لا تُوجه الدبلوماسية العراقية باستراتيجيات سياسة خارجية. بل تتشكل من قبل الأحزاب المحلية وتطورات رعاتها الإقليميين المعنيين. إن سقوط الأسد وضعف خامنئي يزيدان من تأثير الفصائل المؤيدة للولايات المتحدة.
تُدفع السياسة الخارجية للعراق بالصراعات الداخلية بين النخب المنقسمة، والمليشيات المتنافسة، ودولة غير قادرة على توحيد صنع القرار. كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق على موازنة النفوذ الأمريكي والإيراني؟ هل يمكن أن يُخفف “مبدأ حسن الجوار” من التوترات الإقليمية؟ وكيف يمكن للعراق تحويل الاستثمارات والشراكات الإقليمية إلى استقرار ملموس؟ تكمن الحلول لهذه التحديات في تعزيز مؤسسات الدولة، وتقييد تأثير المليشيات غير المنضبطة، وتحسين الحوكمة، واستغلال الشراكات الإقليمية لمعالجة الأزمات الاقتصادية والأمنية بينما يتم بناء سياسة خارجية موحدة ومتسقة.
العمل المتوازن الدقيق
بناءً على ذلك، يحاول العراق القيام بعمل متوازن دقيق، يهدف إلى توسيع علاقاته الإقليمية مع الحفاظ على علاقات منضبطة مع كل من الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود النبيلة م overshadowed by the aftermath of the November 2025 elections and ongoing government formation negotiations.
التوفيق بين الأمن والمصالح الاقتصادية
السؤال المركزي يبقى: كيف يمكن للعراق التوفيق بين مصالحه الأمنية والاقتصادية مع علاقاته الخارجية تجاه الشركاء الإقليميين والدوليين؟ يقترح باحث أمريكي أن الانقسامات الداخلية للعراق وتحديات الحوكمة هي المحركات الرئيسية لسياساته الخارجية، سواء من خلال إجراءات متعمدة أو تدابير رد فعل.
مبدأ حسن الجوار
بعبارة أخرى، لا تُدفع الدبلوماسية العراقية باستراتيجيات سياسة خارجية متماسكة؛ بل تتشكل وغالبًا ما تُقوض من خلال التنافس والصراعات بين الفاعلين السياسيين داخل العراق ومن خلال مصالح دول أخرى خارج العراق. في محاولة لموازنة هذه الضغوط، اختار العراق اعتماد ما يُشار إليه بـ “مبدأ حسن الجوار” في علاقاته الخارجية. يهدف هذا النهج إلى تنويع الروابط الاقتصادية والأمنية للعراق في المنطقة، وتقليل التوترات الإقليمية، وموازنة مصالح القوى المتنافسة، ومنع التدخل الخارجي. من المهم أن نلاحظ، مع ذلك، أن هذا المبدأ وصفي بدلاً من كونه سياسة رسمية اعتمدتها الحكومة العراقية.
السياق التاريخي للموازنة الإقليمية
على الرغم من أن هذه الجهود ليست جديدة، سعى العراق منذ عام 2003 للحفاظ على توازن مستمر في علاقاته مع كل من الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بهدف تقليل التصعيد الإقليمي، وموازنة مصالح القوى المتنافسة، ومنع التدخل الأجنبي. تعكس الانفتاحات الإقليمية التي يقودها رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، من خلال بناء علاقات اقتصادية وأمنية جديدة مع دول الخليج، تطورًا في كيفية سعي العراق لإعادة تموضع نفسه إقليميًا. ومع ذلك، لا تزال المصالح المختلفة للنخب السياسية بشأن التوازن بين الولايات المتحدة وإيران تؤثر – وأحيانًا تهدد – أهداف السياسة الخارجية للعراق عندما تتعارض مع الأولويات الداخلية.
تحدي المليشيات المسلحة
كيف تشكل الانقسامات الداخلية سياسة العراق الخارجية؟ واحدة من التحديات الرئيسية التي تستنزف جهود الحكومة العراقية هي المنافسة بين الجماعات السياسية والعسكرية المحلية.
على الرغم من أن التنافس بين الأحزاب السياسية والعلاقة المتقلبة بين إقليم كردستان والحكومة الفيدرالية تعد من أبرز عناصر المشهد السياسي الحالي في العراق، إلا أن التحدي الأكثر إلحاحًا يبقى الميليشيات المسلحة المتمركزة على الأراضي العراقية، وخاصة تلك المرتبطة بإيران. تؤثر هذه الميليشيات على علاقات العراق مع الولايات المتحدة والدول المجاورة. العديد منها، مثل كتائب حزب الله، ومنظمة بدر، وعصائب أهل الحق، تمتلك قوة سياسية كبيرة، إما بشكل رسمي من خلال التمثيل البرلماني أو من خلال قنوات موازية.
تقليل الوجود الأمريكي لتخفيف المخاطر
هذه التحديات لا تعيق فقط قدرة العراق على بناء علاقات عميقة مع الولايات المتحدة والدول الإقليمية، بل تجعل من الصعب أيضًا إقامة الثقة اللازمة للتعاون الأمني ولجذب الاستثمارات—كلاهما يعتمد عليهما الدولة لتجنب العقوبات الدولية. كما أنها تزيد من هشاشة الاقتصاد العراقي الضعيف بالفعل. استجابةً لذلك، سعت الحكومة العراقية إلى وضع أسس الاستقرار وتقليل التهديدات المحتملة، خاصة بعد الهزيمة الكبرى لداعش في العراق. وبالتالي، دعت الحكومة إلى إنهاء عمليات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة داخل العراق، مشيرةً إلى أنه لم يعد هناك حاجة لعملية منفصلة تتطلب وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية. أدى ذلك إلى إطلاق عملية 2024 تهدف إلى إنهاء وجود التحالف بالتوازي مع المفاوضات حول إطار أمني ثنائي جديد.
التحول نحو البراغماتية
كان من الواضح أن العراق يأمل في أن يؤدي تقليل الوجود العسكري الأمريكي إلى تجريد الميليشيات المرتبطة بإيران من أحد مبرراتها الرئيسية، مما يقلل من مستوى المخاطر التي قد يواجهها العراق من ردود الفعل الأمريكية المحتملة على هجمات هذه الميليشيات. بينما تسعى الحكومة العراقية إلى تعزيز علاقتها مع الولايات المتحدة والحفاظ على التوازن، تواصل الجماعات المرتبطة بإيران حماية مصالحها الخاصة، مما يعيق هذه الجهود لأسباب داخلية وأيديولوجية.
في هذا السياق، تغيرت نظرة العراق إلى الوجود الأمريكي بشكل ملحوظ منذ سقوط نظام الأسد في سوريا. فقد فقدت الميليشيات نفوذها التفاوضي وتميل إلى اعتماد نهج براغماتي تجاه التعامل مع الولايات المتحدة. كان هذا التحول واضحًا خلال اجتماع ديسمبر 2025 بين نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، وجوشوا هاريس، القائم بأعمال السفير الأمريكي في العراق. أكد المالكي التزام الإطار التنسيقي بالحكم الرشيد وأبرز أهمية العلاقات الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة.

