تعتبر العملية العسكرية المحدودة للجيش السوري ضد تنظيم YPG/SDF الإرهابي في أحياء الشيخ مقصود وعشرفية في حلب نقطة تحول حاسمة في إعادة تعريف ميزان القوى في سوريا ما بعد الثورة. كانت هذه الأحياء تحت سيطرة YPG/SDF بموجب اتفاق مع نظام الأسد المخلوع طوال فترة الحرب الأهلية، وكانت تحمل وزنًا رمزيًا كبيرًا، عسكريًا وسياسيًا. بينما كانت تُستخدم كأداة للمساومة من قبل YPG/SDF في مفاوضات الاندماج مع دمشق، كانت الحكومة السورية تعتبرها مناطق شاذة حيث يجب استعادة السيادة الكاملة في عصر ما بعد الثورة.
ماذا حدث في الشيخ مقصود وعشرفية؟
بعد الإطاحة بنظام البعث في 8 ديسمبر 2024، تم تناول الشيخ مقصود وعشرفية كمواضيع محددة في جدول الأعمال خلال اللقاءات بين دمشق وYPG/SDF. كان الاتفاق الموقّع في 1 أبريل 2024 يتصور نقل هذه الأحياء تدريجيًا إلى السلطة المركزية. وقد نص الاتفاق على إزالة الأسلحة الثقيلة من المنطقة، وإنهاء الوجود العسكري لـ YPG/SDF، وتوفير الأمن من قبل قوات الحكومة السورية إلى جانب وحدات الأمن الداخلي التابعة للتنظيم، ودمج الهياكل الإدارية في الحكومة المركزية.
ومع ذلك، في الفترة التالية، زعمت دمشق أن أحكام الاتفاق لم تُنفذ بالكامل أو في الوقت المناسب، مشيرة إلى أن YPG/SDF حافظت فعليًا على وجودها المسلح في الأحياء واستخدمت هذه المناطق كأداة للضغط السياسي. تجلت الاحتكاكات في المفاوضات بشأن اتفاق 10 مارس – الذي كان يتصور دمج YPG/SDF خلال السنة الأولى من عصر ما بعد الثورة – على شكل توتر متصاعد في هذين الحيين.
على الرغم من أن الأطراف شهدت احتكاكات دورية وحوادث أمنية معزولة، تم تجنب الصراع المباشر لفترة طويلة. ومع ذلك، لوحظ تحول إلى مرحلة جديدة مع انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ اتفاق 10 مارس في نهاية عام 2025. عقدت الأطراف اجتماعًا نهائيًا في دمشق قبل أيام قليلة من العملية، لكن YPG/SDF رفضت التراجع عن مطالبها القصوى. وبالتالي، يمكن تفسير العملية في الشيخ مقصود وعشرفية التي تلت ذلك مباشرة على أنها “محاولة لكسر الجمود السياسي من خلال إقامة توازن جديد للقوى على الأرض.”
تصاعدت التوترات في حلب في 6 يناير 2026. اعتبرت دمشق الهجمات التي أُطلقت من الشيخ مقصود وعشرفية ضد أحياء أخرى في المدينة انتهاكًا واضحًا للاتفاق وتهديدًا مباشرًا للأمن الحضري. بينما كانت الأيام الأولى تتسم بتبادل نيران المدفعية وقذائف الهاون، بدأت السيطرة على الأحياء تتجه تدريجيًا نحو الحكومة السورية بحلول 8 يناير. تم انتهاك وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 9 يناير بسرعة من قبل YPG/SDF، مما دفع إدارة دمشق إلى إعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة وبدء عمليات البحث والتطهير. في 10 يناير، تم تأكيد انسحاب العناصر الأخيرة من YPG/SDF من حلب، وانتهت العملية المحدودة بعد ذلك بقليل مع تأمين الحكومة السورية السيطرة الكاملة على الشيخ مقصود وعشرفية.
نتائج العملية
تتجاوز تداعيات عملية حلب التوازن العسكري الفوري على الأرض. كانت النتيجة الأكثر مباشرة للصراع هي كشف الهشاشة الكامنة في تحالفات وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية مع القبائل العربية. في الواقع، قامت القبائل العربية التي كانت قد تحالفت سابقًا مع وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية في هذه الأحياء بتغيير ولائها إلى الحكومة السورية بمجرد بدء العملية. يضع هذا التطور سابقة تشير إلى أن تحالفات المنظمة المماثلة شرق الفرات هشة بنفس القدر، وأن العناصر العربية يمكن أن تنشق بسرعة خلال أي عملية محتملة للجيش السوري في تلك المناطق. علاوة على ذلك، حولت عملية حلب التفوق النفسي والعسكري لصالح الجانب السوري فيما يتعلق بتنفيذ اتفاق 10 مارس. وبالتالي، من المحتمل أن تتبنى وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية موقفًا أكثر دفاعية على طاولة المفاوضات في المستقبل. في هذا السياق، قد يخدم الضغط العسكري في إعادة تعريف ميزان القوى لصالح دمشق وفتح الطريق أمام إنهاء الجمود السياسي، بدلاً من تعطيل عملية الدمج.
كما كشفت الاشتباكات عن قدرة وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية المحدودة والدافع لإجراء حرب حضرية طويلة الأمد وعالية الكثافة. إن الفشل في نشر تعزيزات إلى حلب يعد مؤشرًا كبيرًا على أن المنظمة قد تعيد توجيه أولويات دفاعها نحو أراضيها الأساسية. وهذا يوفر نظرة ثاقبة على السيناريوهات المحتملة للعمليات المستقبلية من قبل دمشق في محافظات مثل دير الزور والرقة. علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن بعض الوحدات الفرعية استمرت في القتال على الرغم من وقف إطلاق النار، سلطت الضوء على فشل القيادة والسيطرة داخل وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية، مما كشف عن الفجوة بين العناصر المستندة إلى قنديل والمكونات المحلية.
جانب آخر حاسم من العملية هو أن نموذج الحكم الذي تتبناه دمشق في الشيخ مقصود وعشرفية سيشكل بشكل مباشر كيف ينظر السكان في شرق سوريا، الذين هم حاليًا تحت سيطرة وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية، إلى الحكومة المركزية. بينما يشير النهج المقيد تجاه المدنيين إلى أن هذه التجربة قد بدأت بشكل إيجابي، إلا أن استمرار العملية لا يزال بحاجة إلى مراقبة دقيقة. علاوة على ذلك، فإن إخراج وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية من هذه الأحياء يزيل حاجز أمني رئيسي أمام الانخراط الاقتصادي بين حلب وتركيا، مما يخلق أساسًا جديدًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي.
النهج الأمريكي في سوريا بعد حلب
عكس النهج الأمريكي تجاه العملية موقفًا متوازنًا. بينما دعت واشنطن الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية والانخراط في الحوار، لم تُظهر ردعًا مباشرًا على الأرض لصالح وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية. وقد عزز هذا الأمر بشكل فعلي من نفوذ دمشق، مما ساهم بشكل غير مباشر في إعادة تشكيل الوضع الراهن في حلب لصالح الحكومة السورية. ومع ذلك، لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان هذا النهج سيستمر شرق الفرات. ومن الجدير بالذكر أن الخطاب الأمريكي قد أكد بشكل بارز على العودة إلى طاولة المفاوضات.
في ضوء هذه النتائج، من غير المرجح أن يظهر ديناميكية صراع جديدة بين قوات الحكومة السورية والتنظيم الإرهابي وحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية في المدى القصير. من المحتمل أن يتم إعادة تأسيس طاولة المفاوضات بناءً على هذا التوازن الجديد. ومع ذلك، اعتمادًا على أي انتكاسات محتملة في محادثات الدمج، قد تكون هذه الهدنة قصيرة الأمد. تتوقع الحكومة السورية أن يجبر التوازن الجديد على الأرض المنظمة على تبني خط عقلاني في المفاوضات السياسية. يمكن أن يمهد هذا التطور الطريق لحل سياسي. وعلى العكس، إذا حدث العكس، هناك خطر من تصاعد التوترات مرة أخرى وانتقال الصراع نحو شرق الفرات.

