه أن يعكس فعليًا المكاسب التي حصلت عليها لبنان بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1701 (في عام 2006)، الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان وألزم الجيش اللبناني بالانتشار هناك بدلاً من ذلك.
على مدى سنوات، دعت مصر إلى دولة لبنانية قوية قادرة على ممارسة سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية، داعيةً إلى احتكار الجيش اللبناني وقوات الأمن للأسلحة وتمديد سيطرتهم عبر البلاد، خاصة في الجنوب.
يعتقد المسؤولون المصريون الآن أن الضغط الأمريكي والإسرائيلي من أجل نزع سلاح حزب الله بسرعة قد يأتي بنتائج عكسية، مما يشعل الاشتباكات بين الجيش اللبناني والميليشيا، مما قد يغرق لبنان في حرب أهلية جديدة. لهذا السبب، تدعو مصر إلى توافق واسع يشمل جميع القوى السياسية الرئيسية، بما في ذلك حزب الله نفسه. ترى القاهرة أن هذا من شأنه أن يقوي الجيش اللبناني، ويمنع الاشتباكات مع إسرائيل، ويخدم الاستقرار الداخلي.
القاهرة تحذر من المخاطر في محادثات لبنان-إسرائيل
يمتلك المفاوضون المصريون خبرة أكبر في التعامل مع الإسرائيليين مقارنة بنظرائهم اللبنانيين، حيث استخلصوا دروسًا قيمة من 16 شهرًا من المحادثات المكثفة التي تلت الزيارة التاريخية للرئيس المصري أنور السادات إلى القدس في نوفمبر 1977 (والتي أدت في النهاية إلى معاهدة سلام في 1979)، ولكن من المفهوم أنهم لم يقدموا نصائح، ولم يتم طلب أي منها.

تتعامل القاهرة بحذر مع القيادة الجديدة في سوريا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اختلافات أيديولوجية واضحة. ومع ذلك، فإن موقف مصر يتطور، ويعتمد براغماتيتها الجديدة على المصالح المشتركة، بدلاً من نقاط الخلاف. على الرغم من هذا الاحترار التدريجي، تواصل مصر رفض الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية بشدة وتدين الاقتحامات العسكرية الإسرائيلية واحتلالها لأجزاء من جنوب سوريا.
لقد دعت مرارًا إلى العودة الكاملة إلى اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، التي أنشأت منطقة عازلة منزوعة السلاح على مرتفعات الجولان المحتلة. الآن، مع تقارير عن تسوية محتملة بين إسرائيل وسوريا، يشعر المسؤولون المصريون بالقلق من أن دمشق قد تكون مستعدة للتنازل عن الأراضي. وهذا قد زاد من يقظة مصر.
كونها أول دولة عربية توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، تعتبر مصر نموذجًا مهمًا أو نقطة مرجعية للبنان وسوريا، إذا كان قادتهما يسعون لفعل الشيء نفسه. بينما السلام بين مصر وإسرائيل بارد، إلا أنه لا يزال قائمًا، مما يمنع أي مواجهة عسكرية جديدة بين الطرفين.
السيادة ضرورية لمحادثات لبنان-إسرائيل
من خلال نصح الدول بعدم تقديم تنازلات مجانية، ترفض القاهرة الاتهامات بالتدخل. بدلاً من ذلك، ترى نفسها مدافعة عن الأمن القومي المصري، معتقدة أن هذا لا ينفصل عن الأمن العربي الجماعي. ترتبط الرؤية الأوسع لمصر لحل النزاع بين إسرائيل وسوريا وبين إسرائيل ولبنان برؤيتها للسلام الإقليمي.
[caption id="attachment_19599" align="alignleft" width="1900"]
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (يسار)، برفقة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (وسط)، يصل إلى مطار العريش في 18 أغسطس 2025، لزيارة الفلسطينيين المصابين في الحرب الإسرائيلية على غزة.
القوة في الوحدة لطالما جادلت القاهرة بأن السلام لا يمكن تحقيقه من خلال اتفاقيات ثنائية مجزأة، بل من خلال أطر شاملة وجماعية تحافظ على النفوذ العربي وتجنب إضفاء الشرعية على المكاسب الإقليمية الإسرائيلية. كما تعتقد أن سوريا ولبنان والأراضي الفلسطينية تشكل جزءًا من “الدول على الخطوط الأمامية” حول إسرائيل، وأنه عندما تعمل هذه الدول بقوة وتنسيق، يمكن أن تشكل حاجزًا استراتيجيًا ضد المزيد من التوسع الإقليمي الإسرائيلي.
يساعد هذا في تفسير رد فعل القاهرة الحاد على الضربات الإسرائيلية على سوريا في أعقاب سقوط الأسد في ديسمبر 2024. دمرت إسرائيل الأصول العسكرية السورية من الجو، مما أدى إلى القضاء على جيش من إحدى الدول على الخطوط الأمامية لتحويل ميزان القوى لصالح إسرائيل.
إذا استوعب القادة اللبنانيون والسوريون إسرائيل في بيروت ودمشق، تعتقد القاهرة أن ذلك سيضعف الخط العربي التقليدي أكثر، لذا فهي تتفاعل بشكل عملي حيثما كان ذلك ضروريًا، بينما تدافع بعناد عن المبادئ الأساسية للسلامة الإقليمية وسيادة الدولة. في النهاية، تعتقد مصر أن مصير لبنان وسوريا مرتبط بمصيرها الخاص. ما إذا كانت القاهرة تمتلك نفوذًا كافيًا للتأثير على بيروت ودمشق لا يزال يتعين رؤيته.

