نظرًا لموقعها الاستراتيجي المطل على طرق الملاحة البحرية الحيوية وارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر، تمثل منطقة القرن الأفريقي واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية تأثيرًا على الأمن القومي المصري.
لقد زادت أهمية المنطقة في ظل التحولات السياسية السريعة داخل دولها، والضغوط الإقليمية المتزايدة، والتنافس الدولي المتصاعد لإقامة قواعد عسكرية تعزز النفوذ الاستراتيجي.
في هذا السياق، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود في 8 فبراير. وأكد الزعيمان على استمرار مشاركة مصر في بعثة الدعم والاستقرار التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM) وشددا على ضرورة تكثيف التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية. كما أكدا أن مسؤولية تأمين البحر الأحمر وخليج عدن تقع حصريًا على الدول المطلة عليهما.
تعزيزًا لهذا النهج، حضر وزير الدفاع المصري السابق عبد المجيد صقر، قبل يوم من تعيين خلفه، تشكيل القوات المصرية المشاركة في مهمة حفظ السلام في الصومال، بحضور الرئيس الصومالي. وأعلن عن جاهزية القوات لأداء واجباتها بكفاءة واحترافية تحت جميع الظروف.
تطورات سريعة
تشعر القاهرة بقلق متزايد إزاء الهشاشة السياسية، والصراعات الداخلية، والتنافس الإقليمي والدولي المكثف الذي يتكشف عبر القرن الأفريقي، نظرًا لتداعياتها المباشرة على أمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وقناة السويس.
قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية السابق، لقناة الحرة إن التطورات السريعة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط الشرقي – وخاصة الأمن القومي المصري. وحذر من أن “أي اختلال في هذه الجغرافيا الحساسة يفتح الباب أمام توسع الجماعات المسلحة، وزيادة القرصنة، وتزايد عسكرة الممرات البحرية، مما يهدد حرية الملاحة ويقوض الاستقرار الاقتصادي العالمي.”
وفقًا لخبير الشؤون الأفريقية رامي زعبي، فإن قلق القاهرة بشأن البحر الأحمر يعكس رؤيتها الاستراتيجية الأوسع. وأخبر الحرة أن “أي اضطراب في هذه الشرايين البحرية يؤثر بشكل مباشر على قناة السويس، والاقتصاد المصري، والتوازنات الإقليمية”، موضحًا رفض مصر لأي وجود عسكري من دول غير مطلة على البحر الأحمر.
كما كان ملف البحر الأحمر بارزًا في الاجتماع الأخير في القاهرة بين الرئيس السيسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وأكد الزعيمان على أهمية تأمين البحر الأحمر وأدانوا محاولات فرض وجود عسكري على شواطئه في انتهاك للقانون الدولي والمعايير البحرية المعترف بها.
خلال زيارته إلى إثيوبيا أمس، دعا أردوغان أيضًا إلى منع القرن الأفريقي من أن يصبح ساحة للصراع بين القوى الأجنبية، حاثًا الدول الإقليمية على تطوير حلول لمشاكلها الخاصة.
خلافات في أديس أبابا
على هامش قمة الاتحاد الأفريقي التاسعة والثلاثين في أديس أبابا، ظهر خلاف ملحوظ بين القاهرة وأديس أبابا حول مستقبل البحر الأحمر.
ربط رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد الاستقرار في القرن الأفريقي بضمان وصول بلاده إلى “مخرج بحري”، مشددًا على أن “دولة يزيد عدد سكانها عن 130 مليون نسمة لا يمكن أن تحقق نموًا مستدامًا دون تنويع منافذها البحرية.” وأكد أن تأمين وصول إثيوبيا إلى البحر يجب أن يتم من خلال “التعاون السلمي.”
ردًا على ذلك، تحركت القاهرة بسرعة لتأكيد موقفها التقليدي، مشددة على أن إدارة البحر الأحمر تعود حصريًا لدوله الساحلية. أوضح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اجتماعات مع مسؤولين أفارقة على هامش القمة، أن مصر ترفض بشكل قاطع أي محاولات من جهات غير ساحلية لفرض نفسها كشريك في إدارة هذا الممر البحري الحيوي.
أشار السفير حجازي إلى أن القاهرة تعتقد أن أمن هذا الممر المائي الحرج يجب أن يكون في المقام الأول مسؤولية الدول المجاورة له، من خلال آليات التعاون الإقليمي القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. وقال: “هذا الموقف ليس عن الإقصاء، بل عن منع دولية النزاعات وضمان عدم تحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.”
محور ثلاثي
في أكتوبر 2025، استقبل الرئيس السيسي الرئيس الإريتري إسياس أفورقي لمناقشة التطورات في القرن الأفريقي، مؤكدًا على أهمية تكثيف التنسيق بين مصر وإريتريا، إلى جانب تعزيز التعاون مع الدول العربية والأفريقية المجاورة للبحر الأحمر.
بني هذا الاجتماع على تفاهمات تم التوصل إليها في أواخر 2024 في العاصمة الإريترية أسمرا، عندما اجتمع قادة مصر والصومال وإريتريا وأطلقوا تنسيقًا مشتركًا يهدف إلى إنشاء محور ثلاثي لحماية الأمن الاستراتيجي للدول الثلاث، بما في ذلك تأمين البحر الأحمر كركيزة للاستقرار الإقليمي.
في نفس السياق، تناولت مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية مصر والسعودية التطورات المتعلقة بأمن البحر الأحمر. وأكد الوزيران على أهمية التنسيق بين الدول الساحلية للحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر البحري الحيوي وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.
ومع ذلك، يجادل زهدى بأنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على وجود تحالف عسكري ثلاثي رسمي بين مصر والسعودية وتركيا في القرن الأفريقي. ويقول إن الوضع أكثر تعقيدًا من إطار “التحالف أو عدم التحالف” البسيط. وأوضح: “بالنسبة للسعودية، هناك تقارب واضح مع مصر في الرؤى المتعلقة بأمن البحر الأحمر وضرورة إبقاء إدارته في أيدي دوله الساحلية. التنسيق هنا أقرب إلى شراكة وظيفية قائمة على المصالح المشتركة الحالية والمستقبلية.”
وأضاف حجازي أن التنسيق المصري مع كل من السعودية وتركيا يعكس فهمًا مشتركًا بأن حماية أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي تتطلب مقاربات جماعية وتنسيقًا سياسيًا وأمنيًا مستدامًا. وأشار إلى الجهود المستمرة لإحياء وإطلاق منتدى التعاون والاستقرار للبحر الأحمر للدول الساحلية، الذي يتخذ من الرياض مقرًا له.
بين دعوات بعض الدول لتأمين موطئ قدم بحري وإصرار القاهرة على حصر إدارة البحر الأحمر في دوله الساحلية، تبقى القضية مفتوحة على سيناريوهات متعددة في ظل بيئة إقليمية شديدة السيولة تتسم بالتنافس الشديد على النفوذ.

