منذ توليه رئاسة الوزراء الإسرائيلية، أصبح بنيامين نتنياهو واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للجدل في الشرق الأوسط، حيث يرتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالسياسات العسكرية والأمنية تجاه الفلسطينيين، وخاصة قطاع غزة. لقد نظر نتنياهو إلى غزة ليس فقط كمنطقة صراع، بل كحالة دائمة يمكن استغلالها سياسيًا لتحقيق أهدافه الشخصية والحزبية. وقد أدى ذلك به إلى اعتماد استراتيجية طويلة الأمد قائمة على إدارة الأزمات بدلاً من حلها. يمكن القول إن غزة كانت أداة مزدوجة في السياسة الداخلية والخارجية بالنسبة له، حيث خدمت كجسر للضغط على الجمهور الإسرائيلي من جهة وعلى المجتمع الدولي من جهة أخرى، بينما سمحت له بتغطية قضايا الفساد الداخلي والفشل الاقتصادي من خلال زراعة شعور دائم بالخطر والتهديد الوجودي.
الحصار كأداة
لم تتوقف سياساته تجاه غزة عند مستوى العمليات العسكرية؛ بل امتدت إلى استخدام الحصار الاقتصادي والقيود على المساعدات الإنسانية كأدوات للحرب. وقد تم توثيق ذلك من خلال تقارير منظمة العفو الدولية وبيانات الأمم المتحدة، التي تؤكد أن القيود الشديدة على دخول الغذاء والدواء كانت جزءًا من استراتيجية لتقويض الحياة المدنية الفلسطينية. وقد أسفرت هذه السياسات، التي تتراوح بين القصف الجوي والمدفعي إلى التصفية المستهدفة، عن تدمير واسع النطاق للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والمنازل. وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 66% من المباني في غزة قد دمرت أو تضررت، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية والتدمير المنهجي الذي خلفته هذه السياسات.
تظهر السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدها نتنياهو تجاه غزة عمق التخطيط الاستراتيجي: فبنية القطاع التحتية معطلة تقريبًا بالكامل، وقد وصلت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، مما زاد من اعتماد السكان على المساعدات الخارجية، التي غالبًا ما يتم عرقلتها أو حجبها جزئيًا. تُستخدم هذه الحالة كأداة ضغط مزدوجة: أولاً، على السكان المحليين لإخضاعهم، وثانيًا، على المجتمع الدولي لتبرير التدابير الأمنية القاسية، خاصةً للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يظهران دعمًا مستمرًا لإسرائيل بينما يحافظان على صورة خارجية لدولة تحترم القانون الدولي.
التحكم خارج ساحة المعركة
هنا تكمن البعد الجديد في قراءة سياسات نتنياهو: لم يكن هدفه السيطرة العسكرية فحسب، بل السيطرة النفسية والاجتماعية، مما حول غزة إلى مسرح دائم للصراع الأخلاقي، وجعل الحرب جزءًا من هوية السكان اليومية.
يمكن أيضًا قراءة السياسات الإسرائيلية تحت قيادته ضمن مفهوم استخدام القوة الشاملة لتفكيك المجتمع الفلسطيني، بما يشمل هيكله الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي، وتحويل غزة إلى منطقة شبه كارثية باستمرار. تُظهر تحليل البيانات المنشورة من قبل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن ما يقرب من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر المدقع، بينما يتم تدمير المدارس والمستشفيات بشكل متكرر، ويُجبر الأطفال على العيش مع مشاهد يومية من القتل والدمار. يختلف هذا النمط من الحرب عن الحروب التقليدية؛ فهو ليس مجرد صراع مسلح، بل استراتيجية شاملة لإخضاع السكان نفسيًا واجتماعيًا، مما يضعف أي قدرة على تنظيم المقاومة أو إعادة الإعمار.
إدارة السرد الدولي
على الصعيد الدولي، تشكل سياسات نتنياهو تجاه غزة دراسة حالة فريدة في كيفية استخدام القوة العسكرية والضغط السياسي لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد. يكشف تحليل خطاباته الدولية عن براغماتية واضحة: فهو لا يسعى لكسب الشرعية الأخلاقية العالمية، بل لتأمين دعم استراتيجي مستدام من القوى الكبرى، بغض النظر عن مدى الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل. في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يقدم اعتذارًا عن قتل المدنيين في غزة، بل أطر سردًا يصور إسرائيل كدولة مضطهدة تواجه إرهابًا مطلقًا، متجاهلاً أو مبررًا الحصار الواسع والقصف الذي يتعرض له السكان المدنيون. توضح هذه المقاربة التحليلية كيف أن هدف نتنياهو ليس حل النزاع، بل إعادة إنتاجه، مما يضمن بقاء الملف الفلسطيني أداة ضغط دائمة يمكن استغلالها داخليًا وخارجيًا.
الحرب كسياسة داخلية
من منظور سياسي داخلي، استخدم نتنياهو بنجاح النزاع مع غزة لإعادة تصنيع شعور دائم بالخطر بين الإسرائيليين، مما يعزز من موقفه كقائد قوي لا غنى عنه. يظهر التحليل أنه استخدم الحروب والحصار كغطاء للسياسات الداخلية؛ فالمواطن الإسرائيلي الذي يعيش تحت تهديد دائم يصبح أكثر قبولًا للإجراءات القاسية وأكثر استعدادًا لدعم زعيمه، بغض النظر عن تكاليف السياسات الداخلية والخارجية. بهذه الطريقة، تمكن نتنياهو من دمج السياسة الخارجية والداخلية بطريقة تجعل كل عملية عسكرية أو حصار جزءًا من مشروع سياسي أكبر يضمن بقائه في السلطة على المدى الطويل، ويعزز من حلفائه من اليمين المتطرف، بينما يضعف أي معارضة تدعو إلى حل سلمي أو تفاوضي.
من منظور تاريخي، أعاد نتنياهو تعريف أزمة غزة وجعلها أكثر تعقيدًا واستمرارية. فهو لا يكتفي بالرد على الهجمات فحسب؛ بل يحول كل حادثة إلى فرصة لإعادة تشكيل السرد السياسي، وتعزيز الخطاب الأمني الداخلي، وتبرير العمليات العسكرية المستمرة. يكشف التحليل الأخلاقي لهذه السياسات عن إصرار على استهداف المدنيين بشكل غير مباشر من خلال حصار الموارد الأساسية وتجويع السكان، مما يحرم آلاف الفلسطينيين من أبسط ضروريات الحياة ويخلق حالة من العزلة النفسية واليأس للأطفال والنساء وكبار السن — وهي أفعال اعتبرت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
عقيدة ورثها الخلفاء
لم يترك نتنياهو غزة كملف سياسي فحسب؛ بل حولها إلى عقيدة أمنية إسرائيلية، مما يعني أن أي زعيم مستقبلي سيرث نظامًا كاملًا يمثل نوعًا جديدًا من “الحرب المركبة”، يجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، إلى جانب إدارة إعلامية دقيقة، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى أداة دبلوماسية. لم يترك مجالًا للمجتمع الدولي سوى المراقبة أو الإدانات الرسمية، بينما يواصل تنفيذ سياساته بحرية شبه كاملة، مستفيدًا من الدعم الغربي التقليدي، وغالبًا من الصمت الدولي بشأن الانتهاكات. تظهر التحليلات أن هذه الحرب المركبة لم تستهدف حماس وحدها بل المجتمع بأسره، مما حول غزة إلى نموذج لكيفية استخدام القوة والضغط النفسي والسياسي في النزاعات المعاصرة.
مع مرور السنوات واستمرار هذه السياسات، يتضح أن الاستراتيجية لم تكن عابرة أو عشوائية، بل كانت خطة متكاملة لإدارة الصراع بشكل دائم. أدرك نتنياهو أن أي حل سلمي قد يقلل من دوره ونفوذه، لذا كان حريصًا على إبقاء الوضع في غزة متقلبًا، مما يضمن أن تظل نقطة ضغط سياسية دائمة محليًا ودوليًا. يبرز هذا البعد الاستراتيجي براعة نتنياهو في استخدام الصراع كمحرك سياسي، ولكنه في الوقت نفسه يكشف عن أسلوب حكم يعتمد على الأزمات المستمرة بدلاً من السلام المستدام.
مهندس المعاناة المستمرة
يبدو أن الآفاق المستقبلية للقطاع تحت هذه السياسات قاتمة، حيث إن كل حرب جديدة أو حصار يعيد إنتاج نفس الواقع: تدمير البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وظهور الأمراض، ونقص الغذاء والدواء، بالإضافة إلى التأثير النفسي العميق على الأطفال والشباب. تعكس هذه الواقع أن سياسات نتنياهو لم تكن مجرد رد فعل أمني بل مشروعًا طويل الأمد لإضعاف غزة.
في الختام، يمكن القول إن نتنياهو لم يترك غزة كجزء من الصراع؛ بل حولها إلى نظام مستمر من المعاناة الإنسانية والسياسية، حيث يرتبط أي تغيير في الوضع مباشرةً بوجوده أو مغادرته. يمتد تأثير سياساته إلى ما هو أبعد من الحاضر، تاركًا علامة طويلة الأمد على الأجيال المستقبلية، مما يجعل الحلول السلمية صعبة للغاية. ومع ذلك، يبقى الأمل في صمود الفلسطينيين ومقاومتهم الروحية والاجتماعية، مما يثبت أن غزة ليست مجرد ساحة معركة بل رمز للكرامة الإنسانية المستمرة على الرغم من جميع محاولات الإضعاف والتدمير. تكشف التحليلات النهائية أن سياسة نتنياهو لم تكن مجرد صراع عسكري بل مشروعًا كاملاً لإدارة الألم والمعاناة كأداة سياسية دائمة، مما يجعل دراسة هذه السياسات ضرورية لفهم صعود واستمرار القادة الذين يعتمدون على الأزمات كوسيلة للبقاء في السلطة.

