تحليل ستيفن كوتكين في “الشؤون الخارجية” يكشف أن القوة الحقيقية في الأنظمة الاستبدادية مشروطة، وأن الاستقرار يعتمد أكثر على القدرة على التكيف والثقة بدلاً من الخوف والسيطرة.
غالبًا ما تصور التحليلات في السياسة الدولية الأنظمة الاستبدادية على أنها قوية وحاسمة، تهيمن عليها شخصيات قوية تمسك بزمام السيطرة على المؤسسات الحكومية، وتتحكم في القوات الأمنية، وتخ suppress المعارضة. ومع ذلك، كما توضح إحدى المقالات في “الشؤون الخارجية”، فإن هذه النظرة تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا: هذه الأنظمة هشة للغاية داخليًا، والخطر الحقيقي الناجم عن تجاوزاتها.
ستيفن كوتكين، الذي كتب مقالًا في مجلة “الشؤون الخارجية” المؤثرة، عدد يناير–فبراير 2026، هو عالم بارز متخصص في تاريخ الاستبداد المعاصر. يمكن أن يوفر لنا نظرة عامة على محتوى المقال رؤى قيمة.
يلاحظ الكاتب أن السلطة في نظام استبدادي هي شخصية ومركزة للغاية بدلاً من أن تكون مؤسسية. إنها تعتمد على الخوف بدلاً من الثقة، والولاء بدلاً من الكفاءة، والطاعة بدلاً من المساءلة. بينما قد يوفر هذا النموذج استقرارًا قصير الأمد، فإنه يزرع بذور التآكل التدريجي في الداخل، مما يقلل من قدرة الدولة على التكيف مع الأزمات. مع مرور الوقت، يتحول الاستقرار الظاهر إلى ركود سياسي واقتصادي، مما يؤدي إلى تراجع الدولة واضطرابات اجتماعية.
تشير المقالة إلى أن أكبر تهديد للرجل القوي في مثل هذا النظام لا يأتي من الشارع، بل من داخل النخبة الحاكمة الصغيرة نفسها. في روسيا، يبدو أن قبضة فلاديمير بوتين الأمنية قوية، ومع ذلك، يعاني النظام من نقص في الثقة سواء داخل الدائرة الضيقة للسلطة أو على المستويات المؤسسية.
يفهم المسؤولون ورجال الأعمال أن القرب من السلطة أمر زائل، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بما قد يواجهونه غدًا من غضب “السيد”. حتى الأخطاء الصغيرة تحمل عواقب وخيمة، مما يدفع إلى الحذر المفرط، ويثبط المبادرة، ويؤخر القرارات. وهذا يخلق بيروقراطية خانقة حيث تتوقف مصالح الناس—بالضبط ما وصفه تقديم كتاب جواد ظريف “صعود الدبلوماسية” بلعبة الكراسي الموسيقية في طهران.
هذا المناخ لا يولد استقرارًا حقيقيًا؛ بل ينتج نظامًا مشلولًا، خائفًا من العمل، مما يمهد في النهاية الطريق لسقوط النظام العنيف.
في إيران، تنعكس الهشاشة في تناقض هيكلي بين دولة أمنية مغلقة ومجتمع شاب مرتبط بالعالم الأوسع. قد تمنع القمع انفجارًا مفاجئًا، لكنها تعيق أيضًا الإصلاح السياسي والاقتصادي. مع كل موجة من الاحتجاجات، لا ينهار النظام، لكنه يفقد المزيد من الشرعية. تزيد الاقتصاد المضطرب، والعقوبات، وتراجع الثقة العامة من تكلفة القمع وتحد من مساحة المناورة لصانعي القرار. مع مرور الوقت، تصبح هشاشة النظام واضحة، ويفرض الشارع إجراءً تصحيحيًا، حتى لو جاء ذلك بتكلفة عالية.
تقدم الصين المثال الأكثر تعقيدًا. لقد حقق النظام نموًا اقتصاديًا هائلًا، لكنه في ذلك قد مركز السلطة في يد الرئيس، مما أضعف الآليات الداخلية للنقد. في بلد كبير مثل الصين، فإن غياب التغذية الراجعة الصادقة يشكل خطرًا استراتيجيًا. تُتخذ القرارات الكبرى في فراغ، لذا عندما تحدث أخطاء، تكون واسعة النطاق وعميقة العواقب. هنا، تبدو القوة قوية لكنها مشروطة بدقة القرارات بدلاً من صلابتها فقط.
تسلط المقالة الضوء على الاقتصاد باعتباره نقطة الضعف في الأنظمة الاستبدادية. يمكن فرض النمو مؤقتًا، لكن الابتكار يتطلب الحرية، والاستدامة تعتمد على مؤسسات مستقلة. عندما يتباطأ النشاط الاقتصادي، تتراجع الشرعية بسرعة، حيث يفتقر النظام إلى أدوات سياسية مرنة لامتصاص الاستياء الاجتماعي. في تلك المرحلة، يتوقف القمع عن كونه أداة للسيطرة ويصبح عبئًا ثقيلاً على النظام نفسه.
تقدم التحليل مقارنة جزئية مع الولايات المتحدة خلال فترة دونالد ترامب. بينما لا تعتبر أمريكا نظامًا استبداديًا، فإن الشعبوية، ومحاولات تهميش المؤسسات، والتحديات لاستقلالية الإعلام، والتركيز على الولاء الشخصي كشفت كيف يضعف أي نظام عندما تُستبدل المؤسسات بالأفراد. الفارق الرئيسي هو أن الديمقراطيات تحتفظ بآليات التصحيح الذاتي، حتى وإن كانت متأخرة – كما حدث عندما قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية قرارات الرئيس المتعلقة بالرسوم الجمركية – بينما تغلق الأنظمة الاستبدادية هذه الآليات عمدًا.
في السياق العربي، تأخذ هذه الاستنتاجات دلالة خاصة. شهدت المنطقة تجارب مختلفة مع الحكم المركزي، تحت شعارات وطنية وإسلامية، جميعها تعتمد على القمع بدلاً من الإقناع. لقد أظهرت التجربة أن الاستقرار القائم فقط على القمع هو استقرار قصير الأمد. كانت الدول التي استثمرت في بناء المؤسسات، وتحسين الحوكمة، وتوسيع المشاركة الاقتصادية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات من تلك التي تعتمد فقط على السيطرة الأمنية. على الرغم من اختلافاتها، تشير هذه التجارب إلى أن التحديث الاقتصادي دون إصلاح إداري ومؤسسي يبقى غير مكتمل، وأن الاستقرار الحقيقي يتطلب توازنًا بين السلطة، والكفاءة، والثقة المجتمعية.
لا تنهار الأنظمة الاستبدادية لأنها ضعيفة بالمعنى التقليدي، ولكن لأنها تمنع نفسها من التكيف. إنها تحرم نفسها من آليتين أساسيتين للبقاء: المراجعة والمساءلة. تخشى النقد، وتفقد شعورها بالاتجاه، وتقاوم المشاركة، وتآكل الثقة، وتتجنب الاعتراف بالأخطاء – مما يسمح للأخطاء بالتراكم حتى تتصاعد إلى أزمة وجودية. السلطة التي تحظر التصحيح ليست سلطة حقيقية، بل مجرد أداة مؤقتة لتأجيل الانهيار، مما يترك الرجل القوي محاصرًا في نظام يخاف من نفسه أكثر من خوفه من خصومه.
يوفر المقال أجندة لتفسير التغيرات من حولنا ويشجع القراء على الاقتراب من الظواهر بحذر.

