لم تعاني أي دولة حديثة كما عانت العراق في محاولة تحديد معنى السيادة منذ عام 2003. هنا، “السيادة” ليست مبدأً دستوريًا بل فخًا تعريفيًا – واحدًا يزداد تعقيدًا مع تعمق الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ومع تحول العراق إلى ساحة مفتوحة حيث يتقاتل ثلاثة فاعلين على أراضيه بينما تقف الدولة نفسها خارج الإطار.
في اللحظة التي تضرب فيها القوات الأمريكية الميليشيات المرتبطة بإيران، تشن إيران هجمات داخل العراق تحت ذريعة استهداف المصالح الأمريكية، بينما ترد الجماعات العراقية بالهجوم على المواقع الدبلوماسية الأمريكية والمنشآت العسكرية داخل البلاد. وهكذا تصبح العراق الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتعرض للقصف من قبل قوتين أجنبيتين وتستخدم من قبل ثالثة، بينما الحكومة المؤقتة – التي يقودها محمد شياع السوداني – لا تمتلك القدرة العسكرية للرد على الضربات الأمريكية أو الإيرانية ولا السلطة للحد من الميليشيات التي يُفترض أنها مدمجة في جهازها الأمني.
لقد تركت هذه المفارقة مفهوم السيادة العراقية في حالة من المرض المزمن. وقد نقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن مسؤول عراقي تعليقه على الضربات الأمريكية: “لم يسألوا عن إذننا.” جملة تلخص كل المعضلة: بلد تُنتهك أراضيه دون استشارة، وجماعات مسلحة تتصرف كما لو كانت دولًا داخل الدولة.
المشكلة ليست في الضربات وحدها، بل في الهيكل السياسي الذي جعل العراق غير قادر على فرض تعريف واحد للسيادة. كما تشير صحيفة واشنطن بوست، تعيش العراق في “منطقة رمادية” بين واشنطن وطهران، حيث لا يمكن لأي حكومة عراقية اتخاذ قرار مستقل دون أن يُفسر في إحدى العاصمتين كعمل من أعمال الاصطفاف.
يضع رناد منصور، مدير مبادرة العراق في تشاتام هاوس، الأمر بصراحة: “استراتيجية إيران الآن هي خلق الفوضى وزيادة تكاليف هذه الحرب… ويمكنها القيام بذلك بسهولة في العراق.” وصف دقيق لبلد أصبح منطقة رخوة حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والإيرانية بينما تتراجع سلطة بغداد. منذ الضربة الأمريكية-الإسرائيلية داخل إيران في 28 فبراير، زادت الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على المصالح الأمريكية في العراق، مستهدفة القواعد في مطاري بغداد وأربيل والمنشآت الدبلوماسية الأمريكية. وقد ردت واشنطن بضربات على قواعد الميليشيات – صراع متوازي يتكشف بالكامل على الأراضي العراقية.
لقد وسعت إيران وفصائلها المرتبطة بها هجماتها لتشمل حقول النفط والبنية التحتية للطاقة، ساعية لزيادة التكلفة الاقتصادية على واشنطن وشركائها. هنا تصبح المخاطر وجودية: تعتمد العراق تقريبًا بالكامل على النفط، وأي اضطراب في الإنتاج أو الصادرات عبر مضيق هرمز يمكن أن يؤدي إلى انهيار فوري في إيرادات الدولة. تصف بلومبرغ العراق بأنه “أكثر الدول ضعفًا في المنطقة أمام أي صدمة في سوق النفط”، لأن اقتصاده ليس لديه بدائل وتستند حكومته على إيرادات النفط لدفع الرواتب وتمويل الإنفاق العام. مع كل ضربة، تتقلص قدرة بغداد على حماية مصالحها الاقتصادية – وسيادتها السياسية – أكثر فأكثر.
تشكلت معظم الميليشيات الشيعية في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، على الرغم من أن بعضها يعود إلى عقود. يقدر المحللون عدد مقاتليها مجتمعين بأكثر من 100,000 مقاتل، العديد منهم يتلقون رواتب من الدولة نفسها التي تقوض سيادتها.
لقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز العراق بأنه “دولة ذات سيادة منقوصة”، لأن صنع القرار الأمني فيها مقسم بين ثلاثة فاعلين: الحكومة، والميليشيات، وطهران. من جانبها، تعTreat واشنطن العراق كمسرح للصراع مع إيران، وليس كدولة ذات إرادة مستقلة.
كانت الولايات المتحدة قد عارضت سابقًا ترشيح نوري المالكي، واليوم تعبر عن شكوكها بشأن قدرة السوداني على كبح جماح الجماعات المسلحة القوية. في المقابل، تعتبر إيران العراق عمقًا استراتيجيًا بدلاً من كونه جارًا ذا سيادة. وبالتالي، يجد رئيس الوزراء نفسه في وضع غير مرغوب فيه: فهو يتولى المنصب ولكن ليس لديه الأدوات؛ لديه الشرعية الرسمية ولكن ليس القدرة التنفيذية؛ لديه خطاب السيادة ولكن ليس الوسائل لفرضها.
السؤال في العراق لم يعد: من ينتهك السيادة؟ بل: هل تبقى هناك أي شيء يمكن انتهاكه؟ دولة تعرضت للقصف من قبل قوتين أجنبيتين، تستضيف حربًا بالوكالة على أراضيها، وتحتوي في جيشها على جيوش أخرى لا تطيعها، لا يمكنها التحدث عن السيادة إلا كأثر لغوي من عصر آخر.
تلتقط وسائل الإعلام الغربية هذه الحقيقة عندما تصف العراق بأنه “سيادة معلقة”، لكن الحقيقة أكثر قسوة: العراق اليوم ليس دولة بلا سيادة – بل هو سيادة بلا دولة. سيادة تُرفع في الخطب وتُمحى على الأرض. سيادة تُستخدم لتبرير الشلل، وليس لاستعادة السلطة. سيادة مُنتهكة من الخارج، ومُفرغة من الداخل، وتُدار كما لو كانت ورقة مساومة بدلاً من أن تكون مبدأً وطنيًا.
ما لم يتم إعادة بناء الدولة من الداخل – مؤسساتها، وصنع القرار الأمني فيها، واحتكارها للقوة الشرعية – فلن تكون العراق طرفًا في الصراع بين واشنطن وطهران، بل ستكون مسرحًا له. لن تكون لاعبًا في المعادلة الإقليمية، بل الفراغ الذي يختبر الآخرون قوتهم من خلاله.
فقط عندها نفهم أن معضلة سيادة العراق ليست أزمة عابرة بل حالة مزمنة – وأن الخطوة الأولى نحو التعافي هي الاعتراف بأن السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل قدرة يجب ممارستها. بدون تلك القدرة، ستظل العراق دولة تُدار من الخارج، مُستنزفة من الداخل، وعالقة إلى الأبد بين قوتين لا تتصارعان عليها… بل تتصارعان فوقها.

